عبدالرحمن الأبنودى .. تاريخ أمة

04/05/2015 - 11:10:19

ناصر جابر  ناصر جابر

كتب - ناصر جابر

أبدا لم يكن عبدالرحمن الأبنودى شاعرا وصاحب تاريخ وبصمة بارزة في تاريخنا الغنائي والأدبي ولكنه يمثل لي حالة إنسانية شديدة الخصوصية فقد نشأت في مدينة بوسط الصعيد «طهطا» ومنذ كنت طفلا صغيرا لا يتجاوز عمره العشر سنوات وأقل بكثير كنت أجلس بجوار أبي وجدي «رحمهما الله» كل يوم وبعد تناول وجبة العشاء أراهما يجلسان وبضعة من رجال العائلة والجيران ينتظرون عم جابر في السيرة الهلالية مع الخال عبدالرحمن الأبنودي كنت شديد الإعجاب والحب لهذا الصوت الصعيدي الجهور القوي الذي يروي قصص السيرة الهلالية وأبوزيد الهلالي كنت أجلس صامتا وسط الكبار الذين كنت أري تمايلهم أمام ربابة عم جابر وهو يلهب المشاعر ويحرك الشجاعة والفروسية لدينا جميعا وأصبح هذا السمر وجبة يومية دسمة علي ضوء بدائي جدا «اللمبة الزجاج التي تشتعل بالجاز» موضوعة علي «الطبلية» وبجوارها راديو خشبي ضخم جدا وحتي النساء كانت تجلس وراء الجدران تستمع وتستمتع بصوت الخال وعم جابر.


وفي الصباح الباكر نجمع بعض الصبية الصغار ونجلس تمثيلا كل ما قاله الخال وعم جابر فمنا من كان يجسد دور الفارس أبوزيد الهلالي الذي علمنا عبدالرحمن الأبنودي وعلم كل الأجيال من خلاله كيف تكون أخلاق الفارس المقاتل وما هي اخلاق الفرسان وشجاعتهم ومنا من يتقمص شخصية دياب بن غانم والأمير حسن وأيضا بطلة السيرة الهلالية خضرة الشريفة.. والعدو الشجاع الذي كان عبارة عن الخصم الشريف والشجاع لأبوزيد الهلالي وفرسان بني هلال الزناتي خليفة الذي دافع عن تونس بكل شجاعة وفروسية.


هذه السيرة الهلالية من خلال الخال عبدالرحمن الأبنودي علمت الأجيال القيم والأخلاق النبيلة حتي في الصراعات والخصومات.


وعندما وصلت إلي مرحلة الشباب تساءلت من هو عبدالرحمن الأبنودي بحثت عنه وعرفت أنه شاعر لا يشق له غبار.. كنت دائما أضع الخال ونجاحاته وتميزه بين نصب أعينى حتي عندما التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وكانت لهجتي يغلب عليها اللهجة الصعيدية وأحياناً كانت توجه إلي بعض الانتقادات جراء اللهجة الصعيدية كنت أرد رداً واحدا أجد نفسي فخوراً به وأقول لهم شوفوا الخال عبدالرحمن الأبنودي رغم ما وصل له من نجاح لم ولن يغير لهجته.


وفور عملي بالصحافة تمنيت أن أري هذا الخال الذي تربت أذناي علي صوته فاتصلت به وناديته بالخال وكان يرد عليّ دائما «يا أبواخته» وفي كل مرة أشعر كأنه خالي بحق وقريب مني يشعرني بالدفء وعدم الغربة فإن لفظ خال يحمل معاني المودة والحب لأنه أقرب إلي الأم فالخال هو أخو الأم ويمثل ركن الحنان رغم أنه معروف عندنا في الصعيد ألقاب كثيرة دائما نتداولها مثل أبوعمو وياولد العم إلا أن الخال له مذاق خاص جدا فكم كنت سعيداً بالقليل جدا من المرات التي جلست فيها مع الخال أو هاتفته تليفونيا وأشعر أن هذا الرجل العظيم الذي عرفته من خلال المذياع الخشبي كم هو عظيما في الحياة أيضا.


فالخال أو الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي ليس شاعرا فقط ولكن أعتبره تاريخ الأمة المصرية الذي لا يحمل فبركة تاريخية لعبت فيها السياسة دورا كبيرا فشوهت التاريخ عن عمد أو عن غير عمد أما أشعار عبدالرحمن الأبنودي والتي تغني بها كبار المطربين تعتبر تأريخا حقيقيا صادقا فقد عاش عبدالرحمن الأبنودي المصري الأصيل كل أحداث الأمة المصرية عاش شروق شمس ثورة 1952 وعبر عنها بصدق ثم انكسارات هزيمة 67 وانتصارات حرب أكتوبر المجيدة 1973 ومن حسن حظنا أنه عاش ثورة 25 يناير الذي وقف بجوارها ودعم شبابها فحقا عبدالرحمن الأبنودي ليس فقط شاعرا بل مؤرخا صادقا فهو تاريخ مصر الذي لا يشوبه التزييف.


رحم الله خالي فارس الكلمة وفارس الأخلاق وإن كان قد رحل بجسده فإنه حي بيننا وسيظل يعيش في قلوب المصريين.