عائد إلي حيفا .. وثيقة سينمائية عن النكبة

19/05/2015 - 10:26:00

فيلم عائد إلى الرصيف فيلم عائد إلى الرصيف

سلوي بكر - كاتبة مصرية

في عام 1981م، ورغم الظروف الصعبة، التي كانت تمر بها المقاومة الفلسطينية في لبنان، بعد خروجها من الأردن في أعقاب أحداث أيلول الأسود، ورغم أحداث مذبحة تل الزعتر الدامية، وصعوبات الحرب الأهلية اللبنانية، وتردي الأوضاع السياسية للأنظمة العربية، فإن المقاومة الفلسطينية، نجحت في إنتاج أول فيلم روائي فلسطيني طويل، هو فيلم «عائد إلي حيفا»، وهو بالأساس قصة تعد من روائع الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني معنونة بذات الاسم.


كنت آنذاك، أعيش في بيروت، وأعمل صحفية بجريدة «الهدف»، لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهكذا واكبت تصوير فيلم «عائد إلي حيفا» منذ بدايته وحتي النهاية، إذ كنت متحدثة إعلامية باسم الفيلم.


برخت وغسان وقاسم


كان فريق فيلم «عائد إلي حيفا»، بمثابة كتيبة عمل عالمية، تؤكد تضامنها مع القضية الفلسطينية، فالمخرج هو العراقي قاسم حول، أما حفان الحاج، وهي الممثلة الأولي التي قامت بدور المرأة العربية بالفيلم فهي لبنانية وممثلة مسرحية معروفة، وكذا كريستينا شورن فهي ألمانية، لعبت دور المرأة اليهودية، أما من قامت بالمكياج في الفيلم فهي روسية، وقد اشتمل فريق العمل بالفيلم علي جنسيات شتي من العرب والأجانب، جاءوا ليعملوا في الفيلم علي نحو شبه تضامني مع القضية الفلسطينية، فالفيلم الذي أنتجته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت ميزانيته محدودة للغاية، قياساً بما يحتاجه فيلم من هذا النوع الذي يحتوي علي مشاهد تصوير خارجي متنوعة، ويتطلب تكاليف كثيرة.


كانت قصة غسان كنفاني «عائد إلي حيفا»، وهو أديب اغتيل غدراً في بيروت، تستند إلي السؤال ذاته الذي تطرحه مسرحية برتولد برخت الشهيرة «دائرة الطباشير القوقازية»ي، وهو السؤال المتعلق بمفهوم الملكية وحدود عدالتها، ففي القصة والمسرحية يتم التساؤل عن انتماء الطفل محور الصراع: هل ينتمي للأم التي أنجبته؟.. أم لتلك الأم التي ربته وأنشأته؟.. وقد حاول المخرج العراقي قاسم حول تجسيد رمزية السؤال، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ذاتها، فالفيلم يتساءل حول أحقية الأرض الفلسطينية ذاتها، من خلال مشاهده التي سعت إلي تجسيد التاريخ، وما دار من مشاهده الحقيقية علي الأرض وقت حدوث نكبة مايو / آيار / 1948م، وما جري للأم التي تركت طفلها الرضيع بسبب الخوف والهلع اللذين تسببت فيهما العصابات الإرهابية الصهيونية، وهي الأم ذاتها التي جاءت باحثة عن طفلها بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية في عام 1967 لتجد أن منزلها وطفلها قد تملكته امرأة يهودية.


مشاهد الدموع والدم


جري تصوير فيلم «عائد إلي حيفا» في منطقة أهدن الجبلية بالشمال اللبناني، وكذلك مخيم البداوي بمدينة طرابلس اللبنانية، والذي كان يعيش فيه آنذاك آلاف اللاجئين الفلسطينيين، أما تصوير المشاهد الداخلية، فتم باستديوهات السينما السورية بمنطقة المزة القريبة من مدينة دمشق، وكانت السمة المميزة لفريق العمل في الفيلم من ممثلين ومصورين وفنيين هو الحماس الشديد له، وكأنهم يقومون بمهمة مقاومة عسكرية حقيقية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد بلغ هذا الحماس ذروته، وقت تصوير مشاهد الخروج من حيفا في عام 1948م، إذ شارك الآلاف من أهالي مخيم البداوي في هذه المشاهد رجالاً ونساءً، وكانت المفارقة تتجلي في أن كثيرين من الذين خرجوا من حيفا في عام 1948م هروباً من مذابح الصهاينة، باتوا من العجائز الذين يجري تصويرهم ضمن الآلاف في هذه المشاهد السينمائية، وسرعان ما عادت الذكريات الدامية إلي مشاعر هؤلاء فكانت الصرخات والدموع وكل ذلك البكاء المحموم الذي لا يحلم به أي مخرج سينما في العالم، وهو يصور مشاهد من هذا النوع، وخلال الصراع بين فريق الفلسطينيين والصهاينة، سجلت عدسات التصوير عراكاًً حقيقياً، سالت فيه دماء، وقد نسي بعض من هؤلاء الذين خرجوا من حيفا، أن ما يجري إنما هو تصوير لفيلم سينمائي، وليس إعادة لأحداث حقيقية مؤلمة، ومن المؤسف في خضم ذلك كله، أن يموت عجوز من شدة الانفعال، وهو واحد من الذين عاصروا النكبة في حيفا.


كريستينا شورن


وكانت من مفارقات هذا الفيلم، أن كريستينا شورن هي التي لعبت دور السيدة اليهودية فيه، حيث تحاجج المرأة العربية حول أحقيتها في الطفل، فكريستينا شورن كانت هي الممثلة الأولي لمسرح برليز انسامبل، وهو المسرح القومي في ألمانيا الشرقية آنذاك، وهو متخصص في إنتاج مسرحيات برتولد برخت، وهي ممثلة مشهورة جداً آنذاك في ألمانيا الشرقية، ولذلك فإن أداءها لدور السيدة اليهودية، جاء تعبيراً عن فهم عميق لطبيعة الإشكالية التي تطرحها قصة غسان كنفاني ومسرحية برخت ويجسدها الفيلم، في نقاش معمق حول مسألة الأرض ومن يستحق ملكيتها، والحقيقة فإن فيلم «عائد إلي حيفا» كان بمثابة نقلة نوعية في توجه الإعلام الفلسطيني للرأي العام العالمي، وقد تنبه إلي الدور الذي لعبته السينما الصهيونية في الترويج لفكرة أرض الميعاد، وأحقية اليهود في الأراضي الفلسطينية عبر سلسلة طويلة من الأفلام التي أنتجتها هوليوود أو ربما منذ بدايات السينما الصامتة حيث كان فيلم قضية دريفوس سنة 1903، ثم أفلام مثل : جوديث في تبوليا وصادوم وعامورة، والتوراة ويوسف في مصر، وبن حور وغيرها من الأفلام، والتي كانت سبباً في التدفق اليهودي إلي الأراضي الفلسطينية، وقد بلغت هذه الأفلام ذروتها مع فيلم «الوصايا العشر» الذي أخرجه جريفث صامتاً وسيسيل دي ميل ناطقاً، إبان العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956.


لقد أثبت فيلم «عائد إلي حيفا» أن السينما يمكن أن تكون سلاح مقاومة حقيقياً، يستطيع أن يقدم وعياً إنسانيا مغايراً لما هو سائد من مفاهيم مغلوطة أبعد ما تكون عن العدل الإنساني وتحققه.