طريق الحب

23/04/2015 - 10:30:30

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

عندما يقبِل على الدنيا يوم جديد، أصحو مع نسمات الفجر الأولى، أغسل مشاعري بقطرات الندى التي لازالت آثار قُبلتها على أوراق الورد تشي بأنها جاءت خلسة ونحن نيام، أفتح نوافذي وأزيح عنها الستائر، كمليحة ترفع جفنيها لتسمح بالنور أن ينفذ إلى داخلها.. تزدحم بداخلي طاقات الأمل، وأظل مشغولة بتهذيب حدائقي وتعبيد طرقي وتنقية أجوائي والحفاظ على نقاء بحاري ومحيطاتي، أنظر من النافذة أستلحف النهار الجديد أن يأتي بالبشرى، أقسم على الساعات أن تترفق بي فأنا جزء منها كما ستكون هي جزءا مني، أفتح صنبور الماء تنساب خيوط اللّجين بين أصابعي تلعب معي أحاول أن أمسك بها، أقبض على بعضها وأمسح وجهي، أنظر للمرآة، تستوقفني صورتي المنعكسة، في عينيّ تسكن أحلامي، وفوق شفتيّ أحمل جواز مروري للحياة، ابتسامتي هي جواز مروري، أتناول المنشفة أُربّت على وجهي، أحتضنه بالمنشفة، فوق الموقد تبدأ قهوتي في الفوران  تصدر صوتا، إذا كنت حزينا ستتصوره استجارة أو لعنات يطلقها المرجل......، أما إذا كنت سعيدا فستتصور أنها زغاريد تزف إليك مشروبك المفضل ليبدأ به صباحك، إلى هذه الدرجة تتحكم مشاعرنا في تفسيراتنا، على طاولتي الصغيرة أضع القدح تجاوره صحيفة اليوم، من مزهرية قريبة تأتيني رائحة الفل، نسمة من الخارج عبرت وصافحت عود الفل في طريقها فباح بالسر، أذكر يوم اشتريت هذه المزهرية، وكأنني وقعت على كنز، فأنا أعشق رائحة الفل، أعشق تماسك زهرته وقوتها رغم رقتها، يبدو أننا دائما ما نختار العشق، فنحن نعشق ما يشبهنا، وإن كنا نميل إلى ما يختلف عنا.


***


نفسي تتمطى بداخلي على مقعدها الوثير، تسألني في خبث"هل لا يزال عندك رصيد من الأحلام؟ ألا تتعلمين من هزائمك؟"، ماذا أقول لها؟ هي تعرفني، أنا عاشقة أجوب بلاد الدنيا بكلمة واحدة يفهمها كل البشر بل كل المخلوقات، يفهمها العصفور فيدلف إلى راحتي يلتمس الدفء، تفهمها الأجراس المعلقة فيصبح صوتها أكثر رقة، حتى الجماد يفهمها، كلمة في رسالة صنعت ورقتها من الدانتيل، رسالة بحجم هزائمي وانتصاراتي، لا أملك شيئا غيرها، لا أملك عصاة سحرية، ولا وعودا براقة، ولا كنزا خبأته في جدار لا يعرفه أحد، لا أملك إلا هذه الرسالة التي تحمل حرفين، حاء وباء، "حب"، أتجول بها في جرابي، وأنثر أوراقها، تماما كما يفعل بابا نويل ليسعد الصغار، هي كل ما أملك، أجر خلفي أحلامي وما تبقي من أمنيات، أهدهد هزائمي وأغني لها حتى تنام في هدوء، هي جزء مني لا أنكره لكنني لا أريده أن يفسد علىّ محاولات النجاة، أروض كل مشاعر سلبية تحاول أن تتسلل إلى مياهي الإقليمية، لا أطردها، فطردها سيشكل عداء، وسيجعلها هذا تأتي في صورة أخرى، لذلك فأنا أستقبلها، أرحب بها، أصنع لها قدحا من الشاي الدافئ وأعد لها الفطائر، أسمح لها بالجلوس قليلا وأعرف مقدما أنها لن تستريح في صحبتي، ترحل في هدوء ولا تفكر بزيارتي مرة أخرى.


***


عندما كنت صغيرة تصورت أن الحب يهزم الشر، لكنني على نار التجارب تعلمت، فالشر سيظل شرا ولن تجدي كل طقوس التوبة لتطهيره، لن تكفيه محيطات العالم ليكمل وضوءه، لذلك فعلى كل إنسان أن يبدأ بنفسه، فنفوسنا كحدائق كما تنبت فيها الأزهار، تعاني من الآفات إذا تركناها بلا متابعة، ومجابهة شرور النفس فن لا يجيده كثيرون، لا يعرفون أن شرور النفس لابد من معاملتها بحرص، لذلك إذا حدثتك نفسك بشيء سلبي لا تنزعج فأنت إنسان، كل ما عليك أن تأخذ هذه الأفكار السلبية من يدها، تخلع عنها قناعها برفق شديد، تقلم أظافرها وتصفف لها شعرها وتعطيها ثمن تذكرة السفر لترحل، ولتكن تذكرة بلاعودة، نحن محاطون بقلوب لم تعرف كيف تتعامل مع أحقاد حاولت غزوها، الحقد والحسد جراثيم نفسية بغيضة قد تصيبك بالعدوى إن لم تحترس، لذلك تعلمت أن أعتني بقلبي وأرفع قدرته على المقاومة، تعلمت فن المناعة، والمناعة لا تأتي إلا عن طريق الحب.