4 حوارات صحفية جمعتنى به .. حقيبة ذكريات الأبنودى

11/05/2015 - 11:05:33

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

حوار - خالد فؤاد

4 لقاءات صحفية جمعتنى بشاعرنا الكبير الراحل عبدالرحمن الابنودى . جميعها جاءت فى مناسبات هامة خاصة به مثل حصوله على جوائز وتكريمات هامة من الدولة ومؤسسات وهيئات كبرى فكنت اتطرق معه لرحلته الطويلة مع عالم الكتابة والابداع .


واذكر جيدا اننى فى كل حوار أو لقاء أو اتصال هاتفى كنت اكتشف اشياء مختلفة وجديدة ومعلومات مثيرة لم يسبق لى وربما للكثير غيرى التعرف عليها.


كان رحمه الله يحتفظ بداخله بالكثير من الكنوز عن عمالقة الموسيقى والغناء بوجه خاص والفن بوجه عام.


وأذكر جيدا بعد رحيل مطربنا الشعبى الكبير محمد رشدى بعام كامل التقيته لأتحدث معه عن محطات مختلفة من حياته ففاجأنى بقوله : هل يتصور أحد أن محمد رشدى بقامته وتاريخه وعظمته تمضى ذكرى رحيله الأولى ولاتتذكره أى وسيلة إعلامية بصدق اشعر بمرارة كبيرة مثل شعورى بمرارة افتقادى لوجوده الى جوارى ؟


فقلت له. . ليكن هذا الفنان الكبير محطتنا الأولى فى الحوار .. ماسر تأثرك به بهذا الشكل وماذا كان يمثل لك ؟


- كان ولايزال قطعة من قلبى ويمثل منطقة خطيرة في قلب حياتي باكملها ولهذا ورغم مرور اكثر من عام على رحيله لااستطيع حتى الآن تصور فراقه.


شادية وفايزة


وهل اقتصرت أعمالك في هذا الوقت على محمد رشدي فقط؟


- لا بل انطلقت مع بليغ حمدي بمجموعة من الأغنيات للفنانة شادية أذكر منها (أبو العيون العسلية) و(آه يا أسمراني اللون)، و(زفة البرتقال) و(أسمر يا عنب بلدنا) أي أنني اتخذت خطة مغايرة لكل ما غنته شادية قبل ذلك وهكذا صار الأمر مع فايزة أحمد فكتبت لها (مال عليّ مال، قاعد معايا، يامة يا هوايا، بالي معاك) وحققت أغنياتي كلها مع كل المطربين والمطربات الذين تعاونت معهم نجاحاً وشهرة واسعة.


أنا وعبد الحليم والاعتقال


جمعتك صداقة قوية بعبد الحليم حافظ وبسببك اتجه للغناء الشعبي كيف حدث هذا ؟


- عبد الحليم رحمه الله كان إنساناً بمعنى الكلمة، و كانت بداية معرفتي به في عام 1965 وكانت مجرد معرفة جلسات فنية دون أن نلتقي في أي عمل، وبعد عام واحد من تعارفنا تم اعتقالي بسبب الأشعار السياسية التي كتبتها واعترضت فيها على أشياء عديدة وهاجمت بعض رجال الثورة وبعد الإفراج عني وجدت الجميع يهربون مني ويتهربون من لقائي خوفاً على أنفسهم، ولم أجد سوى محمد رشدي وعبد الحليم حافظ بجانبي، فقد كان طبيعياً ألا يهرب مني رشدي أو يبتعد عني، بينما عبد الحليم لم تكن تجمعني به صداقة بنفس القوة وأثناء فترة سجني كان عبد الحليم يرسل لي السجائر والأطعمة رغم أن هذا كان ممنوعاً إلا أنه كان يتوسل من أجلي إلى الأجهزة والوزراء ورجال السلطة وساهم كثيراً في إخراجي من المعتقل وبدأنا بعد هذا رحلة التعاون.


وكيف استجاب حليم للموجة الشعبية التي فرضتها أنت؟


- حليم كان يسعى دائماً أن يكون الأول وبالتالي فإن موجة الغناء الشعبي التي أشعلنا نحن شرارتها من خلال أغاني رشدي وفايزة بالإضافة إلى ما قدمته المطربة الكبيرة نجاة مثل (حمد لله على السلامة) لحن كمال الطويل و(عيون القلب) لحن محمد الموجي وغيرها كان ذلك شيئاً مزعجاً جداً بالنسبة لعبد الحليم ومن هنا قررت اختطافه من التقليدي والانتقال به للموجة الجديدة مع الاحتفاظ بصورته كحليم وعدم التورط (شعبياً) بصورة قوية فكتبت له (أنا كل ما أقول التوبة) وغيرها وحققنا نجاحاً مدوياً بها.


