كيف تلاشى اليسار؟

19/05/2015 - 10:51:03

لينين لينين

سلامة كيلة - كاتب فلسطيني

حين حدثت الثورات وجدت الشعوب ذاتها دون بديل، لا رؤية أو برنامج أو إستراتيجية، وبالتالي أو حزب حمل مطالبها ويحدد الطريق الموصلة إلى تحقيقها. فالحس العفوي هو الذي دفع الشعب للثورة، لكن التغيير وتحقيق المطالب يحتاج إلى "العقل" الذي يبلور البديل والسياسة التي تفضي إلى تحقيقه.


لماذا كان اليسار غائباً عن لحظة هي لحظته، خصوصاً حين تكون المطالب الاجتماعية (الطبقية) هي أساس الثورة؟ بالتالي كيف تلاشى اليسار؟ الأمر هنا لا يتعلق بالدول التي حدثت ثورات فيها، بل طال العالم عموماً، ففاعلية اليسار تراجعت خلال العقود الماضية، وكادت تتلاشى بُعَيد انهيار المنظومة الاشتراكية، وبات يعيش غربة في عالم تغيَّر. ليبدو اليوم أن العالم يسير بعيداً عنه، وهو يعيش حالة احتضار.


يمكن أن نقول بتبسيط شديد إن التحولات العالمية منذ بداية القرن العشرين قد استهلكت اليسار. لقد نهض على الفكر الثرّ الذي توصّل إليه كل من ماركس وإنجلز، وتعزز مع رؤية لينين، ومن ثم ماو تسي تونج. حيث تحققت انتصارات كبيرة شملت نصف العالم. فقد شكلت الماركسية بديلاً عن الرأسمالية، ومن ثم بديلاً عن مسار التطور الرأسمالي، وفي هذا انتصرت الاشتراكية وتوسعت. مثّلت بديلاً حقيقياً خصوصاً في البلدان التي قُطع طريق تطورها الرأسمالي، ولهذا تحوّلت إلى قوة فعلية وحّدت شعوب في صراعها من أجل التطور والحداثة. هذا ما طبع القرن العشرين، وما أسَّس لتطور عالمي كبير في أمم كان محكوماً عليها بالتخلف والفقر والتهميش.


لكن بداية القرن الحادي والعشرين أظهرت أن هذا البديل تلاشى، أكثر من ذلك بات يعبّر عن اغتصاب لمسار التطور، وخدش لجمال الرأسمالية. لقد انهارت الأممية الثانية مع ميل الأحزاب الاشتراكية إلى "النشاط الإصلاحي"، واعتبار أن الرأسمالية لا زالت راسخة ولم تصل مرحلة التعفُّن والانهيار لكي تنتصر الاشتراكية. وتحوّلت إلى أحزاب "ديمقراطية اجتماعية" عبّرت عن ميل النمط الرأسمالي لأن يحلّ تناقضه الداخلي عبر تحقيق "المساومة التاريخية"، التي عنت تحسين وضع العمال وفتح الأفق لأن تكون النقابات جزءاً مشاركاً في تحديد الأجور، والسماح بالإضرابات من أجل ذلك. كل ذلك مع توسع الطبقة الوسطى وتقلّص حجم الطبقة العاملة، مستفيدة من هيمنتها العالمية ونهبها الشعوب المخلَّفة. وهو المسار الذي أفضى إلى "نهاية حلم" تغيير الرأسمالية لمصلحة إصلاحها. وبهذا انتهت تلك الأحزاب لأن تصبح جزءاً من سلطة الرأسمال بدل أن تكون بديل الرأسمالية. فانتهى الحلم الاشتراكي لمصلحة تحسين الوضع في ظل الرأسمالية.


هذا الشكل لم يعد مثالاً للشعوب المفقرة والمهمشة، التي فتنت بالمثال اللينيني، الذي أوضح إمكانية انتصار الشعوب وتطورها. لكن اللينينية استُهلِكت في مشروع نقل روسيا إلى دولة صناعية حديثة (تحقيق المهمات الديمقراطية كما أسماها لينين). لقد تطورت روسيا لكن السلطة التي حكمت باتت عبئاً على المجتمع، فرض وقف تطوره وتكلسه، في ظل "تمايز استهلاكي" كبير، وسلطة شمولية فرضت الاستلاب على الشعب. ومن ثم انهارت "بعد أن أنجزت مهمتها"، التي هي بناء دولة صناعية وتحقيق الحداثة. وبالتالي انهار المثال.


