الدراما الأبنودية .. فتنته السيرة الهلالية وكتب ليلة جواز سبرتو

04/05/2015 - 11:11:22

الابنودى الابنودى

كتب - د. حسن عطية

شخصية درامية كاملة الأبعاد ، ورغم استغراقه فى كتابة القصيدة الغنائية وشهرته كتابة ونطقا بها ، غير أن درامية شخصيته الحاضرة والمتمردة فى كل لحظة ، ودرامية حياته الثرية ، ودرامية رؤيته للعالم المؤسسة على الاعتراف بالرأي والرأي الآخر ، دفعت الدراما فى أوصال غنائياته ، ودفعته لكتابة ستة نصوص لفرقة مسرح العرائس ، وإعداد مسرحية لفرقة المسرح القومى ، والمشاركة فى كتابة حوارات سينمائية ، والتعلق لسنوات طوال بالصراع الدرامى الحاد فى سيرة بنى هلال .


فى منتصف الستينيات ، نضج الحلم علي أرض الوادى بالغد القادم ، محملا بالأزاهير والحرية والكرامة والعدل الاجتماعي ، كان "عبد الحليم" يغنى للسد العالى والجيل الصاعد ويحكى لنا حكاية شعب ثار ضد الطغيان والتخلف ، وكان "جاهين" يتمنى أن يرى يوما ما "تماثيل رخام وأوبرا بكل قرية عربية" ، وجاء الأبنودى بمذاق جنوبى خاص ليقدم (الأرض والعيال) الممصوصين تحت سماء الجنوب القارصة ، يحلمون بيوم ربيعى ، وفضل أن تكون قصائده حوارا بين الأرض وأهلها ، وبين الجنوب والعاصمة المركزية ، وحتى بين الشعرة الشائبة الأولى برأس المواطن البسيط "عبد التواب" الذى ترك عمره يمر أن يقدم لوطنه ما يجب ويستحق عليه أن يقدمه ، بين هذه الشعرة وعبد التواب المواطن نفسه ، وأيضا بين حبل المشنقة وشهيد حادثة دنشواي "زهران" المشنوق بها غدرا ، وكذلك حوارا بين صاحب مصنع طوب والسد العالى ، وبين شاب مصرى وفلاح فيتنامي ، وبين النوبة وابنها المهاجر ، وغيرها من الحوارات الشجية والتى قدمها الشاعر بصوته فى إذاعة (هنا القاهرة) ذائعة الصيت زمنذاك ، وجمعها فى أول ديوان له بعنوان (بعد التحية والسلام) .


الإذاعة وأثيرها المؤثر


رأى "الأبنودي" أن الحياة لا تستقيم إلا بالحوار بين الأطراف المتنازعة ، وآمن بأن الوحدة فى التنوع ، وأصر على أن تظل لغته جنوبية يحاور بها "أفندية" القاهرة ومن خضعوا للهجتها الطاغية من أبناء الأقاليم ، ولعبت الإذاعة دورا هاما فى تقديم حوار خاص بين أشعاره المنطوقة بصوته وبلهجة صعيدية مميزة وجمهور المستمعين الذين شغفوا بصوته ولهجته وأشعاره وحلقوا معها فى فضاءات لامتناهية تعيد بناء الواقع بصورة راقية ، فقدم عبر أثير الإذاعة مرة أخرى حوارياته الشهيرة المصاغة فى صورة ملحمية درامية رائعة حملت أطول عنوان هو ديوانه (جوابات حراجي القط العامل في السد العالي إلى زوجته فاطنة أحمد عبد الغفار في جبلاية الفار( مجد بها العمل والعمال وعشاق التقدم ، وصاغ بها حوارية رقيقة يتجاوز بها حواريات "روميو" و"جولييت" بشرفة مسرحية "شكسبير" ، ولقاء "حسن" بفتاته "نعيمة" بساحة بيتها فى فيلم "عبد الرحمن الخميسي" ، وتحرق بردة "قيس" فى لقائه بمعشوقته "ليلى" فى بيداء مسرحية "أحمد شوقى" . لقد حملت حوارات "حراجى" وزوجته فاطنة" المتبادلة بينهما فى خطابات عذبة ، حملت طزاجة الحياة اليومية ، وتطلعات الشباب العامل ، وامتزجت فى كلماتها خضرة الأرض ببهجة الحياة .


