صلاح مرعي .. طفل كبير منذور للدهشة واستعادة جمال مصر

19/05/2015 - 10:44:02

صلاح مرعي صلاح مرعي

آمال فلاح - كاتبة جزائرية

 «ده صلاح مرعي، تاريخ صلاح مرعي هو تاريخ السينما المصرية، انت مش عارفاه؟» تقول لي نبيهة لطفي، وعلامات التعجب بادية علي وجهها. لم أكن أعرف صلاح، ولم أكن قد زرت مصر. كنت مهووسة بموتاي. أصدقائي من الصحفيين الذين اغتالهم الإرهاب، الخوف الرازح على قلب الجزائر أكثر من عشر سنوات، الوجوه الغريبة التي كانت تقفز من الجرائد والتي راحت ضحية تفجير أو قتل عمدي كنت أبكيها كل ليلة.


لم أكن أعلم ساعتها أن الرجل الذي كان الحديث معه ينساب بسير وسهولة هو أحد أهم وجوه هندسة المناظر والديكور في السينما المصرية، وأن الفضل يعود إليه أساسا في صنع أهم الأفلام التي جعلت السينما المصرية ترتقي إلى مصاف العالمية: «المومياء»، «الجوع»، «خريف آدم» وغيرها، ناهيك عن كونه الأخ الأكبر للممثل الراحل أحمد مرعي.


    «إنه أكبر العلامات التي تميز جيلنا، بل لعله محصلة أفضل ما فينا»، يردد المخرج محمد كامل القليوبي. لكنني وغيري ممن اقتربوا منه، أثناء المهرجان، لم نكن على علم بذلك، فالطمأنينة التي كانت تشع من حضوره كثيرا ما كانت تشجعنا على «الدلع» والتمادي في طلب المزيد من طيبته وسخائه. كنا نعرف فقط أنه القلب النابض لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة، وأن تقاسيم وجهه الصارمة سرعان ما كانت تخلي المكان للإنسان الساكن بداخله. فما أن ينشق الوجه الكالح عن ضحكة طفولية، ما أن ينبس الفم الصامت بحكايات أو تعليقات،  يتحول الرجل فجأة إلى ساحر.


«تاريخ صلاح مرعي هو تاريخ السينما المصرية» يكرر الجميع، لكن الرجل الجالس أمامي حاول تلخيص اهتماماته المتشعبة باستهزاء: «أعمل أحيانا مهندس ديكور، وأحيانا أخرى أعمل متاحف، وأحيانا أدرس بالجامعة»، ثم أضاف: «وأجيد الطهي أيضا»، قبل أن تعلو ضحكته وهو يروي لي ما خلفته عبارته تلك من ردود أفعال في مناسبات شتى.


 ثم عادت به الذاكرة إلى أيام تصميم فيلم «المومياء» لشادي عبد السلام ـ الأب الروحي ـ حين اشتد الجوع بالفريق العامل بالفيلم، ولم يكن لديهم سوى لفافة لحم نيء وبصل وطماطم، ووسط يأس الجميع وجوعهم القاتل، لفها صلاح في ورق شفاف كانوا يستعملونه في الرسوم، وقطعها بالمنشار والأزميل، ثم أحاط اللفافة بالطين الذي كان يستعمله في نحت التماثيل، ووضعها في الكور الخاص بورشة الحدادين بعد أن أشعل النار فيه. بعدها تحولت كتلة الطين إلى كتلة حجرية ملتهبة، وحين كسرها ظهرت الورقة برسومها كما هي. فكها وكأنها خرجت للحياة مرة أخرى. وبعد أن التهم الجميع الأكل بنهم، نظر إليه زميله أنسي أبو يوسف قائلا: «يخرب بيتك يا صلاح.. حتى ده بتفهم فيه؟»


     كان صلاح مرعي خريج أول دفعة لمعهد السينما الذي فتح أبوابه عام 1959، وكان له حظ التعلم على يد شادي عبد السلام الذي اختاره بعد التخرج بأربعة أعوام ليصمم معه مناظر «المومياء».


    صلاح مرعي من الجيل الثالث لمصممي المناظر السينمائية في السينما المصرية، بعد جيل ماهر عبد النور وحلمي عزب وشادي عبد السلام. في «المومياء» عمل صلاح على تقليد مجموعة من التوابيت الفرعونية، صعب تفريقها عن الأصلية من فرط إتقانها. بعدها بأعوام شهد له شادي، حين قام بتصميم مناظر فيلم «الجوع» لعلي بدرخان، ونجح في جعل الديكور والملابس بطلا أساسيا من أبطال الفيلم وجزءا عضويا من بنائه: حارة فيلم «الجوع» حدث فني نادر التكرار، هي في تقديري أحلى حارة في تاريخ السينما المصرية، غاية في الإتقان من ناحية التصميم والتنفيذ». في فيلم «الجوع»، المأخوذ من إحدى حكايات «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ، صممت للمرة الأولى الملابس القاهرية الخاصة بتلك الفترة بطريقة صحيحة تماما، وهو الفيلم الوحيد الذي قام فيه صلاح مرعي بعمل تصميمات الملابس إضافة لتصميمات المناظر والإشراف على المكياج. لكن صلاح الذي لا يعرف معنى للنرجسية يعزي هذا النجاح للروح الجماعية السائدة آنذاك: «لقد كان الحوار مستمرا حتى أصحبت لدينا صورة واضحة للفيلم.. أهم تجربة مررنا بها جميعا كفريق عمل متكامل هي معرفة قيمة الحوار والمشاركة».