مع تضعضع المثال الروسي بدت الصين بعد انتصار ثورتها كبديل تمثله قطاع من اليسار، لكن الصين تحوّلت سريعاً نحو الرأسمالية والتفاهم مع الإمبريالية الأمريكية، خصوصاً بعد موت ماو تسي تونج سنة 1976. لتظهر فيتنام كمثال في الصراع ضد الإمبريالية غذى نشوء يسار جديد. في أوروبا ظهر مفكرون كبار لم يغيّروا من مسار اليسار رغم أهمية نتاجاتهم. ظهر جرامشي الذي سرعان ما زجّ في السجن، حيث كتب أهم نتاج فكري بعد لينين وكتكملة له، لكنه خرج بعد سنوات لكي يذهب إلى القبر بعد زمن قصير. وسار حزبه في طريق الاشتراكية الديمقراطية. وظهر جورج لوكاش الذي لم يستطع أن يغيّر من مسار الستالينية التي كانت تهيمن على حزبة الهنغاري، فهُمِّش بعد أن ترك دراسات مهمة. بالتالي انحكم العالم لمسار الأممية الثانية من جهة، وللتجربة الاشتراكية من جهة أخرى، في مآلهما الذي كان ينهي المثال. لقد تلاشى كل نتاج ماركس العبقري في سياق التطور الذي كان يستهلك الأفكار، وهو يتحقق بها أو على الضد منها. ليبدأ القرن الجديد بلا "مثال"، إلا بـ "المثال" الليبرالي الذي كان دفع العالم إلى وحشية فظيعة.


ثم ظهر أن تجارب التحرر الوطني قد أخذت تتهاوى منذ سنة 1970 بموت جمال عبد الناصر، بعد أن تركت شعوراً سلبياً جداً من منظور الطابع السلطوي الذي حكمها، والشمولية التي تصرفت الفئات الحاكمة فيها، والاستبداد الذي أفضى إلى سحق كل الأحزاب في اليمين واليسار. رغم كل التطور الذي حققته، والتغيّر الكبير في التكوين المجتمعي. لقد كان سقوطها بالمآلات التي سارت فيها فئات استأثرت بالسلطة وعبّرت عن من نهب وتصرّف في القطاع العام، هو سقوط لبديل ظهر كرديف للتجارب الاشتراكية، وكمعبّر عن ميل الشعوب إلى التحرر والتطور. بالتالي بات البديل القومي كذلك موضع شك وتشكيك، وحتى رفض.


  إذن، لقد تلاشت الاشتراكية الأولى (الأممية الثانية) في سياق تطور الرأسمالية لتنتج أحزاب ديمقراطية اجتماعية لم تشكل مثالاً لبلدان الأطراف التي لم تكن قد تطورت رأسمالياً أصلاً. ثم تلاشى بديلها، التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية الأخرى، بعد أن سقط، باعتبار أن سقوطه يشكّل فشله، رغم أن الاشتراكية قد حققت نقلة نوعية في تلك البلدان تساوي ما حققته الرأسمالية ذاتها. ثم تلاشت تجارب التحرر الوطني، وانهار المثال القومي. ليدخل القرن الحادي والعشرون والعالم بلا بديل أو مثال، رغم أنه دخله وهو مرهق من نهب طويل مارسته الرأسمالية أفضى إلى فقر وبطالة وتهميش.


وإذا كانت الأحزاب القومية قد تلاشت نتيجة "التجربة المرة" التي حققتها، رغم أنه من السذاجة تجاهل ما حققته في لحظة نشوئها، حيث حققت مطالب قطاعات شعبية كبيرة، لكنها لم تستطع التقدم الجدي في تحقيق التطور كما فعلت التجربة الاشتراكية. وبالتالي لم تعد مثالاً لأجيال عاشتها أو تلت انهيارها. فقد حكمت الأحزاب الشيوعية إشكالية كبيرة حتى والاتحاد السوفيتي يشكّل مثالاً لشعوب. لهذا لم تستطع أن تؤسس تجربة فعلية كما فعلت الأحزاب القومية، الأحزاب التي استفادت من التجربة الاشتراكية لتحقيق بعض التطور، لكن طابع الفئات التي قادتها دفع لأن تغلّب مصالحها الضيقة على المصلحة المجتمعية فتدمر التجربة قبل أن تحقق التطور الضروري. الإشكالية تمثلت في أنها تبعت الاتحاد السوفيتي، وانطلقت من أولوية انتصار البرجوازية، وأن دعمها هو السياسة الحكيمة قبل أن تطرح الانتقال إلى الاشتراكية. فالمرحلة هي مرحلة التطور البرجوازي، ونضال الشيوعيين يجب أن يقوم على استكمال تحقيق المرحلة الديمقراطية البرجوازية. بمعنى أنها اشتغلت على مقلوب المثال السوفيتي الذي انطلق من فكرة لينين التي تعتبر بأن مهمة الشيوعيين أنفسهم تتمثل في تحقيق المهمات الديمقراطية التي لم تعد البرجوازية معنية بها نتيجة تشابك مصالحها مع الرأسمال الإمبريالي.


