سمير فريد خمسون عاماً من النقد السينمائى

19/05/2015 - 10:56:28

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

محمد بدر الدين - كاتب مصرى

بحلول عام 2015 يكون مر نصف قرن على بداية اشتغال الناقد القدير سمير فريد ، بالنقد السينمائى على نحو منتظم فى جريدة " الجمهورية " ، إثر الانتهاء من دراسته بقسم النقد فى المعهد العالى للفنون المسرحية ، وحيث أصدر أول كتبه التى تجاوزت الخمسين كتاباً ، وهو كتاب " سينما 1956 " الذى يضم مقالاته عن الأفلام التى عرضت عام 1965 . وأتبعه بكتابه " العالم عن عين الكاميرا " الذى يضم تحليلاته النقدية للأفلام المصرية والأفلام الأجنبية التى عرضت فى مصر عامى 1966 و 1967 ، بأسلوب ساطع محدد يجمع بين العلمية والموضوعية ، والروح الأدبية الشفافة ، التى لا ينبع الجمال فيها من زخارف القول ، وإنما من نصاعة وصفاء العبارة ، ومن توخى الدقة والحرص على التخصص ، حيث يصبح الأدق هو ذاته الأجمل ، وحيث تنطبق المقولة التى كتب لينين يوماً أنها أكثر ما أعجبه لفيلسوف قديم ، وهى : " إن من يفكر بوضوح يعبر بوضوح " .


ومن الجدير حقاً بحياتنا ثقافياً وحضارياً أ، نحتفل بسمير فريد ، وأن نقول له : " شكراً " من قلوبنا ، وهو جدير بأن يعرف ويوصف حالياً بأنه : " عميد النقد السينمائى العربى " ، والحق أن إنجازه ومشروعه النقدى صرح شاهق ضمن عطاء ومنجزات جيلى أو دفعتى ( أو بالأحرى جناحى ) النقد السينمائى المتخصص لدينا فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين ، الذى يعد فرسانه رواداً بكل ما في كلمة واصطلاح الريادة من معان ، والذين لم يعد النقد السينمائى العربى بعدهم كما كان قبلهم على الإطلاق ، فهم الذين أسسوا لنقد ليس جاداً ومتجرداً فحسب ، وإنما أيضاً متخصصاً ومتعمقاً بالمعنى الحديث والعلمى للنقد السينمائى فى العالم . ( ولذلك ففى نظرنا أن كتاب سمير فريد " العالم من عين الكاميرا " كتاب رائد ، لأننا نذهب إلى أنه الكتاب الأهم والمؤسس لهذه الاتجاهات الحديثة فى نقدنا السينمائى ) .


ومن الناحية الفكرية والسياسية ينقسم نصف القرن من اشتغال سمير فريد بالنقد ، إلى قسمين متساويين تقريباً ، فهو فى ربع القرن الأول ناصرى ، وفى ربع القرن الثانى ليبرالى ، وكما يوجد " عبد الوهاب القديم " الذى يفضله البعض و " عبد الوهاب الجديد " ، فإنه فى نظرنا يوجد " سمير فريد القديم " و " سمير فريد الجديد " ، وباعتبارى ناصرياً أنتمى إلى التيار الثورى الذى رفع لواءه جمال عبد الناصر وأجده بالقطع مع تجديد واضح ضرورى فى جوانب وقضايا معينة لا يزال الطريق الأصح والجسر الأصلح إلى المستقبل ، فإننى بطبيعة الحال أفضل " سمير فريد القديم " من ناحية الرؤية السياسية .


وع ذلك فإننى ظللت دوماً على نفس الدرجة من الاستمتاع بكل ما يكتب سمير فريد سواء فى ربع القرن الأول ، أو فى ربع القرن الثانى . فمن حسن الحظ أنه لا ينتهج فيما يكتب منهج النقد الأيديلوجى - بمعناه الشائع والسلبى - سواء وهو ينتمى إلى الناصرية ، أو وهو ينتمى إلى الليبرالية .. وبالطبع فما الليبرالية إلا أيديولوجية كبرى بل هى أقدم الأيديولوجيات فى عالمنا المعاصر ، بل إن سمير فريد سواء القديم أو الجديد ينتهج فى كل ما يكتب النقد الموضوعى . أى الذى لا يبرز ، أو يركز على الأيديولوجيا ، إلا بقدر الضرورة ، وبقدر ما يتطلب التناول النقدى للفيلم ( خاصة إذا كان الفيلم نفسه أيديولوجياً ! ) . وهو دائماً كان يركز على تحليل الجوانب الدرامية والجمالية ، إلى جانب الفكرية والسياسية .


وعلى سبيل المثال فإنه فى مرحلته الناصرية : يناقش ويرفض على نحو جذرى عميق بقدر ما هو موضوعى رصين أفلام مثل " ميرامار " ( 1969 ) ، و " ثرثرة فوق النيل " ( 1971 ) ، و " الكرنك " ( 1975 ) .. ( والتى أصبحت كلها أفلاماً تعبر عن الرؤية الناقمة وليس الناقدة بل المعادية لثورة يوليو لكاتب السناريو ممدوح الليثى ، أكثر من كونها تعبيراً عن جوهر وروح روايات نجيب محفوظ خاصة الأولى والثانية ! ) . كما أنه فى مرحلته الناصرية يحلل ويقبل نقد يوسف شاهين للناصرية فى فيلمه " عودة الابنالضال " ( 1976 ) . ثم يعتد بفيلم صلاح أبو سيف " المواطن مصرى " ( 1991 ) الذى وصفه بحق بأنه " فيلم ناصرى " ، ومع ذلك فرغم الاعتداد لم يتغاض عن تحفظات عليه أو مؤاخذات من جوانب غير فكرية .


