قصائد

19/05/2015 - 10:39:48

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

محمد بنميلود - كاتب من المغرب

الحرب


    الأرملةُ الجميلةُ تُحرّك العصيرَ بالملعقةْ، السُّكَّرُ يستسلم ويذوب في دباديب العصيرْ، الكأسُ مُتَحَرِّقَةٌ للقُبل، الملعقة تغتنم الفرصة لتلحس الحلاوة، النّافذة كبيرة ومفتوحة كحضن، الشّمس تستريح قليلاً فوق أسلاك الغسيل، سوتيان الأرملة ورديّ، ضوء الشّمس يملأ مكان النّهدين، الأشياء تدخل عارية في الأشياء، الأرض لم يتغيّر حجمها يومًا، طولها هو طولها، وعرضها هو عرضها، والرّجال ماتوا في الحرب لأجل لا شيء.


سكين الخضار


ولدتُ بلا إخْوة


في الحيّ الخطير


كان عليّ


أن أدافع عن نفسي


بأظافر قطّة الميناء


أن أصطاد سمكة الفضّة الجميلة


الّتي في بؤبؤ عين الحياة


وأن أترأّس


عصابة


الصِّبْيَةْ


والآن أيضًا


لا شيء في العالم يتغيّر


بعد مرور الحِقب


سوى انهيار الإمبراطوريات


وتفرّق الصِّحاب بين القارّات


ملاحقين الغبار


وحيدًا


وبلا إخْوة


في مواجهة العالم


ليس في يدك سوى


سكّين الخُضار


نصف الحادّة


وليس في عينيك سوى


غيوم الشِّعر


تتحوّل سريعًا إلى بكاء


كلّما نظرتَ خلفك


رأيتَ الأفق


حزينًا


كبحّة الرّاقصات


 


امرأة وحيدة


العجلتان الخلفيّتان


عملاقتان


العجلتان الأماميّتان


صغيرتان


صاعدةً إلى الطّابق التّاسع


نازلةً من الطّابق التّاسع


كجرّار حنون


تتبعه اللّقالق


تحرثين الأدراج


كلّ نهار مشمس


في يدك سلّة خضار


وربطة بقدونس


في العمارة الّتي بلا مصعد


وبلا بوّاب


أحيانًا


تتدحرج البندورة


من الأعلى


حتّى المرآب


كما يحدث في الحقول البعيدة


حين يكون الحصاد


وفيرًا


 


البنّاؤون


البنّاؤون فطروا بالزّيت


البنّاؤون ذهبوا في الفجر الغائم


عبر مسرب الصّباح الطّويل


كي يرمّموا صدوع


الشّمس


البنّاؤون رجالٌ قصارُ القامة


وغير مشهورين


ببلطة في اليد


بشاقول لقياس استقامة حرارة اللاّفا


داخل الأرواح


بلمسة حانية على خدّ الزّلزال


برقّاص ساعة عملاقة


في جيب الأفق


حين يحلمون


يتقلّبون على سرير


معلّق


على حافة ناطحة سحاب


يوقظهم الرّعد


حين يعود آخر وطواط


إلى أبعد كهف


لا يقولون لك أبدًا صباح الخير


ونساؤهم كلّهنّ مطلّقات وثخينات كالمانجا اللّذيذة


لكنّهم فكهون


وأصحاب نكتة أصيلة


مع الصّيارفة


وباعةِ لحم الضّأن الجيّد


البنّاؤون كلّهم أصحاب نكتة


دون أيّ استثناء


وحين يمضون في الصّباح الباكر


غير ملتفتين


ينشدون على طرف الحقول


نشيد بحّارة غير مشهورين


غدر بهم البحر


لكنّهم نجوا كلّ مرّة


مقهقهين داخل ضباب الأيّام الجميلة


بلا أيّة أصداء


 


