قراءة في وطنيات محمد عبد الوهاب 3 السفارة الفرنسية تمنع دمشق والنقراشي يمنع السودان والملك يمنع الصبر!

30/12/2016 - 8:11:25

موسيقار الأجيال موسيقار الأجيال

كتب : محمد دياب

أسرار منع خمس من أغنيات عبد الوهاب الوطنية في العهد الملكي!
عبد الوهاب يفشل في وضع سلام وطني جديد عام 1947
قوات المحور تقصف العباسية وعبد الوهاب يهجرها الي الايموبيليا!
السادات يفرج عن نشيد الحرية بعد منعه في العهد الملكي!
النحاس باشا يصر على ان يسمع الكرنك في المعبد من عبد الوهاب !
الاذاعة تمنع قصيدة فلسطين بسبب الهدنة !


قدم محمد عبد الوهاب خلال فترة الحرب العالمية الثانية 1939-1945 وما تلاها من فشل قضية استقلال مصر في مجلس الامن ، ثم نكبة فلسطين 1948 والغاء معاهدة 1936 وحرب الفدايين في قناة السويس ضد قوات الاحتلال البريطانية وحتى قيام ثورة يوليو 1952، قدم خلال تلك الاحداث مجموعة من أفضل نتاجه الوطني، خصوصا أنه نتاج غير موجهه من قبل رئيس أو زعيم كما أنه لم يقترن فيه الغناء للوطن باسم زعيم أو ملك ، بل أن هذا النتاج الفني يبدو أكثر صدقا وثورية مما قدم في عهد جمال عبد الناصر ، اذا ماعرفنا رأي عبد الوهاب في الاشتراكية في الفن وفي عبد الناصر نفسه وهذا ما سنورده في حينه .

خارج اطار أغانية للملك فاروق او ملوك آخرين قدم عبد الوهاب في الفترة من عام 1940 وحتى 1952 نحو عشر أغنيات جاء الغالب الأعظم منها بمثابة منشورات وطنية ثورية ضد الظلم  والإحتلال في مصر وسورية وفلسطين ، منعت الاذاعة المصرية من بينها أربعة أغنيات بعد فترة من تقديمها للمرة الأولى كما منعته من تسجيل خامسة ، بناء على طلبات إحتجاج وردتها من جهات مختلفة منها القصر ومنها رئيس الوزراء ومن بينها ايضا السفارة الفرنسية ووزارة الداخلية ، وسمح بتقديمها مجددا بعد قيام ثورة يوليو .

الباشا والبك يؤلفا أغان لعبد الوهاب!
في مطلع الاربعينات قدم عبد الوهاب طقطوقة خفيفة بعنوان "مين زيك عندي ياخضرة" من شعر اللواء عبد المنصف محمود باشا وهو أول وآخر باشا يكتب أغنية لعبد الوهاب والمعروف ان امير الشعراء حمل لقب البكوية ، لكنه حصل عليها من السلطان العثماني لذا كانت تعادل الباشاوية في مصر التي تمنح من قصر عابدين، ولهذا السبب كان الجميع ينادي شوقي مصحوبا بلقب  "باشا" ، حسب ماذكر عبد الوهاب في مذكراته ،  تتضمن تلك الاغنية  تحية للراية المصرية الخضراء ذات الهلال و الثلاث نجوم في ذلك الحين،ويقول مطلعها :" مين زيك عندي ياخضرا في الرقة ياغصن البان / ماتجودي عليا بنظرة وأنا رايح للميدان" وهي ثاني اغنية يخاطب فيها عبد الوهاب الراية المصرية بعد نشيد "تحية العلم" .
ويؤكد الكاتب محمد السيد شوشة في كتابه عن الموسيقار ، أن الطقطوقة هذه قدمها عبد الوهاب إلي مسابقة اقيمت وقتها لاختيار نشيد وطني مصري في لجنة رأسها صالح حرب باشا ، غير أن الأمر يبدو عصيا على التصديق فكيف يقدم عبد الوهاب طقطوقة خفيفة لتصير نشيدا وطنيا .