كذلك فعلى سبيل المثال فى مرحلته الليبرالية : فإنه يكتب - متفهما ً - أوفى وأصفى تحليل نقدى ، ينصف فيلو " دكان شحاتة " ( 2009 ) ورؤيته ، للمخرج الناصرى خالد يوسف ( مختلفاً فيه كلياً وعن حق مع معظم النقاد ) .


وبالتأكيد هو ناقد ظل طول الوقت ، وعبر المرحلتين ، ضد كل نزوع رأسمالى مستغل فى أية رؤية لأى فيلم ، مع أن هذا النزوع هو جزء اصيل وشق مستمر - بالطبع وبالضرورة - فى كل الرؤى التى تنتمى إلى الأيديولوجيا الليبرالية التى لا يعدو أن يكون الجانب السياسى المتحرر ( الديموقراطى ) فيها إلا مجرد شق واحد .


حتى هذا الشق ( الديموقراطى ) أخذ به بالكامل ماركسيون معاصرون ، بل كل كوادر أجيال الناصرية المتعاقبة منذ الجيل الناصرى فى السبعينيات .


لقد كان سمير فريد حتى وهو ناصرى ناقداً موضوعياً وليس أيديولوجياً . خاصة أن الناصرية بطبيعتها - كما نعرفها - رحبة مفتوحة على كل الآفاق ، بلا ضفاف إذا استعنا بتعبير روجيه جارودى المشهور ، ولم تكن ولن تكون أبداً من الأيديولوجيات المغلقة المتعصبة ، ضيقة الأفق أو من نوعية " ديماجوجية " أو " دوجما " !


سمير فريد .. شكراً جزيلاً على كل ما أسديت ، أنت والكوكبة التى كنت فى صدارتها من النقاد الرواد ، الذين جددوا النقد السينمائى العربى ، وأسسوه تأسيساً جديداً - من غير أدنى تقليل من شأن وجهود كل من سبق منذ فجر السينما المرية - دمت وسلمت ناقدنا الرائد . ولتمتعنا كثيراً بعملك النقدى الجميل فكم كان وباستمرار غبداعاً موازياً لإبداع الفنانين الذى تتناوله . ما أرفع وأجل إسهامك وإنجازك وصرحك هذا الصرح الذى تنقصه الآن فى نظرنا " لبنة " لو أضيفت لكان البناء والعطاء الشامخ أكمل وأجمل ، ونعنى سيرتك الذاتية .. خاصة وأنها حافلة زاخرة بأكثر مما يتصور أحد إلا من عرفك ، وخاصة أنك راوية وحكاء عظيم و فريد . " سمير فريد " حقاً .


هناك مشروع آخر شديد الأهمية يتحدث عنه سمير فريد فى كتاب تكريم المهرجان القومى للسينما المصرية له ( الصادر عن صندوق التنمية الثقافية عام 2005 ) .


لابد هنا من الإشارة إليه ، بل التذكير المستمر لصاحبه به . يقول : " حتى الآن أخجل من نشر كتاب نظرى تماماً كما أخجل من نشر موسوعتى عن الأفلام المصرية رغم أننى أعمل عليها منذ عام 1967 . الموسوعة بدأت ذلك العام بمبادرة من بدر الديب وهو من أساتذتى الذين أعشقهم وبدأتها تحت إشرافه . أخيراً قال لى انشر مت أنجزته ولو كان ناقصاً أو لا يرضيك تماماً فليستا هناك نهاية للبحث والتدقيق " .


كما يقول سمير فريد فى الكتاب نفسه ( الذى حرره وحاوره فيه وائل عبد الفتاح ) ، هذا القول المعبر بوضوح عنه .. صورة من تفكيرة " بالنسبة لى كانت قضية السينما فى مصر ولاتزال أ، يصبح لها مكانها الذى تستحقه فى المجتمع وبين الفنون ، على الصعيد الرسمى وعلى الصعيد الشعبى . عن النقد السينمائى . ربما أكون أول من وصف نفسه بالناقد السينمائى . كان الشائع هو الناقد الفنى . وكان هذا الناقد الفنى يكتب عن السينما وعن كل الفنون وغير الفنون . وكان من الشائع أن يكون مدير دعاية للفيلم ، بل وينشر اسمه فى العناوين ( التترات ) مع العاملين فى الفيلم ؟ كانت قضيتى وقضية جيلى أن يستقل النقد السينمائى كنقد ، وأن يستقل عن شركات الإنتاج والتوزيع ، وعن النجوم . باختصار أن يصبح مثل نقد الأدب والمسرح . ولهذا جمعت مقالاتى فى نقد الأفلام التى نشرتها عام 1965 ونشرتها فى كتاب عام 1966 حتى يصبح الناقد السينمائى مثل النقد الأدبى أو المسرحى ، الذى يجمع مقالاته وينشرها فى كتب " .


ويقول : " لقد بدأت وجيل الستينيات من النقاد " الجدد " فى عصر سينما المؤلف ولغة السينما . أى أن المخرج ليس مديراً للبلاتوه بالمعنى الحرفى لكلمه director  بالإنجليزية ، وإنما مبدع فرد ، وأن لغة السينما ليست تجميعاً من الفنون الأخرى ، وإنما لغة خاصة مستقلة " .