رئيس الألكسو بعد فصله للدكتورة نيفين مسعد يمنع التحاق الطلاب المصريين المثقفون الموقعون على بيان لا للمكارثية يأملون فى إنصاف المحكمة العرب

14/05/2015 - 3:55:29

نيفين مسعد نيفين مسعد

تحليل اخبارى تكتبه - نجوان عبد اللطيف

لم يكن سقوط بغداد عام ٢٠٠٣ سوى البداية لمعركة أطرافها مختلفين بينهم مسافات فى الجغرافيا والتاريخ فى الماضى والحاضر فى الفكر والسلوك فى المعتقدات الدينية والسياسية، ولكنهم توافقوا ليس فقط على تفتيت الأمة العربية وتقسيمها طائفيًا وعرقيًا، لكن الهدف الأهم، والذى أصبح واضحًا للجميع هو محاربة العرب فى هويتهم القومية، ومن ثم كان تحالفهم المشبوه مع تيارات الإسلام السياسى، التى لاتعطى للوطن القطرى أو القومى وزنًا، وتحلم بالخلافة الإسلامية، الأمر المستغرب والذى يحتاج منا التأمل والتعامل معه هو وجود بعض الشخصيات على رأس منظمات العمل العربى المشترك، لاتؤمن بالقومية العربية، وتتعامل بشوفينية بغيضة، وتعادى القوميين العروبيين، وتعمل على إزاحتهم من أية مواقع قيادية عربية، بالإضافة إلى الانحدار بالمؤسسات، التى تترأسها أو على الأقل الخروج بها بعيدًا عن الهدف الذى أنشئت من أجله.


نحن بصدد اجتماع المجلس الوزارى الاستثنائى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، والذى يعقد فى عمان الثلاثاء والمصور ماثلة للطبع، نفتح ملف هذه المنظمة التى أنشأتها الجامعة العربية منذ ٤٥عاما (١٩٧٠) بهدف التمكين للوحدة الفكرية بين أجزاء الوطن العربى عن طريق التربية والثقافة والعلوم، ورفع المستوى الثقافى حتى يقوم بواجبه فى متابعة الحضارة العالمية والمشاركة فيها، تعانى المنظمة من رئاسة متسلطة، تفتش فى ضمائر مرؤسيها أو من تتصور أنها تملك مصائرهم، تحجر على أفكارهم وكأنها محاكم التفتيش فى الصور الوسطى، تتعامل بتعالى على المنظمة وما ينضوى تحت هيمنتها مثل معهد البحوث والدراسات العربية، الذى سبق وجود المنظمة بأكثر من ١٧ عاما (قرر مجلس الجامعة إنشاءه عام ١٩٥٢ وبدأ العمل عام ١٩٥٣ ومقره القاهرة) والذى تم ضمه هو ومعهد المخطوطات العربية إلى المنظمة فور إنشائها، وبدلا من العمل على الوحدة الفكرية والثقافية العربية، تثير النعرات القطرية، وليس أدل على ذلك من قرار المعهد بمنع قبول الطلاب المصريين لأن أعدادهم فاقت الطلاب من البلدان الأخرى، وتؤجل قرار اختيار المرشح المصرى لمنصب مير إدارة التربية، الأنسب للمنصب من المرشح الفلسطينى المنافس، هذا بخلاف استمرار المعركة مع د. نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية المرموقة مدير معهد الدراسات العربية منذ عام ٢٠١٣، والتى تم إقالتها من منصبها وتخفيض درجتها الوظيفية بتحقيق مغرض بناء على طلب رئيس المنظمة، بالتفتيش فى أفكارها وآرائها بالباطل فى مؤامرة للأسف للتخلص من القيادات ذات الوزن والثقل والقادرة على مراجعة الرئيس حين يخطئ.