بعد أعوام قليلة وفي عام 1947 وحسب المصدر نفسة سجل عبد الوهاب للاذاعة مقطوعة موسيقية  كسلام وطني مقترح قام بتوزيعها وقيادة الاوركسترا المايسترو عبد الحليم نويرة ، مدتها ثلاث دقائق كلفت الاذاعة 385 جنيها أجرا للموسيقيين دون إحتساب أجر المؤلف والموزع ، ورغم ذلك لم تنل المقطوعة القبول ، وكان السلام الوطني الساري وقتها هو مقطوعة "سلام افندينا" التي وضعها مؤلف موسيقي إيطالي مجهول منذ عهد الخديو اسماعيل وحتى عام 1960، وليس فيردي كما هو سائد حتى اليوم .
وقد شنت الصحف هجوما شديدا على السلام الوهابي المقترح وتصدى عبد الوهاب للدفاع عنه وقال:" ان هذه المقطوعة لونا جديدا من الموسيقي وبامكان الشعراء والزجالون وضع قطعة شعرية على ايقاعها وان الموسيقى قبل الشعر تكون اوفق" .
وقتها قام الرسام رخا بتقديم كاريكاتور ساخر حول الامر رسم فيه عبد الوهاب وقد ربط على وسطة حزام وهو يرقص على إيقاع المقطوعة وكتب تحته "عبد الوهاب في نشيد حماسي" .
بالطبع لم يصيب ألياس عبد الوهاب في حلمه بان يضع موسيقى النشيد الوطنى المصري فشارك في مسابقة اقيمت بعد الثورة نهاية عام 1952 ، واخرى بعد عدوان 1956،وفي عام 1960 تم اختيار موسيقى نشيد كمال الطويل "والله زمان ياسلاحي" غناء ام كلثوم كلمات صلاح جاهين، واخيرا تحقق حلمه ووضع التوزيع الموسيقي الخاص بنشيد سيد درويش والشاعر محمد يونس القاضي "بلادي بلاي" بتكليف من الرئيس انور السادات عام 1979 .

تجديدالروح القومية المصرية
 في عام 1939 وبعد اشتعال الحرب العالمية الثانية ، ولان الحرب كانت عالمية بين دول المحور والحفاء التي تحتل إحدها" بريطانيا" دولة مصر، فالخطر على الوطن كان محدقا حتى قبل أن تعلن مصر دخولها الحرب مع دول الحلفاء تحت ضغط بريطاني وذلك قبل نهاية الحرب بفترة وجيزة في عام 1945 ، في ذلك الحين سجل عبد الوهاب في عام 1940 نشيدين من أفضل أناشيده الوطنية الأول هو "نشيد الجهاد" للشاعر كامل الشناوي يقول مطلع النشيد:"  هتف الداعي ونادى بالجهاد أي بشرى يوم نادى للنفير/ نحن شعب حكم الدنيا وساد ونما والدهر في المهد صغير/ كل مصري ينادي انا ملك لبلادي/ قلبي يميني لساني روحى فدا اوطاني/ كان الجهاد أماني واليوم يوم الجهاد"  الي قول الشاعر في أجمل ابياته  :" كم تباهينا بمجد الأولين فتعالى قدرنا في العالمين / لما لا نجني بإيدينا مجد العلا لما لانصبح فخر الأقدمين".
ويذكر الشاعر مصطفى عبد الرحمن في كتابه "الشعر في موسيقى عبد الوهاب"  إن موسيقى هذا النشيد كتبها  محمد عبد الوهاب لتصبح النشيد الخاص بالحرس الملكي ،وقد أعيد تقديم النشيد نفسه عام 1988 في حفل افتتاح دار الاوبرا المصرية الجديدة في حضور عبد الوهاب ورئيس الجمهورية الأسبق حسني مبارك بتوزيع المايسترو مصطفى ناجي وعزف اوركسترا القاهرة السيمفوني وغناء كورال اوبرا القاهرة بمشاركة التينور صبحي بدير والسوبرانو نفين علوبة في نسخة فريدة من النشيد .
النشيد الثاني هو " نشيد مصر الحربي" للشاعر محمود حسن إسماعيل ، الذي يعرف اليوم بإسم مطلعه الذي يقول :" مصر نادتنا فلبينا نداها وتسابقنا صفوفا في هواها / فإذا باغ على أرض رماها ترخص الارواح والدنيا فداها / ونروى بالدم الغالي ثراها ونخوض الموت في كل البقاع / نحن جند النصر أبطال الدفاع يوم يدعونا لنار الهول داع/ حدثي ياشمس عن ماضي حمانا كم قهرنا فوق شطيه الزمان / وأبينا العيش ذلا وهوانا من رآنا فليقل كيف رأنا/ من رحيق الدم يسقى شهدانا / في هوى مصر تحيات الوداع  " .
