صهيونية في ظل الأهرامات .. ثلاثون عاما قبل النكبة

19/05/2015 - 10:41:12

حاييم ناحوم افندى مع محمد نجيب حاييم ناحوم افندى مع محمد نجيب

أحمد البكري

في صورة تاريخية خطيرة وكاملة؛ مستندة إلى مجموعة غنية من الوثائق والمصادر، وبأسلوب أعطاني ذلك الشعور الطاغي بحجم ونمط الدور  الذي لعبته الحركة الصهيونية في مصر في فترة ضيقة من التاريخ لا تحسب في عمر الأمم، قدمت الباحثة الصهيونية روث كيمحي - المولودة في القاهرة 1944 لأب يهودي مصري الاصل وأم سورية - دراسة -  تقع في 609 صفحات، إضافة إلى 250 صفحة من الملاحظات والهوامش – تحكي قصة نشاط الحركة اليهودية  العالمية لاحتلال فلسطين ( الحركة الصهيونية ) فى مصر؛ متوغلة مع تسلسل الأحداث إلى أدق التفاصيل، وعلى الرغم من أن الدراسة اقتصرت على الفترة من 1918  وحتى 1948.. إلا أنها استعرضت النشاط اليهودي الصهيوني فى تنفيذ مخططات احتلال فلسطين على مدار القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين..


وتقول الباحثة – التي أمضت 32 عاما من عمرها موظفة فى مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، وزوجة ديفيد كيمحي نائب رئيس الموساد – إنها استندت فى جمع مادتها  إلى ما يزيد على 20 أرشيفا صهيونيا وفرنسيا وأمريكيا، إضافة إلى الصحف التى كان يصدرها نشطاء الحركة اليهودية  العالمية لاحتلال فلسطين ( الحركة الصهيونية ) فى مصر، ولم تغفل أيضا شهادات من هؤلاء الذين تبقوا من أعضاء الجالية اليهودية فى مصر ممن يعيشون فى إسرائيل..


ولم يكن اختيار الباحثة لفترة الـ 30 عاما السابقة على قيام اسرائيل (1918-  1948) عبثا، فكان الهدف – كما تزعم الباحثة – هو تسليط الضوء على نشاط لم يُعرف منه إلا القليل مما يجعل تلك الفترة من تاريخ النشاط الصهيوني في مصر غير واضحة.. فلم يوجد بحث صهيوني أو غير صهيوني يغطي تلك الفترة بشكل موسع. ولذا فقد خصصت تلك الدراسة المعنونة  "صهيونية في ظل الأهرامات"؛ لبحث تطور التنظيمات التي أقامتها الحركة الصهيونية، وعرض أنشطتها وأبرز شخصياتها ..


وفي دراستها ترى الباحثة الصهيونية أن لليهود وجود قديم في مصر، وأطلقت وصف (المستعبرين) على هؤلاء اليهود الذين سكنوا مصر؛ وشكلوا "نواة محلية" ظلت متمسكة بتقاليدها والتزامها الديني، وإن كانت قد اندمجت في الثقافة والنمط المعيشي للشعب المصري. اتسعت رقعة هذه النواة بتوافد الهجرات اليهودية إلى مصر، خاصة بعد افتتاح قناة السويس في 1869، تلك القناة التي جعلت لمصر مكانة سياسية وجغرافية مهمة أسالت لعاب الأوروبيين ومن بينهم اليهود للهجرة إليها ومحاولة التحكم في إدارتها والسيطرة على اقتصادها.. وبلغت تلك الهجرات ذروتها بالتزامن مع الاحتلال الإنجليزي لمصر في 1882 وهو الاحتلال الذى تراه الباحثة الصهيونية قد ( جعل من مصر قطعة من أوروبا اقتصاديا وسياسيا).


تلك الهجرات جعلت ممن يمكن أن نطلق عليهم " اليهود المصريين" لا يشكلون إلا ما لا يزيد على 10% من أفراد الجالية اليهودية فى مصر، والباقى منهم  يحملون جنسيات بلدانهم التي جاءوا منها أو يحملون جنسيات دول أخري .. وهو ما جعل هناك تفاوت فى التركيبة الطائفية لليهود في تلك الجالية، فتكونت من ثلاث طوائف تعمل بشكل مشترك فى الإسكندرية ، وبشكل تنظيمي منفصل في القاهرة، تلك الطوائف هى طائفة السفارديم وهم من اليهود الشرقيين، وبعضهم كان ممن يسكن مصر أو هاجر إليها من الدول العربية .. أو من نسل المطرودين من إسبانيا والبرتغال، وإيطاليا ودول الإمبراطورية العثمانية والبلقان. وكان السفارديم مندمجين بشكل كامل في الأنشطة الاقتصادية فى مصر، فمنهم  ابن صهيون  (بنزايون)، شيكوريل، شملا، عمر افندي.. فكانت تلك الطائفة تعتبر أقوى الطوائف بالجالية اليهودية اقتصاديا واجتماعيا.