ما الذى يجرى فى أروقة المنظمة؟


فى اجتماع المجلس التنفيذى للمنظمة، الذى عقد فى تونس أواخر الشهر الماضى، قرر رئيس المنظمة د.عبدالله محارب عرض موضوع أو أزمة الدكتورة نيفين مسعد وقرار إقالتها من منصب مدير المعهد على المجلس وتخفيض درجتها الوظيفية رغم أن الموضوع مازال قيد المحكمة الإدارية للجامعة العربية، التى لجأت إليها د. نيفين، والتى ستعقد جلستها فى الشهر القادم، فى محاولة منه لتحصين القرار واستباق المحكمة والتأثير عليها، وبالفعل وافق المجلس على القرار، الذى قدم حيثياته “محارب” ولم يسمح للدكتورة نيفين التواجد أو الرد على الادعاءات الموجهة ضدها، ومن المتوقع أن يقوم د. محارب بعرض الأمر مرة أخرى على المجلس الوزارى، المنعقد فى عمان للحصول على قرار تأييد من المجلس يمثل تحصينًا جديدًا أكبر وأهم.


القصة بدأت منذ تولى الدكتورة نيفين مسعد إدارة المعهد خلفًا للدكتور أحمد يوسف أحمد، الذى ظل مديرًا للمعهد منذ التسعينيات، وكان المعهد فى عهده قبلة لكل الدارسين والباحثين العرب دون تمييز، طلابه من الحاصلين على شهادات جامعية، يمنح الدبلوم الذى عادلته جامعات ألمانيا بالماجستير، كما يمنح الماجستير والدكتوراه، وأصدر المعهد العديد من الدراسات المهمة عن البلدان العربية سياسيًا واقتصاديًا وتاريخيًا وجغرافيا واجتماعيا، وفى باقى فروع العلوم الإجتماعية، دراسا ت عن اليمن وطبيعته الخاصة بقبائله وطوائفه ومن أهم هذه الدراسات بحث عن (الحراك الجنوبى)، وكذلك أبحاث مهمة عن العراق وماجرى بعد ٢٠٠٣ واحتلال القوات الأمريكية، والشيعة والسنة، والأكراد والفصائل العرقية الأخرى، وأخرى عن فلسطين أرضًا وشعبًا، كما سمح د. أحمد يوسف للأفارقة بالدراسة فى المعهد فى موضوعات تهم الطرفين العربى والإفريقى، كان بحق يؤدى رسالته بتوفير قاعدة بيانات سليمة وكاملة للأوضاع فى عالمنا العربى، وتقديم التحليل العلمى لها، واقتراح البدائل تجاه المشكلات، ومحاولة استشراف المستقبل، وتكوين جيل من الأكاديميين العرب يجمعون بين العلم والتوجه القومى، وتعزيز التواصل الثقافى العربى العربى، ومع الثقافات الأخرى.. ولو أن صانع القرار فى العالم العربى قدر العلم واهتم بالإطلاع على هذه الأبحاث لكان حال العرب أفضل بكثير.


هذا المعهد الذى ترأسه قمم من المفكرين العرب من “ساطع الحصرى” إلى محمد شفيق غربال، إلى عميد الأدب العربى “طه حسين”، وعبدالرحمن البزاز، ويحيى الخشاب ومحمد خلف الله وصفى الدين أبو العز ونورى القيسى؛ د.أحمد يوسف أحمد ومن بعده د. نيفين مسعد لم يتخلف يومًا عن دوره.