اقتحم "الأبنودى" بعد ذلك المسرح ، فقدم لمسرح العرائس ست مسرحيات ، أبرزها (مقالب صحصح وتابعه دندش) ، من ألحان "إبراهيم رجب" ، وإخراج "صلاح السقا" ، وفى صيف 1977 قدم إعداده لمسرحية الفرنسى "بومارشيه" الشهيرة (زواج فيجارو" لفرقة المسرح القومى بعنوان (ليلة جواز سبرتو) من إخراج "فهمى الخولى" ، التقط من خلالها فكرة البطل الصغير الساعى للمتمرد على كل ما يكبل حركته فى الحلم ، ليقدم نموذجا لفرسان منتصف السبعينيات الشباب المضطرب بين زمن الحلم الجميل المتهاوى وزمن وهم الرخاء الممتزج بالفكر العطن .


ترقية الحوار السينمائي


جذبته السينما واستدعته لوضع بصمته الدرامية على شاشتها ، فأعاد صياغة حوار فيلم (شيء من الخوف) الذى كتبه السيناريست "صبرى عزت" عن قصة متواضعة للكاتب "ثروت أباظة" ، ناقلا لهجة شخصياتها من الدلتا لصعيد مصر ، وصاعدا بالحوار اليومي لسماوات الشعر الراقي ، ومركزا على الحوار المتبادل كقذائف الحمم بين المتمردة "فؤادة" (شادية) والمتحول للطغيان "عتريس" (محمود مرسى) ، ثم منتقلا بعد ذلك لتقديم تجربة شديدة الثراء فى الفيلم القصير (أغنية الموت) محولا مسرحية "توفيق الحكيم" الذهنية إلى كابوس سينمائى طاغ ، يصبح الصمت فيه لغة كاللغة المنطوقة ، وأخرجه المرشح لجائزة الدولة التقديرية هذا العام الراحل "سعيد مرزوق" ، وجسدت شخصية "عساكر" المصرة على أخذ الثأر الفنانة العبقرية "فاتن حمامة" .


لم تكن الدراما المسرحية والسينمائية هى التى جذبت "الأبنودى" وترك بصماته الحوارية على شاشاتها ، بل جذبه عالم الملحمة الأشهر فى التراث العربي ؛ السيرة الهلالية ، والتى عشقها وصار (مضروبا) بها ، وأذاب فى رحلته إليه أكثر من عشرين عاما ، لا يبحث فقط عن محتواها الدلالى ، بل أيضا عن تعدد الرؤى إليه ، فشارك الكاتب والباحث التونسى "الطاهر جيجه" رحلة البحث عن الرؤية التونسية المختلفة عن الرؤية المصرية ، فيما بين فتح تونس ببطلها "أبو زيد الهلالي" ورد غزوها بيد "الزناتى خليفة" ، والعمل على خلق حوار خلاق بين الرؤيتين من جهة ، وداخل السيرة ذاتها من جهة أخرى ، بين المتصارعين على القيادة القبلية "الهلالى سلامة" و"دياب بن غانم" .


الأبنودى هو شاعر الفقراء والغرباء ، شاعر الحب والحنين ، شاعر لم يتقوقع يوما داخل شرنقته ، ولم ينغلق داخل عاميته ، بل فضل الحوار مع شعره وإبداعه وأبناء وطنه ، فكان وطنيا ، ليس فقط فى صياغته الشعرية ، بل فى همومه وقضاياه وأحلامه التى ضمنها هذه الصياغات الشعرية الراقية .