الطائفة الثانية كانت الأشكيناز، وهم يهود الدول الأوروبية، ومعظمهم نزحوا إلى مصر بعد طردهم من روسيا فى نهايات القرن التاسع عشر.. وهو الطرد الذى تصفه الباحثة بالمذابح.. وفى 1887 أسس أبناء هذه الطائفة أول مكتب فى مصر لما يعرف بمنظمة "بناي بيرث" (أبناء العهد أو أبناء ملة إبراهيم) - وهى منظمة صهيونية تأسست فى أمريكا 1843- وأطلقوا على هذا المكتب اسم "ماي مونيد".


وثالثة الطوائف هى طائفة القرائين، وهم من يؤمنون بالتوراة ولا يؤمنون بما عداها من تلمود ومشنا وخلافهما.. وأفراد تلك الطائفة من الفقراء الذين يمتهنون مهناً بسيطة .. ويسكنون فى وسط القاهرة بحارة اليهود القرائين المجاورة لحارة اليهود بالموسكي والغورية..


وتعترف الباحثة الصهيونية روث كيمحي بأن الجالية اليهودية في مصر اندمجت تماما في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكانت تتمتع بالأمان والاستقرار والمكانة العالية المحترمة فى المجتمع المصري، فلم يفرض عليهم أى نوع من القيود الاقتصادية أو الدينية أو الاجتماعية.. بل وصل أفرادها إلى مراكز اتخاذ القرار حين كان رئيس الجالية اليهودية فى القاهرة يوسف أصلان قطاوي وزيرا للخزانة فى 1924، ثم وزيرا للمواصلات فى 1925، وكان رئيس الجالية اليهودية بالإسكندرية يوسف بيشو توباي عضوا بمجلس الشيوخ عن حزب الوفد فى 1924،  حتى الحاخام الأكبر للجالية حاييم ناحوم أفندي كان عضوا بمجلس الشيوخ.. حتى وفد إليها قادة الحركة الصهيونية العالمية من أمثال يوسف ماركو باروخ، حاييم وايزمان، ناحوم سوكولوف وزئيف جابوتنسكي.. بهدف السيطرة عليها سياسيا حتى لا تقف عائقا في سبيل التقدم نحو احتلال فلسطين.. وكانت الصهيونية العالمية في حاجة إلى أموال  الجالية اليهودية في مصر، وفى حاجة كذلك إلى موقعها الجغرافي القريب من المشروع الاستعماري لاحتلال فلسطين..  ولذا فقد كانت الجالية هدفا مهما للحركة الصهيونية لتنفيذ تدبيراتها بشأن فلسطين ونشاطها الهائل الذى زاولته في مصر بكل همة وسرعة.


في 1896 وفد يوسف ماركو باروخ إلى مصر وبدأ يروج للأفكار الصهيونية والتف حولة نفر من أعضاء الجالية الأشكينازيين.. لينشئ بعد ذلك أول جمعية صهيونية في مصر "بركوخبا" في 1897.. واستمرت تلك الجمعية في العمل لما يقرب من  7 سنوات ثم توقف نشاطها من جراء خلافات الرأي  والصراعات القومية بين مديريها.. وبعد " بركوخبا" ظهرت جمعيات أخري أهمها جمعية "محبي صهيون" التي أقامها عدد من شباب الأشكيناز الذين استقدمتهم الحركة اليهودية  العالمية لاحتلال فلسطين ( الحركة الصهيونية ) إلى مصر، وجمعية "شبان صهيون" وجمعية "تكفات صهيون"،  وغيرها العديد من الجمعيات التى ظلت تمارس أنشطتها بلا علاقة أو تنسيق بينها، حتى أقيمت " اللجنة الصهيونية المركزية لمصر"، وبقيامها بدأ عهد جديد من تركيز العمل الصهيوني في مصر في لجنة مركزية تعتبر فرعا للمكتب المركزي في برلين.