وكيف نجح هو في دفعك لكتابة أغان عاطفية له؟


- حدث هذا على سبيل التحدي فكنا نجلس في منزله، وكان يقوم بتصوير فيلمه الأخير (أبي فوق الشجرة) ويسعى للعثور على أغنيات مناسبة فاستفزني بشدة بأنني لا أستطيع فتحديته، ودخلت إحدى الغرف في شقته وأغلقتها على نفسي ثلاث ساعات كاملة ثم خرجت له بــ (الهوى هوايا) و(أحضان الحبايب) وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً وظلت الأغنيات باقية.


الأغاني الوطنية


أيضا قدمت لعبد الحليم مجموعة كبيرة من أهم أغنياته الوطنية حدثنا عن مناسباتها؟


- عبد الحليم كان دائماً يقول: (لقد قام الابنودي بدفع رشوة لي متمثلة في أغاني شعبية وعاطفية ليبتزني وطنياً) فقد كان رحمه الله وطنياً لأقصى درجة، وقدمت معه نحو 15 أغنية وطنية مثل (موال النهار) و(ابنك يقول لك يا بطل هات لي النهار) و(صباح الخير ياسيناء) وغيرها.


نعرف أنك تأثرت بشدة بهزيمة 1967 أكثر مما تأثرت بنصر 1973 بدليل أنك كتبت عشرات الأغنيات الوطنية بعد النكسة بينما لم تكتب سوى أغنية واحدة للنصر وتغنى بها عبد الحليم . . فما مبرراتك؟


- نعم هذه حقيقة فمعظم أغنياتي الوطنية قمت بكتابتها في أوقات المحن والهزائم، فقد شعرت بعد وقوع نكسة 1967 بانكسار داخلي لا أستطيع وصفه، ولم أعد أطيق أي شيء حولي حتى أصدقائي وزملائي بل لم أحتمل القاهرة بكل ما فيها ولم أستطع السفر لمسقط رأسي (ابنود) فهربت إلى السويس وأقمت فيها وبدلاً من أن تهدأ نفسي تضاعفت آلامي وجراحي وأنا أرى بعيني ما حدث لهذه المدينة وبيوتها، فكتبت والدموع تنهمر من عيني (يا بيوت السويس) التي تغنى بها محمد حمام ولحنها إبراهيم رجب، ولم أكن أتخيل أنها ستحقق كل هذا النجاح الذي حققته وكتب بها حمام شهادة ميلاده.


ومتى عدت من السويس؟


- حتى حضر لي عبد الحليم واستفزني بشدة بقوله: إن هروبك يؤكد أنك غير قادر على المواجهة، ولم أكن أعرف أنك ضعيف بهذا الشكل، وأثناء عودتي كتبت الأبيات الأولى لموال (النهار) واستكملتها في القاهرة وأرسلت لعبد الحليم وبليغ حمدي فاستمعا لها، ولأول مرة كنت أرى الدموع تنهمر من عين بليغ حمدي فكنت أشعر وأنا اكتبها بآثار الهزيمة والعار، وفي نفس التوقيت بدأت الصور البشعة تنهال علينا من أرض فلسطين وانعكاسات النكسة على الفلسطينيين، وما فعله اليهود بهم فكتبت اغنية لحنها بليغ حمدي وتوزيع علي إسماعيل وأصر عبد الحليم على أن يغنيها لأول مرة بمسرح البرت هول في لندن أمام آلاف البشر وكان لها صدى واسع للغاية.