كان للحرب العالمية أثرا نفسيا وإجتماعيا بالغا في حياة محمد عبد الوهاب ،خرجت من رحم تلك الفترة العصيبة تلك الأناشيد وأناشيد أخرى ، كان عبد الوهاب يسكن وقتها في منزله في منطقة العباسية وهو أول منزل خاص به إشتراه له الشاعر أحمد شوقي من شقيقة زوجته ،  المنزل كان قريبا من ثكنات الجيش البريطاني في العباسية لذا كانت المنطقة هدفا للغارات الجوية من قبل دول المحور وخوفا من عبد الوهاب على والدته وأسرته ولم يكن بعد قد تزوج من السيدة اقبال نصار ، أرسلهم الي الريف ، وبقي وحده حتى حدثت الغارة الجوية الكبري على منطقة العباسية يقول محمد عبد الوهاب في مذكراته عن تلك الواقعة :" عشنا أيام الحرب العالمية الثانية وكاننا في حلم يسيطر عليه الكابوس ، كانت فترة عصيبة ، كانت الحرب في أوج شدتها وجيوش المحور تطرق أبوابنا ،والغارات الجوية تهدد العاصمة بين ليلة واخرى، كانت فترة غامضة لايشعر الإنسان فيها بالاستقرار الذي يساعد على الابداع والانتاج ".
ويتابع عبد الوهاب :" كانت تلك الغارة اكبر غارة جوية شهدتها القاهرة خلال الحرب ، لقد أطلقت صفارات الإنذار في تلك الليلة المشؤمة فأشار على الأسطى علي سائق سيارتي أن أنزل الي البدورم ، فارتديت الروب فوق البيجامة وجلست معه في بدروم المنزل أنتظر
أنزل الي البدورم ، فارتديت الروب فوق البيجامة وجلست معه في بدروم المنزل أنتظر إنتهاءها بسلام ، وإستمرت الغارة ساعات قضيتها في حالة سيئة من الإنزعاج وأنا أسمع صوت الطائرات المغيرة وإنفجار القنابل ودوي المدافع المضادة ، وقد تشنجت أصابعي وهي تضعط على مصحف صغير كان ملاذي الوحيد وسط هذا الهول ، وإنتهت الغارة في الرابعة صباحا فخرجت من البدروم محطم الاعصاب وقد بدا نور الفجر يتسلل الي الشوراع المقفرة ، ووجدت انه من المستحيل ان يطرق النوم اجفاني وانا في هذه الحالة من توتر الأعصاب ، فطلبت من الساق أن يخرج سيارتي من الجراج لكي يذهب بي إلي الجزيرة أو الهرم حيث أشم الهواء ، وأستعيد هدوء نفسي ، ووقفت بالبيجامة والروب أمام البيت في إنتظار السيارة ، وعند ذلك أقبل المتطوعون الذين يعملون في الحي وقت الغارات ، وكان من عاداتهم أن يطمئنوا علي بعد كل غارة ، ووقفت أتحدث معهم وأسالهم عن الاخبار ، فذكروا لي ما أحدثته الغارة من دمار وحريق في بعض الجهات ، وجاءت السيارة فركبت وعرضت عليهم أن أوصلهم إلي وجهتهم ، وقالوا لي أنهم ذاهبون الي قسم الوايلي القريب من البيت ، فركبوا معي ولاحظت أنهم يحملون "قفة" وضعوها معهم في السيارة ، فسألتهم عما فيها ، فقال أحدهم ببساطة : دي قنبلة لم تنفجر ، وصحت :يانهار أسود ، ووجدت نفسي أفتح باب السيارة وأقفز وأجري في الشارع ولم أتوقف حتى أصبحت على بعد كيلو مترين من السيارة ، ولم استطع بعد ذلك البقاء في منزلي في العباسية فانتقلت الي شقة مفروشة في الطابق الثالث من عمارة الايموبيليا لانها بعيدة عن الثكنات من جهه ، ولان بدرومها يعتبر احسن مخبأ للوقاية من الغارات من جهة اخرى".