ولم يتوقف نشاط الحركة الصهيونية العالمية بين يهود الجالية اليهودية المصرية بأي حال، فبدأت الحركة في استقطاب شباب اليهود بإنشاء جمعيات رياضية وكشفية.. لإعادة تربيتهم بروح صهيونية  بجعلهم يتضامنون مع الفكرة الصهيونية دون أن يتلقوا تعليما يحقق صهيونيتهم وتضامنهم؛ أي بالهجرة إلى فلسطين واعتبارها أرض الميعاد إسرائيل، وبعد أن أصبحوا في حالة من الاستعداد لتقبل الأفكار الصهيونية بدأت الحركة في تربية الشباب على تحقيق وتنفيذ الصهيونية عمليا ملتزمين بثقافة حياتية تؤهلهم للعب الدور المرسوم للصهيوني المخلص..


وتطورت الحركات الشبابية إلى ما عرف باسم " الحركات الحالوتسية" وهى الحركات الطليعية الرائدة، وقد قامت الحركة اليهودية  العالمية لاحتلال فلسطين ( الحركة الصهيونية ) بإنشاء مثل تلك الحركات في ثلاثينيات القرن العشرين.


تلك الحركات الطليعية كانت كيانات مستقلة لا تتبع أي تنظيمات أخرى، وتعمل على تعليم الشباب كيفية تحقيق صهيونيتهم بالهجرة إلى فلسطين، ففيها كان يعاد بناء الشخصية وفقا للروح الصهيونية، وتخضع لإدارة لها مجالس وقيادات ولجان منتخبة.


وفى الفترة بين 1943 – 1948 بدأت الحركة الصهيونية تسرع في خطوها وتكثف نشاطها بإنشاء اتحاد فيدرالي ضم كل الحركات الطليعية التي تم تأهيلها وأُعدت للهجرة من مصر الرازحة تحت الاستعمار الإنجليزي وقتها؛  لبناء الكيان الصهيوني الاستعماري على أرض فلسطين. وحمل الاتحاد على عاتقه تدريب وتأهيل شباب اليهود والصهاينة  استعدادا للهجرة ،  وكشفت الباحثة الصهيونية روث كيمحي أن يهود مصر كانوا يتبرعون سنويا لهذا الاتحاد وغيره بما مقداره 100 ألف جنيه من الأموال المصرية، بخلاف التبرعات التي يقدمونها للصناديق المالية في فلسطين ، وكشفت أيضا أن يهود مصر كانوا يستثمرون 500 ألف جنيه فى المشروعات الصهيونية المقامة على أرض فلسطين في ذلك الوقت .. 


ومن الحركات التي كان لها تأثير كبير في نشر الأفكار الصهيونية فى مصر بتدريب وتعليم شباب اليهود حركة " العبري الشاب" والحارس الشاب" "الطليعي الموحد" ..


ومع ذلك النشاط الشرعي الظاهر الذي كان يقوم به الاتحاد الفيدرالي ومبعوثو المؤسسات الصهيونية في فلسطين وغيرها؛ كان هناك نشاط  آخر يجري في سرية، هذا النشاط السري كان على نوعين؛ الأول هو ما يجري من فعاليات وعمليات تقوم بها مختلف الحركات والأفرع التابعة للمؤسسات الصهيونية في فلسطين -  وكان يطلق على  تلك المؤسسات  اسم (اليشوف) -  لصالح الجالية اليهودية في مصر ، والنوع الثاني من النشاط السري هو ما كان يتم من فعاليات وعمليات من أجل توفير احتياجات ( اليشوف ) والكيان الاستعماري الوليد، مثل التبرعات الطارئة لصالح اللاجئين اليهود القادمين من أوروبا.. وكذلك عمليات جمع الأسلحة لصالح عصابة الهاجاناه، حيث كانوا يرسلون مبعوثيهم لجمع الأسلحة من الجيش البريطاني في مصر ونقلها إلى أرض فلسطين، وكانوا ينجحون في ذلك من خلال الجنود الصهاينة وأعضاء عصابة الهاجاناه و إيتسيل في الجيش البريطاني، ويعملون على جمع الاسلحة وإخفائها وتهريبها من مصر.. وكذلك تهريب المهاجرين الصهاينة من مصر في زي مجندين في الجيش البريطاني، وكان يشرف على تلك العمليات ليفي أفراهامي مسئول الاستخبارات في إيتسيل والهاجاناه. وفي 1944 وبعد اغتيال اللورد موين بدأ أفراهامي في استخدام رجاله في جمع المعلومات الاستخباراتية عن عمل منظمتي "إيتسيل و ليحي" لصالح  الهاجاناه..