أغاني التحريض


بعض أغانيك أطلقت عليها


لقب (أغاني التحريض) ماذا تقصد بهذا المصطلح ؟


- مثلي مثل بقية أبناء الشعب لم نكن نستطيع تحمل آثار الهزيمة والهوان فكنا نستعجل الحرب والانتقام فلم يكن يشفي غليلنا ما نسمعه عن مكاسب في حرب الاستنزاف فقمت بجولة شاملة على كافة مدن مصر لإيقاظ روح المقاومة والتمسك بأمل الانتصار فقدمت 450 أمسية شعرية، وقدمت ملحمة (وجوه على الشط) التي كان لها صدى واسع على شاطئ قناة السويس، وقدمت مشروع الـ30 أغنية بإذاعة صوت العرب، وكان المشروع يعتمد على التطوع والتبرع أي أننا جميعاً المؤلف والملحن والمطرب لا نتقاضى أي أجر وغنى في هذا المشروع معظم نجوم ونجمات الغناء المصريين والعرب، وظهر لأول مرة صوت عفاف راضي من خلال هذا المشروع وتعرف عليها بليغ حمدي وبدأت رحلتهما معا، وكان من أبرز أغاني التحريض التي قدمتها في هذه الفترة لعبد الحليم عام 68 وغيرها . . بينما لم أكتب بعد نصر 1973 سوى أغنية (صباح الخير ياسينا) لعبد الحليم لحن الموسيقار الراحل كمال الطويل، وبعد فترة شاركت في الاحتفاليات التي أقامتها وزارة الإعلام احتفالاً بالنصر مثل (أفراح النصر) و(أنشودة مصرية) وغيرهما.


حكايتي مع عبد الوهاب


تعاملت مع معظم المطربين والمطربات في العصر الذهبي للأغنية لكن يتردد أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أرسل لك إلا أنك رفضت التعامل معه. . لماذا ؟


- هذا الكلام مبالغ فيه جداً وتم ترويجه على أسس غير صحيحة، وما حدث هو أن الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب أرسل لي مع الأستاذ مجدي العمروسي (رحم الله الجميع) فتوجهت له على الفور، وليس كما قيل إنني رفضت، وقضيت معه وقتاً طويلاً جداً واكتشفت في هذا اللقاء أننا شخصان مختلفان لا يمكننا قضاء الأوقات الطويلة التي يتطلبها العمل الفني معاً، فاعتذرت له وانسحبت في هدوء ويكمن السبب الرئيسي أنه كيان وأنا كيان مختلف تماماً فأنا (راجل) من طين له تركيبة تجدها في رجل الشارع البسيط بينما هو (محمد عبد الوهاب) ! !


كوكب الشرق


وكوكب الشرق أم كلثوم قالت في أحد أحاديثها الشهيرة أنك رجل صعيدي (قفل) بعد أن اعترضت على أن تؤدي إحدى أغنياتك في الوقت الذي كان يتسابق كل الشعراء عليها ويحلمون بها . . فما سر اعتراضك ؟


هذه الحكاية مضى عليها 35 عاماً، حينما وجدت الأستاذ وجدي الحكيم يتصل بي ليبلغني أن الأستاذ عبد الحميد الحديدي (رئيس الإذاعة حينئذ) يريد لقائي فوراً وكنت قبل هذا بيومين فقط أجلس في منزل الأستاذ عبد العظيم عبد الحق وكتبت أغنية قام هو بتلحينها وقمت بنشر الكلمات في صحيفة الأهرام، فقرأتها أم كلثوم، وأخذت الكلمات وأعطتها للموسيقار رياض السنباطي كل هذا دون أن أعرف أي شيء، وحينما ذهبت لرئيس الإذاعة أخبرني بما حدث وأن أم كلثوم تنتظر لتعديل إحدى الكلمات فقلت له إن الأمر بيد عبد العظيم عبد الحق فاتصل به فقال له عبد الحق إذا أرادت أم كلثوم الكلمات فيجب أن تغنيها بلحنه هو، وأيدته فيما قال، فجن جنون الرجل واندهشت أم كلثوم من موقفي الذي لم يحدث أبداً معها من قبل أي شاعر آخر فقالت جملتها هذه أنني صعيدي (قفل) لا أفهم في الإتيكيت وعجزت هي ومن معها عن فهم أنني إنسان ذو مبادئ لا أفرط فيها.


حدث عداء عنيف بعد هذا بينك وبين أم كلثوم فهل كان سببه هذه الأغنية أم شيء آخر؟


- لا كان هناك سبب آخر وهو الأغنية الوطنية (ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار) التي تغنى بها عبد الحليم، فقد كنا نسجل أغنيات 67 بالإذاعة وكانت أم كلثوم تقف مع كمال الطويل واستمعت لصوت عبد الحليم يأتي من بعيد وهو يسجل هذه الكلمات فقالت لكمال الطويل انها تريد هذه الأغنية، وطلبت منه أن يحدثني بشأنها، فاقترب مني الطويل بعد انصرافها وأبلغني بما قالته فنظرت إليه ولم أعلق فأدرك ردي عليه، فأبلغها بما حدث فجن جنونها ولم أُبلغ عبد الحليم بهذه الواقعة أبداً.