يقول د. أحمد يوسف: المعهد تم إنشاؤه على يد المفكر القومى ساطع الحصرى على منهج أن لا تناقض بين العروبة والعلم، وأن العروبة علم وليست مجرد عاطفة، وكثيرًا ما تعرض المعهد لاعتراضات بعض الدول لأسباب مختلفة منها أن المعهد يقدم الفرص الدراسية برسوم رمزية، والدول التى فيها نظام اجتماعى جامد لا يعجبها أن المعهد يتيح العلم للجميع، ولم يغلق المعهد بابه يومًا أمام طالب علم بسبب فقره، ولهذا قررنا تخفيضات كبيرة فى مصروفاتنا المحدودة أصلا، والغريب أن المعهد اتخذ قرارًا بإلغاء المنح والتخفيضات والمعهد حاليًا تحت إدارة مؤقتة، لكن رئيس المنظمة د. محارب يهيمن عليه تمامًا، ونتيجة الضغوط أعتقد أنهم تراجعوا مؤخرا عن هذا القرار، وفى تقديرى وقد أكون مخطئا، رئيس المنظمة عبد الله حمد محارب الكويتى الجنسية، لا العروبة لا تمثل هاجسًا له وينظر للمعهد بتعالى ويتحدث عنه بإعتباره دون المستوى، وهذا جزء من الخلاف بينه وبين الدكتورة نيفين، لأول مرة فى تاريخ المنظمة يقف رئيسها ضد المعهد ويهاجمه فى الاجتماعات الرسمية ود.نيفين تصدت عدة مرات لهذا الهجوم بشكل صارم وعلمى وموضوعى، وهو ما جعل رئيس المنظمة يعمل على إبعادها، فى نوفمبر الماضى فوجئت د. نيفين باستدعائها للتحقيق فى تونس، وفوجئت بمؤامرة دبرت ضدها، وكانت التهمة الأولى الموجهة إليها من قبل لجنة التحقيق أن وثيقة مزورة للملك عبدالعزيز آل سعود، يوافق فيها على إعطاء فلسطين للمساكين اليهود، وأنه سيظل يستمع لنصائح السفير البريطانى.. منشورة على صفحتها على (الفيس بوك)، وهذه الصفحة ليست للدكتورة. نيفين، بل أنشأها بعض من طلابها لنشر مقالاتها، وفى الغالب تم اختراقها ودس هذه الوثيقة، والمتابع لأعمال د. نيفين يعرف جيدًا أنها لم تهتم بحثيًا بالشأن السعودى ولا الصراع العربى الإسرائيلى، وأرسلوا هذه الصفحة لوزير التربية السعودى، الذى طالب بالتحقيق معها، والتهمة الثانية هى فى الواقع مهزلة، وكأن النظمة تحولت من محراب ثقافة وعلم إلى مؤسسة أمنية فى بلد ديكتاتورى، محاسبة الدكتورة على تحرير كتاب علمى رائع يحوى ١٣ بحثًا عن آليات صنع القرار فى البلدان العربية، وكل بحث لدارس للعلوم السياسية فى بلده، مثلاَ من كتب عن الكويت أستاذ كويتى وعضو سابق فى مجلس الأمة وهكذا، وهذا الكتاب صدر عام ٢٠١٠ أى قبل تولى الدكتورة نيفين إدارة المعهد بأكثر من٣ أعوام، ورغم أن الدكتورة لم تكن تعلم بما يدبر لها إلا أنها قدمت دفاعًا رائعًا، والغريب أن لجنة التحقيق قررت عزلها عن منصبها فى التو واللحظة، مع أن المفترض أن تعرض توصيتها على لجنة شئون الموظفين، وكان هذا اليوم إجازة! وبعد يومين أصدرت قرارًا بتخفيض درجتها من مدير أول إلى مدير ثان، وتقدمت د. نيفين إلى المحكمة الإدارية بالجامعة العربية بطلب بإلغاء القرار، ونتيجة تحرك الجهات المعنية والرأى العام استطاع ممثل الوزير منير فخرى عبد النور، وزير الصناعة، إصدار قرار من المجلس الاقتصادى والاجتماعى التابع له المنظمة بتجميد الوضع فى المعهد وإلزام رئيس المنظمة وقف إجراءات شغل منصب مدير المعهد حتى تفصل المحكمة، وذلك بموافقة ١٩ دولة وتحفظ دولتين فقط، للعرض الهائل، الذى قدمه وكيل الوزارة سعيد عبد الله.