 النيل والكرنك وكيلوباترا  
من نتاج عبد الوهاب الوطني في حقبة الأربعينات ، وخارج إطار الغناء المباشر للوطن قدم أربعة مقطوعات بديعة تخاطب الحس الوطنى بشكل غير مباشر هي : قصيدة "الكرنك" للشاعر أحمد فتحي 1941 ، وقصيدة " كيلوباترا" للشاعر على محمود طه 1944 ، وموال "إجري يانيل" للشاعر حسين السيد الذي سجل لحساب إذاعة البي بي سي عام 1944 ، وطقطوقة "القمح الليلة " للشاعر حسين السيد في فيلم "لست ملاكا" للمخرج محمد كريم 1946 ، وهو آخر فيلم يقوم ببطولته عبد الوهاب .
الطريف أن قصيدة "كليو باترا" أو "ليالي كليوباترا" كتبها الشاعر على محمود طه بناء على طلب عبد الوهاب ، فعندما إختار الموسيقار الكبير غناء قصيدة " الجندول" أول تعاون له مع طه وكان يحسبها لمحمود حسن اسماعيل بعد أن طالع أبياتها في جريدة "الاهرام" ، وعند غناءه لبيت "حلم ليل من ليالي كليوباترا" ، قال للشاعر ولماذا لاتخص كليوباترا بقصيدة وحدها ألحنها وأغنيها وهكذا كان ، أما قصيدة "الكرنك" فقد لحنها خلال عدة أيام قضاها في الأقصر كان يجوب خلالها المعبد ليستلهم لحن القصيدة من أجواء المعبد والرسوم على حوائطه ، الاكثر دهشه هو ماحدث بعد غنائه للقصيدة فخلال زيارته للأقصر مع مصطفى النحاس باشا ومكرم عبيد أصرا الإثنان على أن يزورا المعبد ليلا في صحبة عبد الوهاب وعوده ليغني لهما القصيدة في المعبد ولبي عبد الوهاب طلبهما وظل يغنيها حتى مطلع الفجر .
الأغاني الممنوعة لعبد الوهاب!
في عام 1943 وخلال ثورة دمشق على المستعمر الفرنسي اختار عبد الوهاب ابيات عدة من قصيدة كان كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1925 حين قامت سورية وقتها بثورتها العارمة ضد الحاكم الفرنسي الذي عمد الي تقسيم الجزء الداخل من سورية الي أربع دويلات ،منفصلة هي : دمشق وحلب وجبل العلويين وجبل الدروز ،وقد القاها امير الشعراء عام 1926 في مؤتمر أقيم لمناصرة الشعب السوري ، يقول مطلع القصيدة كما غناها عبد الوهاب :" سلام من صبا بردى ودمع لايكفكف يادمشق " ، وقد ظلت الاذاعة المصرية تبثها لفترة حتى تقدمت السفارة الفرنسية بإحتجاج تطالب فيه منع بث القصيدة لتحريضها على كراهية فرنسا ، بسبب البيت الذي يقول فيه الشاعر :" دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنه نور وحق / وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق" .
قصيدة أخرى لأمير الشعراء أحمد شوقي "شهيد الحق" كان كتبها شوقي في ذكرى الزعيم الوطني مصطفى كامل عام 1925 ، إختار منها عبد الوهاب مجموعة أبيات لحنها وسجلها للاذاعة عام 1947 تحت عنوان "إلام الخلف بينكموا إلام" ، او "السودان" ، وذلك بسبب محاولة السلطة البريطانية المحتلة ، وقتها فصل السوادن عن مصر ،بحجة إستعداد بريطانيا منح السودان إستقالة ، في الوقت الذي كانت تماطل فيه في منح مصر إستقالها ،في ذلك الوقت صدم الشعب المصري بفشل المفاوضات التي قام بها رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي ، مع مجلس الأمن في الأمم المتحدة لحصول مصر على إستقلالها في سبتمبر من ذلك العام 1947 ، وقد كانت الخلافات الحزبية والتناحر بين القوى الوطنية أحد أسباب ذلك الفشل ، وبذكائه المعهود إختار عبد الوهاب الأبيات التي تقول :" إلام الخلف بينكموا إلام / وهذى الضجة الكبرى علاما / وفيما يكيد بعضكموا لبعض/ وتبدون العداوة والخصاما / وأين الفوز لامصر إستقرت على حال/ ولا السودان داما".