وبدأت الشبكة الاستخباراتية تتسع ويتم تجنيد العملاء لإرسال التقارير الاستخباراتية إلى فلسطين وأمريكا وبريطانيا، وازدادت عمليات الهجرة غير القانونية لليهود إلى فلسطين برا وبحرا؛ بعلم من قادة الجيش البريطاني الذين كانوا على علم بعمليات تهريب اليهود تحت ستار زي الجيش البريطاني..


وكشفت الباحثة أيضا عن أن الأعمال السرية التى كانت تقوم بها الحركات الصهيونية في مصر تضمنت إنشاء فرق قتالية مسلحة بحجة حماية اليهود في مصر، ففى أثناء الحرب العالمية الثانية ركزت عصابة الهاجاناه الإرهابية الصهيونية نشاطاتها في مصر على تكوين خلايا للهاجاناه بين الشباب الصهيوني، وبدأت في إنشاء تلك الخلايا بدءا من 1942 عندما لاح لليهود احتمال قيام ألمانيا بغزو مصر فعمل قادة الهاجاناه بالاستعانة برجالها فى الجيش البريطاني على تدريب شباب الصهاينة ومدهم بالأسلحة، وكان يتم تدريب هؤلاء على أعمال القتال.. ونشرت وحدات من الجنود الصهاينة بالجيش البريطانى بالقرب من الأماكن الحساسة وأحياء اليهود .. وفى الوقت نفسه بدأ ممثلو المنظمات الصهيونية فى مصر بالمطالبة بإرسال مبعوث من الهاجاناه لتنظيم الشباب الصهيوني في إطار عسكري .. فأرسلت العصابة الإرهابية الصهيونية "شلومو حافيليو" وبدأ في تجنيد أول فرقة مركزية قتالية أطلق عليها اسم "الإطار".


وكانوا يتدربون على أساليب القتال العمل بطريقة سرية، وطرق الدفاع عن النفس واستخدام الاسلحة الخفيفة ، والاشتباك واستخدام الاسلحة البيضاء وإلقاء القنابل ، وكذلك التدريب بالذخيرة الحية في منطقة صحراوية بين القاهرة وحلوان ، وللتمويه كان يحضر هذه التدريبات بعض الفتيات الصهيونيات ويهود أمريكيون ببنادق للصيد كي لا تثير أصوات الاسلحة النارية الانتباه.


أنشئت بعد ذلك فرقة مركزية مسلحة أخرى في الإسكندرية، على شكل جيش مصغر له قادة وأركان وفصائل! إضافة إلى إقامة مخابئ سرية تحت الأرض للسلاح في الإسكندرية والقاهرة..


ومما تكشفه كيمحي فى دراستها الموثقة ما جاء عن إرسال الخارجية الإسرائيلية مبعوث لها فى 1948 يدعى تيد كروس - ديفيد ماجين – فى مهمة تتبلور فى تكوين شبكة استخبارات لها عدة مهام .. من بينها تشكيل خلية مكونة من خمسة أشخاص من صهاينة مصر لتدريبهم بالسلاح للقيام باغتيال شخصيات قيادية مصرية، وبعد تنفيذ المهمة يقوم بتهريب أعضاء خليته من مصر بجوازات سفر مزورة، إلا أنه لم يستطع القيام بهذه المهمة لأسباب لم تكشف عنها الباحثة، ولم تذكر غير أنه اضطر لمغادرة مصر بسبب علاقة غرامية مع إحدى الأميرات المصريات! وكانت مصادر تمويل نشاطه في مصر – كما تقول الباحثة – أن ضابطا صهيونيا برتبة رائد بالجيش البريطاني طلب منه – من أجل تمويل نشاطه - بيع كمية كبيرة من الحشيش الخام  كان الجيش الإسرائيلي قد صادرها من المهربين ونقلها الضابط إلى القاهرة!


تكشف روث كيمحي تلك الأسرار بتفاصيل دقيقة تضيق المساحة عن سردها.. ولكنها تفاصيل تكشف الكثير .. وتجعلنا نعيد التفكير والحسابات والنظر بتأن في تاريخ تلك الفترة، فلا أدري فى الحقيقة كم من الجرائم الكارثية ارتكبت في مصر في وقت كانت العصابات الإرهابية الصهيونية تجوب البلاد طولا وعرضا.. المضحك المبكي أن المعلومات تجيئنا.. ولا نبحث عنها.. وعندما تجيئ ننظر إليها .. بلا مبالاة!