دائمًا يكون هناك جانب مضيء فى أى أزمة وهوالبيان الذى وقع عليه أكثر من أربعمائة من المثقفين والدارسين من رموز الفكر فى العالم العربى تحت عنوان (لا للمكارثية الثقافية) يؤيد د. نيفين ويعتبرون إقالتها هى تدشين لمكارثية ثقافية جديدة، تفتش فى الأفكار وتعاقب على الآراء، وتدفع الباحثين إلى توظيف علمهم فى خدمة الأنظمة لا العلم ولا الأوطان العربية ويناشد البيان السلطات المعنية فى دولة الكويت، صاحبة الأيادى البيضاء على الثقافة العربية والـمـبـادرات الخلاقة بشأنها، أن تمنع المدير الحالى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الذى يشرف بحمل الجنسية الكويتية، من الاستمرار فى تخريب الثقافة العربية والإسـاءة إلى الصورة الناصعة لدولة الكويت، وأن تعمل على اختيار من يعكس صورتها الحقيقية المشرفة لدى المثقفين العرب، ومن بين الموقعين الأديب بهاء طاهر ومحمد فائق ود. أسامة الغزالى حرب ود.على السلمى ومحمد سلماوى ود. سمير أمين ويحيى قلاش، وشاهندة مقلد ود.إجلال رأفت ود. أبو الغار وجلال عارف، وعبدالله السناوى، وجمال فهمى ود.سليم الزغبى- بيروت، والكاتب محمد العمورى ود.الطيب بتة- الجزائر- ود.سامى السياغى- صنعاء، والسفير سعيد كمال - فلسطين..إلخ.


المشكلة أن القضية اتسعت ولم تعد مقصورة على ماجرى للدكتورة نيفين، بل صدر قرار بعدم قبول طلاب مصريين فى قسم التربية بالمعهد بحجة أن أعدادهم أكبر بكثير من الطلاب العرب الآخرين، وهذا أمر مخالف تمامًا لسياسة المعهد الذى لا يحدد كوتات، بل يقبل من يتقدمون إليه فى حدود إمكانياته، وأهمية الموضوعات المطروحة للبحث يقول د. أحمد يوسف: إن هناك أوقات كان فيها الطلاب الجزائريون هم الأغلبية، ومرات الفلسطينيين، ولم نعير ذلك أى اهتمام ولائحة المعهد لا تلزمنا بكوتات، ولوكانت هناك كوتة، لكان لمصر الجانب الأكبر بحكم عدد السكان، مايحدث له دلالات مخيفة.


الذى يؤكد مخاوف د. أحمد يوسف من أن تكون رئاسة المنظمة تتصرف بمعاداة لمصر، مع العلم أن د. محارب حاصل على الدكتوراه من كلية دار العلوم المصرية، ما جرى فى اجتماع الجلس التنفيذى الأخير فى تونس وللأسف برئاسة المهندس صفوت سالم الذى رشحه وزير التعليم العالى، والذى كان من المفترض أن يختار مرشحًا لمنصب مدير إدارة التربية فى المنظمة، من بين ٢٤ مرشحًا تم تصفيتهم إلى اثنين المصرى د.عبد الخالق المدبولى ٥٤ سنة رئيس قسم أصول التربية جامعة حلوان وعمل أستاذًا زائرًا فى الإمارات وسلطنة عمان، والمرشح الفلسطينى على زهدى شقور٥٦ سنة أستاذ مساعد جامعة النجاح، ورئيس قسم أساليب التدريس، وبدون الدخول فى مقارنات أستاذ التربية أنسب لإدارة التربية، بخلاف الخبرات فىعدة بلدان عربية، ولكن للأسف رئيس المنظمة حاول إخفاء بعض المعلومات عن الأستاذ المصرى ليبدو أن الفلسطينى هو الأفضل، وللأسف لم يبذل رئيس المجلس التنفيذى صفوت سالم أى جهد لدعم المرشح المصرى، الذى ظلت كفتة هى الأرجح، إلا أن محاربا قرر تأجيل الاختيار وفتح الباب لتلقى مرشحين جدد، ولم يتحرك سالم الذى وقف سلبيًا أمام تأييد المجلس برئاسته للقرارات المتعسفة ضد د. نيفين.


الكرة الآن فى ملعب المحكمة الإدارية للجامعة العربية، التى ستعقد ثانى جلساتها لبحث الموضوع الشهر القادم، خاصة أن كثيرين يشيدون بأعضائها، هل تستجيب لضغوط أصحاب عقول محاكم التفتيش، الذين كانوا أسباب نكبة أمتنا رافضى حرية الفكر والعلم الملكيون أكثر من الملوك أنفسهم، أم ستنتصر للعلم والحرية، ولم أكثر من أربعمائة مثقف عربى من الخليج إلى المحيط قالوا لا لمكارثية الثقافة.