تعاونت مع معظم مطربي ومطربات الستينيات والسبعينيات ونحفظ لك جميعاً العديد من الأغنيات لشحرورة لبنان صباح مثل (ساعات ساعات) ولوردة (قبل النهار ده) و (طبعاً أحباب) فلماذا امتنعت عن التعاون مع مطربي ومطربات هذا الجيل؟


- من قال هذا الكلام ؟ ! لقد كتبت لمحمد منير، ومحمد ثروت، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، وهاني شاكر، ومدحت صالح، وميادة الحناوي، وغيرهم كثير، حتى اندلعت موجة ما يسمى بالأغنية الشبابية والكليبات الخليعة فآثرت الانسحاب.


اخاصمك آه


ومتى يجب على الشاعر التوقف عن الكتابة ؟


هناك حالات كثيرة لشعراء توقفوا عن الكتابة،وأنا أرى أنه من الشرف عندما يفلس الشاعر أن ينزوي وينطوي على نفسه لا أن يمزق ملابس الآخرين ومؤكد أن إفلاس الشاعر يعود لمحطة الانطلاق في البداية من منطلق غير صادق . . فالصدق حالة دائمة لا يمكن أن تنتهي وهذا لا ينطبق على الشعر فقط بل على مستوى الإبداع بشكل عام.


زوجتي وبناتي


فوجئنا بك بعد أن اقتربت من سن الخمسين تعلن عن زواجك من مذيعة التليفزيون نهال كمال التي تصغرك بأعوام عديدة بل وتنتمي لطبقة مختلفة عن طبقتك مما دفع الكثير للتأكيد على أن زواجكما لن يستمر طويلاً ورغم هذا ما شاء الله فقد مضى على زواجكما قرابة الـ15 عاماً . . كيف تم الزواج وكيف توافقت الطباع بينكما ؟


أنا نفسي لا أعرف كيف تم هذا، وكل ما أذكره أنها استضافتني في أحد برامجها وحكيت حكاية (فاطمة ومحلاج القطن و(السيرة الهلالية) وصارت بيننا صداقة قوية ولم أكن أتخيل أننا سنصبح زوجين في بيت واحد وبصدق شديد رأيت معها حياة رائعة وجميلة وأعيش معها ومعنا ابنتانا تماماً مثل حزمة قمح يطوحها النسيم، نسافر للخارج ولداخل الوطن معاً وأحاول دائماً تعويضها عن فارق السن.


مع نهال كمال عرفت طعم الأبوة على كبر بعد إنجابك منها لابنتيكما آية ونور صف لنا مشاعرك؟


- دائماً كنت أتعجب كيف كنت سأغادر هذه الحياة بدون أن أعرف طعم الأبوة . . وأنا أدعي أنني شاعر يجيد التعامل مع المشاعر الإنسانية وظل هذا يثير لدي أسئلة مؤرقة عن شرعية أن تكون في سن الخمسين عاماً وتكون ابنتك في سن الخامسة ونحن لدينا اعتقاد في أن نجعل أبناءنا صورة منا ولكن هذا يتطلب أن تكون معهم من البداية. أن تتزوج في سن الشباب وتستطيع أن تصنع علاقة مع أطفالك ولا يكون قلبك قد نال كل تلك الضربات أو أن تكون عرفت الدنيا ومفارقات الزمن إلى هذا الحد ويكون بقلبك حزن كبير.. حزن الخبرة والمعاناة .. فما ذنب الطفل هذه الزهرة الخارجة تبحث عن النور في الحياة.


ومن هنا ظل كثير من الوساوس تشاغلني بعض الأحيان حول: هل كان من حقي أن أنجب وأنا في هذه السن ؟


- ولكن إيمان زوجتي بأنها حققت العلاقة القوية التي تبني بيتاً قوياً، هي التي تعطينا جميعاً الأمل في الاستمرار.


وهل تحرص على التعرف على رأيها في أشعارك وأغانيك ؟


- هي تشعر بسعادة كلما وجدتني جالساً بين أوراقي مشغولاً بكتابة شيء فتقوم على الفور من تلقاء نفسها بتهيئة المناخ الذي أعشقه ويتمثل في الهدوء والسكينة ثم أجدها بعد اتجاهي للنوم تطالع ما كتبته وبعد استيقاظي تناقشني فيه. 



آخر الأخبار