زكام


    أتقلَّبُ فيكِ كَوَعْلٍ جريحٍ ساقطٍ من جُرفْ، أضاجعكِ كالبردِ القارسْ، كلّما كنتِ وحيدةً أكثرْ، وحزينة أكثرْ، ومبتردةً من الدّاخلْ، أكونُ أعمقَ في أعماقكِ، باردًا أكثر منكِ. كلّما دخلتِ أكثرَ في غطاء الصُّوف كَكُوز الذُّرة الشّقراءْ، دخلتُ أكثر في مسامكِ كسنبلة في كُمِّ الحصَّادةْ. تسعلينني من سحيقِ روحكِ، ترتعشين لسماع اسمي المتجمِّدْ. أنا زُكامُ حياتكِ الحزينْ، حتّى في الصّيف المشرق الجميلِ، حين تتفتّح أزهار عَبَّادِ الشّمس على التَّلَّة، كمظلاّت الرّاقصات، حين تكون تنُّورتكِ الصفراءُ قصيرةً كعمركِ، حين تشتاقين كثيرًا للحبّ، أجيئك كالغريب الوسيم بلا حصان، في هيئة نزلةِ بردٍ مميتةْ.


    أنتِ ترتعشينَ طيلةَ حياتكِ، وأنا أدفئك بالحُمّى.


 


نسيان


إلى أينَ يذهبُ بكِ التّاريخ


يا نملة الهضبة


من سيتذكّر خطوكِ الشّفيف


على تراب الفصل الجّافّ


على أوراق الرّبيع النّديّة


وعلى الرّمال


أيّتها النّملة الّتي تنوء بحبّة زرع


ظلُّكِ طويل في الغروب


رغم أنَّكِ لصيقة بالأرض


وتهتِ عن الغار


ستنمو سنبلة بعيداً جدًّا عن الحقل


وفي الصّباح


حين سنرى نملة


سنظنّها أنتِ


لن نعرف الفارق


أبدًا


بين ما يبقى


من الهشاشة


وما يذروه


نسيم النّسيان


 


كمن يحكي حياته لرفيق


أنا شاعر من الطبقة الغاضبة


من العمال المسرّحين من الخدمة


والجنود الذين يكرهون الجنرالات


والنجارين الذين لا يملكون ورشة ولا أدوات نجارة


واليساريين المتطرفين الذين أنهكت الزنازين السرية أجسادهم


ولم تنهك أرواحهم


والمهندسين المدمنين على المشروب والمهدئات


المهندسين النحيفين الانطوائيين


الذين بلا عائلة


يتركون رسومات العمارات تنهدم في الورق الشاسع


فوق حياتهم البئيسة


وينزوون في نظرة عصابية


صالبين سواعدهم حول سيقانهم كالأسرى


كي يهندسوا مبنى عاليًا ونحيفًا من ألمونيوم الفضاء


بمشنقة ناعمة للعالم


كجديلة المومس


أنا شاعر من أولئك الرجال الصموتين


الكتومين


الميؤوس منهم


ذوي العيون الصغيرة المريبة


والنوايا الغامضة


أكره الفلسفة والفلاسفة والمثقفين


والشعر البطولي


واللّفّ الكثير والدوران قبل قول الحقيقة


كلامي مسنن وواضح كرمية النبال


وحياتي قصيرة


وسريعة


كالطريدة


لا أحب الميتافيزيقا


ولا أرتاح كثيرا لرفقة الملائكة في طريق بعيد


ولا في غابة


حين أرى السماء


فأنا أرى السماء


سحب وغمام وطيور مهاجرة وطائرات حرب


لا أرى شيئا آخر غير مرئي


وحين أكتب الشعر


فأنا أكتب الشعر


كمن يحكي حياته لرفيقْ


حياتَه التي كانت حذرة ككلبة حبلى


في أحياء الصفيح العملاقة


حيث التهوية سيئة والبنات جميلات


والسرقات مشاعة بين الناس كالنصائح


ومن هناك


الشّرَف يطل بجبن على الزقاق المظلم الخطير


فيعود أدراجه مدحورا إلى مدن الفضيلة


حياتي السيئة


التي كانت بين عمال مسرّحين من الخدمة


دون معاش


وجنود يكرهون الجنرالات


ونجارين أصحاب نكتة لا يملكون ورشة ولا أدوات نجارة


ويساريين متطرفين أنهكت الزنازين السرية أجسادهم


ولم تنهك أرواحهم


ومهندسين وسيمين


انتحروا


نشرب الشاي البارد من كأس واحد


وأنا أحكي لك حياتي


يا رفيقْ


كأني


أكتب الشعر