لقد كانت الحركة الشيوعية دون "مثال" حقيقي، بل اتبعت مثالاً وهمياً يقوم على تكرار تاريخي بات مستحيلاً تحققه. لكن الأحزاب القومية هي التي التزمت "المثال" الذي نشأ في التجربة الاشتراكية رغم أنها كانت تمثّل فئات وسطى. لهذا همّشت النظم القومية الحركة لأنها حققت في الواقع أكثر مما طمحت الحركة، أكثر بكثير ربما. فباتت الحركة الشيوعية على هامش التكوين المجتمعي (الطبقات) بعد أن كانت تستقطب عمالاً وفلاحين فقراء، وتسيطر على نقابات وقرى. لكنها كانت قد وضعت كل ذلك في سياق إصلاحي ينطلق من نضال مطلبي من طرف ونضال ديمقراطي من طرف آخر، في سياق المراهنة على انتصار الرأسمالية. وحين خلخلت النظم القومية التكوين المجتمعي عبر تغيير وضع وواقع الطبقات المفقرة كان من الحتمي أن تتهمش وتصبح خارج الصراع الاجتماعي. التحقت إما في النظم القومية ذاتها، أو تراجع وجودها وتهمشت، وفي الحالين كان واضحاً نهاية دورها وفاعليتها، ونهايتها بالتحديد.


إذا كان القرن العشرون هو قرن الحلم بالتغيير الاشتراكي منذ أن نجحت ثورة أكتوبر سنة 1917، التي توسع انتشارها إلى أكثر من نصف العالم، فإن الحركة الشيوعية العربية بدت معاقة بعد عقد ونصف من محاولة البناء الفعلي (1923-1937)، حيث كانت تتخلى عن البلشفية التي تسمت بها لمصلحة المنشفية التي حاربها لينين وانتصر على أنقاضها. بمعنى أن الخيار الذي حكمها، بعكس كثير من الأحزاب الشيوعية في العالم، هو خيار التطور الرأسمالي وليس انتصار العمال والفلاحين الفقراء كما جرى في الصين والهند الصينية وكوبا وغيرها. لهذا بدت تتابع حلماً كان قد أصبح وهمياً منذ أن أصبحت الرأسمالية نمطاً عالمياً إمبريالي الطابع، وهو حلم انتصار البرجوازية وتحقيق المهمات الديمقراطية. لقد بدت أنها ملحقة ببرجوازية موهومة، في وضع كان يريد أن تقود هي الصراع من أجل استلام السلطة وتحقيق المهمات الديمقراطية في طريق الوصول إلى الاشتراكية، وفي وضع كان يسمح بذلك. هي في ذلك كانت تخضع لـ "ماركسية" صيغت في الاتحاد السوفيتي باتت "خالية من الدسم"، أي من منهجيتها التي هي الجدل المادي، وبالتالي كان طبيعياً ألا تفهم الواقع أن تخضع لتكتيك الدولة السوفيتية الذي كان يربط الصراع في البلدان المختلفة بصراعه العالمي، وبالتالي كان يخضع الصراع المحلي لعدم التوتير مع الإمبريالية بإسقاط نظمها في الأطراف.


هذا ما سمح للأحزاب والقوى القومية، التي مثلت فئات وسطى، بأن تلعب دور التغيير في منظور أكثر "جذرية" مما طرحت الحركة الشيوعية، وأوصل لأن تلتحق الحركة بالنظم القومية، وتعبّر عن طابعها البرجوازي الصغير. ولقد غدت مع نهاية القرن العشرين وانهيار الاتحاد السوفيتي عارية، وهرمة، بلا أفق.


بالتالي لا بد من القول مع ماركس: دع الموتى يدفنوا موتاهم، على أن تُنهض الثورات يسارها الحقيقي، وماركسييها الحقيقيين.