كانت هذه القصيدة آخر عمل يذكر فيه محمد عبد الوهاب الملك فاروق في غنائه عند قولة :" جمعت الناس حول العرش علما / بأن بأن لمصر في العرش إعتصاما/  فيا فاروق أدركها جراحا أبت على يديك إلا على يديك التئاما " وقد كانت في النص الأول للقصيدة تخاطب الملك فؤاد في قولة " أبا فاروق أدركها جراحا" .
يقول محمد عبد الوهاب عن هذه القصيدة في مذكراته التي كتبها الصحافي لطفي رضوان :" عقب فشل قضيتنا في مجلس الامن شعر الناس بوجود جمع الصفوف وتوحيد الكلمة ، اذ كان التناحر الحزبي على اشده ، ولكن الأحزاب رفضت أن تنسي أحقادها ، وظلت في صراع وخلاف لم يكن يستفيد منه سوى المستعمر ، فلحنت أبياتا من قصيدة قديمة لشوقي جاءت تعبيرا عن الشعور العام ، وعن شعوري الخاص كمواطن يتمنى الخير لبلاده وهي قصيدة "إلام الخلف بينكموا الام " وسجلتها للاذاعة وأذاعتها فكان لها صدى بعيد عند الناس لكن المرحوم فهمى النقراشي الذي كان رئيسا للحكومة أمر بوقف إذاعتها بحجة أنه لايجوز أن نعترف أمام العالم بأننا مختلفون !!".
 وقد أفرج أخيرا الإذاعي إبراهيم حفني عن النسخة الإذاعية المطولة من القصيده هذه من خلال برنامجة "منتهى الطرب" في إذاعة الأغاني بعد عقود طويلة من تسجيلها .
خلال نكبة فلسطين عام 1948 طلب وقتها عبد الوهاب من الشاعر اللبناني بشارة الخوري أن  يكتب له قصيدة حول القضية ليلحنها ويغنيها ، لكنه تأخر في ارسالها فلجأ عبد الوهاب إلي الشاعر علي محمود طه الذي كتب له قصيدة " فلسطين" ولم يكد يفرغ من تلحينها حتى وصلت إليه قصيدة الأخطل الصغير بشارة الخوري "وردة من دمنا" فاعتذر له عن عدم تلحينها وغنائها، وظهرت القصيدة هذه بعد عشرين عاما بصوت ولحن الموسيقار فريد الأطرش .
تقول أبيات القصيدة التي لحنها محمد عبد الوهاب :" أخي جاوز الظالمون المدى / فحق الجهاد وحق الفدا" ، وفيها لجأ عبد الوهاب إلي الموسيقي الصوفية الراقصة الشهيرة في الأذكار الشائعة في الموالد في أبيات :" اخي ايها العربي الأبي / أرى اليوم موعدنا لا الغدا/ أخي أقبل الشرق في أمة ترد الضلال وتحيي الهدى". ، وقد اثار اللحن دهشة كبيرة لدى قطاع كبير من جمهور عبد الوهاب ، حتى أن الفنان محمد التابعي الذي كان يجسد دور عبد الرحيم بيه كبير الرحيمية ظهر في أحد افلامه وهو يرقص مع السيد بدير على غناء ولحن هذا المقطع من القصيدة ، وقتها دافع عبد الوهاب عن لحنه قائلا :" أن الجهاد في سبيل فلسطين يقتضي فدائية يغيب فيها الإنسان عن وعيه ،ولا يرى أمامه الا الله والجنة واليوم الاخر ،وقد ملأت الانشودة بجو الذكر لأن نغمة الأذكار تجعل المشتركين في الذكر في حالة غيبوبة ،إلا عن ذكر الله".
 تعرضت هذه القصيدة أيضا للمنع بعد إذاعتها لفترة وقيل لعبد الوهاب وقتها من جهة رسمية إن الحكومة ترى أن إذاعتها يتنافي مع الهدنة التي كانت قد أعلنت في ذلك الوقت ، وقيل أيضا أن أسباب المنع تعود الي البيت الذي يقول فيه "يسوع الشهيد على أرضها" وأن وصف المسيح بالشهيد يتنافي مع العقيدة الاسلامية ، ورجع عبد الوهاب إلي شاعر الأغنية علي محمود طه الذي أكد له أنه يقصد بالشهيد من تحمل الألم والعذاب والإضطهاد ، حتى أنه حصل على إقرار بذلك من بعض علماء الأزهر الشريف ، غير أن القصيدة لم يفرج عنها إلا بعد قيام ثورة يوليو .