    يتلخص عمل مصمم المناظر في الوصول إلى الدقة التاريخية والإيحاء بروح الفترة من خلال الإحساس بعبق المكان، عبر خلق تفاصيل صغيرة تكثف هذا الإحساس، ومنه تكون تصميمات المناظر والأزياء، نتيجة لبحث طويل وشاق، لتصبح تسجيلا دقيقا لما فقده التاريخ من مرحلة مهمة، وعلى مهندس الديكور أن يمتلك إحساسا حاداً بالمكان حتى يمكنه استلهام تصميم ديكورات مكملة لهذا المكان. وقد عرف صلاح مرعي في أعماله ـ على قلتها ـ بصبر ودأب شديدين (لم يقم بتصميم أو تنفيذ مناظر أي فيلم روائي مصري بين عامي 1978 و1985 لأنه كان يعمل في مركز الفيلم التجريبي الذي كان يرأسه شادي عبد السلام)، ويشيد جميع طلبته بما علمهم إياه، وهو أن فنان المناظر لا ينقل الواقع، وإنما يعيد تكوينه ويخلق طابع وجود الحدث.


    علمهم أيضا أن «مصر هي أجمل مكان في الدنيا».. مصر التي مجدها صلاح مرعي عبر تنفيذه للمراكب الحربية وفق الرسوم والمراجع والنماذج التي وصلت من الحضارة المصرية القديمة وتم تحريكها في «كفاح طيبة» الأوبريت الذي قدمه نور الشريف في اليوبيل الفضي لانتصارات أكتوبر، 1988، وكانت فرصة لإبراز رؤية الحضارة المصرية القديمة وانتصارها الدائم للخير والحق والجمال مثلما فعل أحفادهم بعد أكثر من ألفي عام.


    كانت مصر منبع الإلهام لدى صلاح مرعي، في انكساراتها وتألقها، ومنها ارتبط اسمه بأهم المشاريع الثقافية، فبعيدا عن تصميم وتنفيذ عدد من أبرز الأفلام السينمائية وعن التدريس في المعهد العالي للسينما، عمل صلاح مرعي على تصميم كثير من معارض للحلي، وارتبط اسمه بسمبوزيوم أسوان الدولي للنحت، ومتحف الطفل ومتحف شادي عبد السلام بمكتبة الإسكندرية، ومتحف النوبة بأسوان.


    ولأن مصر تحفظ دائما الجميل لأبنائها، فقد حصل صلاح على جوائز كافأت ولو جزءا قليلا من إبداعه. لكن مصر الأرض ـ التي نذر نفسه لترميم ذاكرتها وإعادة خلق تقاطيع وجهها المشوه الجميل ومساحات جسدها المترهل واستعادة نضارة أحلامها ـ ستكون حتما أقل إجحافا في حقه ما دامت الوحيدة التي تعرف أنه لم يحمل أبدا سواها في قلبه. كانت مصر هي الخيط الواصل في كل أعماله وهمومه، والباعث الأول على سعيه الدءوب والمحموم لإعادة تأليف ذاكرة قومية جماعية تقف صلبة أمام انزلاق الزمن وزوال الأشياء. فعبر الأفلام، والمتاحف، والتدريس، وتبادل الخبرات مع الأجيال التالية، وعبر الأنشطة المبعثرة عمل صلاح في صمت وصبر وأناة ليعيد صنع الأشياء وتركيبها، واضعا جدارا كثيفا يفصله عن كل ما يمكن أن يشوه الروح: الزيف، والأضواء الكاذبة، والسياسة، والخطابات الجوفاء. لم تستطع الأصوات الخارجية أن تشغل هذا الحرفي الغارق عن صنع تحف جميلة، ليس بقصد بيعها، بل ليثبت عبرها أن الجمال يمكن أن يصمد في عالم يتآكل بسرعة مريعة. وهل يوجد درس أجمل من هذا عن الحياة وعن البقاء؟


    إن أعمال صلاح مرعي لا يضاهيها، في الأصالة والتفرد، سوى شخصيته النادرة، وذلك الهدوء العجيب الذي يشع  منه، هدوء ـ يقول المقربون منه ـ إنه يشكل السر في مقاومته لعبثية الأمور ولا معنى الأشياء.


     لكن، لعل صلاح، قبل هذا وذاك، كان مجرد طفل. طفل كبير يفزعه موت الأشياء والأشخاص من حوله، طفل لا خيار له إلا أن يتقدم وسط الظلام، وفي قلبه شعلة وبصره إلى الأمام. فكأني به يردد: «الموت يحيطني من كل جانب. الموت يكاد يتلبسني. لكني سوف أقهره بالخلق، فالخلق هو قاهر العدم». ومن عمق أعماق يأسه انطلق صلاح مرعي في رحلة شاقة ولذيذة لاغتراف الحياة، حتى خروجه إلى النهار، حين عبر إلى الشاطئ الآخر في مارس 2011.