ما جاء في مرثية المعري لنفسه

19/05/2015 - 10:48:29

ابو العلاء المعرى ابو العلاء المعرى

أحمد عبد السادة

ولد في بغداد عام 1978، عضو المجلس المركزي في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، نال الجائزة الأولى للشعر في مسابقة عزيز السيد جاسم 2006، الجائزة الأولى للشعر في مسابقة بيت الحكمة للثقافة والفنون عام 2008.


لم يكن لي سوى أن أضرمَ اليأسَ في قيثارتي


وأن أكمِّمَ الهواءَ بصرخةٍ ذبيحة.


لم يكن لي سوى أن أكلِّلَ البدايةَ بالفقدان،


وأن أهدي للضوء جناحينِ من تراب.


لم يكن لي سوى أن أعتــِّقَ النارَ


لأصنعَ منها عيناً تطلُّ على مقبرةِ الوقت،


تطلُّ على العدمِ وهو يشحذُ بروقَـهُ ويضحكُ.


لم يكن لي سوى أن أعرفَ أنّ الوقتَ....


صندوقٌ من الأنين،


ونهرٌ لا تروضُهُ اللغات،


ومتحفٌ للصمتِ والشموسِ المحنـَّطة.


لم يكن لي سوى أن أعرفَ هذا....


وأن أعرفَ أنّ دمي رميةُ نردٍ


أطلقـتْها شهوةُ أبي في غابةٍ عمياء. 


ولكنني أرى...


أرى العمى الذي أغرقتْ صيحتُهُ قلوبَ أسلافي


أرى أسلافي وقد عبـّئوا أيامَهُم بالسراب


وأيقظوا بذورَهُم في سورةٍ للقحط


وولّوا أسماءَهُم شطرَ أذانٍ تجعَّدَ  


شطرَ كتابٍ يلمَّعُ الريبُ آياتِهِ.


ولكنني أرى...  


أرى آياتٍ ملثّمةً تتوعدُ الأغاني بالصدأ،


والمطرَ بوادٍ غير ذي زرع،


والمدى بمغارةٍ لا تعرفُ القراءةَ،


والهواءَ بكفنٍ أسود،


والنهارَ بشمسٍ من الدم،


والمدنَ بقنابلَ هرّبتها خيولُ قريش. 


لم يكن لي سوى أن أصابَ بدوارِ الزمن


لأعرفَ أنّ الأيامَ بساتينُ جماجم،


لأعرفَ أنّ المكانَ مختنقٌ بأضرحةٍ لا تُـرى.


ولكنني أرى...


أرى العطشَ يزرعُ أقفالـَهُ في الماء


أرى الماءَ مسجىً في تابوتٍ من الرمل


أرى الرملَ شاهدةَ كلّ شيء حي


أراهُ يشيِّدُ نشيدَهُ المأتميّ في خفقةِ عسلٍ يتقاسمُها زوجان


أراهُ يدسُّ نبضَهُ الثـقيلَ في صرخةِ الولادة


أراهُ...................


....................  


وأرى حشودَ ذبائحهِ المتناسلة


منقَّعةً بالغفلة ومسحورةً بذهبٍ ميّت


ومحروسةً بكلماتٍ لم يزرْ أنفاسَها الفجر.


لم يكن لي سوى أن أعرفَ أنّ الوقتَ ناعورٌ


يحملُ ماءَ البارحةِ إلى ساقيةِ الغد.


لم يكن لي سوى أن أعرفَ أنّ الوقتَ..


إكليلٌ خالدٌ على ضريحٍ اسمُهُ الماضي


كلُّ آتٍ، إذن، مدججٌ بانطفائهِ


كلُّ لحظةٍ تطلُّ هي عروسٌ أرملة.


لم يكن لي سوى أن أعرفَ أنّ دمي حوارٌ


بين قاتلٍ وقتيل.


لم يكن لي سوى أن أعرفَ أنّ دمي بريدٌ مفتوحٌ...


لرسائلِ العدم...  


لذلك... كان عليّ أن أحتكرَ قناديلَ عتمتهِ


وأن أقفلَ رعبَهُ على نفسهِ.


لم يكن لي سوى أن أعرف هذا...


لذلك... كان عليّ أن أعاشرَ نجمةً عاقراً


وأن أستنجدَ بنهايةٍ لن تبذرَ النحيبَ وراءها.


هذا، إذن، هو نزفي المنفردُ


وهذه هي، إذن، صحرائيَ الرحيمة


حيثُ لا وردةٌ كي تساقَ إلى الذبول،


ولا ينبوعٌ كي يُوشمَ قلبُهُ بالجفاف، 


ولا ضوءٌ كي يحملَ على حدبتهِ ثروةَ الظلام،


ولا نردٌ كي تطلقَـهُ شهوةٌ في غابةٍ عمياء.


هذا، إذن، هو عدمي....


أتوكأُ عليهِ...


وأستدلُ بهِ على حدائقِ الفجيعة،


على ربيعٍ أطفأتْ شهيقَهُ المناجلُ،


على سنبلةٍ أكلَ النملُ تنهيدتها العذراء، 


على صباحٍ اختنقتْ شرايينُهُ بالرماد.


هذا، إذن، هو عدمي...


يؤاخي جمرتـَهُ الكاملة،


ويُطفىءُ الوهمَ في مراياهُ المؤبدة، 


ويدقُّ خطوتـَهُ في بوصلةٍ بلا جهات.


هذا هو، إذن، دميَ الحرامُ يشنقُ صمتـَهُ،


ويستظلُّ بشجرِ المراثي....


ليعربَ عن شمسهِ القتيلة.