ويذكر كتاب "موسوعة أعلام الموسيقي العربية" للدكتورة إيزيس فتح الله قصيدة أخرى لحنها وغناها عبد الوهاب في العام نفسه للشاعر نفسه بعنوان "يادموعا في مآقي العرب" ولا يتوفر تسجيل للقصيدة بصوت عبد الوهاب  .
خلال حرب الفدائيين ضد قوات الاحتلال البريطانية في قناة السويس والتي بدأ في أكتوبر من عام 1951 وبعد المجازر التي ارتكبها المحتل ضد المدنيين العزل وذلك بعد إلغاء معاهدة 1936 والمظاهرات المليونية التي خرجت في ربوع مصر تطالب بالإستقلال ، كتب حسين السيد بناء على طلب عبد الوهاب أغنية "الصبر والايمان" التي تتحدث عن الظلم والجبروت بإستخدام الرمزيه والمواربة حتى يسمح بإذاعة العمل تقول كلمات الأغنية :" الصبر والإيمان دول جنة المظلوم /والظلم والحرمان ويلهم من المظلوم / والحر في الأوطان حاكم ولو محكوم " إلي أن ينهيها مع الكورس في قولة :" ياظالم لك يوم مهما طال اليوم / ياويلك ياظالم ياويلك " ، وقد منعت الاغنية بعد إذاعتها بفترة قصيرة ويقال أن الملك فاروق ظن انه المقصود فأمر بمنع العمل ولم يفرج عنه إلا في عام 1954 عندما قدم في إطار الصورة الغناية التي حملت الإسم نفسة "الصبر والايمان" من إخراج السيد بدير .
خلال الأجواء نفسها وبعد المذبحة التي إرتكبتها قوات الإحتلال البريطاني قد قوات الشرطة المصرية في مبني محافظ الإسماعيلية في الخماس والعشرين من يناير 1952 وبعد حريق القاهرة الذي إشتعل  في اليوم التالي.
 إتصل محمد عبد الوهاب من باريس بالشاعر كامل الشناوي وطلب منه أن يكتب قصيدة تعبر عن تلك الأحداث وتذكي روح الجهاد عند الفدائيين في حربهم ضد الإنجليز في القنال وبالفعل كتب " أنت في صمتك مرغم أنت في صبرك مكره " وعرض النشيد على اللجنة المختصة في الإذاعة التي أرسلت منه نسخة إلي وزارة الداخلية ومنها إلي قصر عابدين ، يقول عبد الوهاب في مذكراته :" وإذا بوزارة الداخلية تمنع تسجيلة بحجة أنه يثير الشعور العام ، وترامي إلي أن هناك من نقل الي السراي أن عبد الوهاب يلحن نشيدا ثوريا يتعرض فيه للظلم والإستبداد والإعتداء على الحريات ، ومنعت من تسجيل النشيد، وجاءت الثورة وكنت في الإسكندرية كلموني قالولي السادات عاوزك فرحت ، قال لي : إحنا لما جينا لقينا هنا في الأدراج – يقصد أدراج الاذاعة – نشيد ممنوع هل النشيد متلحن وجاهز ؟ قلت له أيوة ، فقال لي طيب إتفضل إنزل وسجل ، وطلب منى أن نبدل كلمة " انت في صمتك مرغم " الي كنت في صمتك مرغم " وإتصلت بكامل الشناوي ووافق على الأمر".
المدهش في أمر النشيد المعروف اليوم باسم "نشيد الحرية " هو أنه حمل عند تسجيله إسم "نشيد البعث" وهو إسم تكرر في اكثر من نشيد بعد ذلك ، وقد نشرت مجلة الاذاعة في عددها الصادر في السادس عشر من اغسطس 1952 خبرا مصحوب بصور لعبد الوهاب وهو يسجل النشيد في ستديو الإذاعة في الشريفين ،تحت عنوان :" لا يذاع لأنه يثير الشعور العام" ، وتقصد بذلك النشيد الذي ذكر في الخبر بإسم "نشيد البعث" ، يذكر التقرير الخبري :" بهذا حكمت الرقابة  منذ شهور على النشيد الجديد الذي ألفه كامل الشناوي ،ولحنه وغناه الموسيقار محمد عبد الوهاب ،وفي هذا العهد الوطني الجديد أجازته الرقابة وأفرجت عنه "