إنهم يقرعون الطبول من أجل السلام

22/04/2015 - 2:35:59

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

تقرير: شيرين صبحى

راقصون، عازفون، ومطربون، وجوه شديدة السمرة، وأخرى شمعية البياض، من كل الأجناس جاءوا إلى هنا يعملون معا فى سلام، أنغام مختلفة تتداخل من هنا وهناك، صوت صاجات يمتزج مع مزمار أو ربابة، الكل يستعد.. هنا سلامة بجلبابه الصعيدى وعمته البيضاء يمارس التحطيب مع زميله، لكن تسقط ضربة النبوت القوية فوق أصابعه توقفها، تتوقف بروفة التحطيب لتبدأ بروفات أخرى، يرفع سلامة كفه فى ألم، يهرع إليه أحدهم ببنج موضعي، يردد أحد زملائه «ضربة واعرة»، يعلو صوت آخر “سلامتك يا سلامة”، يعود الصوت الأول: حسدوك يا ولدى!
يفك “سلامة” عمامته ويكتفى بطاقيته الرمادي، يغمض عينيه فى صمت، بينما لا تتوقف أصوات الطبول وآلات الإيقاع والرقص داخل القلعة المهيبة.. إنها البروفة النهائية لمهرجان الطبول الدولي، اليوم لن تقرع الطبول للحرب، بل تقرع من أجل السلام!
وكأنك وسط الأدغال، يأتيك وقع الطبول الأفريقية، تطالعك الوجوه السمراء والأجساد الفتية، يقرعون طبول تتفاوت أشكالها وأحجامها، تملأ جنبات قلعة صلاح الدين الأيوبي، وسط أجواء تاريخية ألقتها علينا جنبات مسرح بئر يوسف، لتعلن عن انطلاق فعاليات مهرجان «حوار الطبول الدولى من اجل السلام» فى دورته الثالثة، الذى ينظمه صندوق التنمية الثقافية بالتعاون مع العلاقات الثقافية الخارجية ووزارتى السياحة والآثار، برؤية فنية للمخرج الفنان انتصار عبد الفتاح.
لا أحد يملك الحقيقة كاملة، كل منا يملك جزءً منها، وأجزاء الحقيقة ليست حقيقة، لذا يجب أن نلتقى سويا ونجمع شتات أجزائنا، عندها فقط سوف ندرك جميعا ما كنا نبحث عنه؛ من هنا جاء اختيار عين حورس لتصبح شعارا للمهرجان، تلك العين التى تحكى الأساطير الفرعونية أن “ست” مزقها إلى قطع صغيرة ونثرها فى ربوع مصر، إلى أن قام الطبيب “تحوت” بجمع كل هذه الأجزاء المتناثرة وعالجها ومنحها اسم “وادجت” أى “الكامل” أو الذى استعاد تكامله.
 تتصدر عين حورس أحد آلات الإيقاع التراثية “الطبل الأعظم” التى تمثل الفضاء الذى نلتقى فيه جميعا، بينما تمثل الأيادى الملتفة حول هذه الطبلة، ذلك اللقاء والحوار الذى ننتظره جميعا للوصول إلى الحقيقة.
بجسده النحيل ووجهه الأسمر الذى نحتته شمس الصعيد، يجلس أحمد محمود التلميذ فى الصف الثانى الاعدادي، يلعب على آلة «النقارة»، يقف باتزان على جانب «الطبل البلدى الكبير» الذى يحركه ابن عمه رمضان تحت أقدامه الصغيره، بينما يقرع الطبل بعصاه.
بدأ أحمد تعلم «النقارة» وهو فى الصف السادس الابتدائي، وتدربت أصابعه على الخفة فى استخدام العصى. يتوارثها هو وابن عمه من جده الكبير. يجوبان الأفراح وليالى سوهاج الملاح، وهما أعضاء رئيسيين فى فرقة سوهاج للفنون الشعبية.  
 بملابس مزركشة بألوان مبهجة، تقف «سياندا» إحدى أعضاء فرقة «اسى سيانتى مكسيكو» التى تحافظ على التراث المكسيكى التقليدي. يرتدى كل عضو فى الفرقة ملابس ولاية من ولايات بلادهم، ويقدمون الرقصات بمصاحبة موسيقى الطبول والفيولينة والجيتار والتوبا والساكسفون والآلات الإيقاعية. لكن جاءت الفرقة دون آلاتها التقليدية، فما كان من الفنان انتصار إلا أن جعلهم يرقصون على الآلات الشعبية المصرية، فى مزيج رائع بين موسيقى ورقص شعبين مختلفين.   
يذهب المهرجان إلى المناطق الشعبية، فيقدم عروضه فى قصر ثقافة بهتيم، والزاوية الحمراء، ضمن ثمانية مواقع أثرية وثقافية فى القاهرة وخارجها ومنها قلعة صلاح الدين وشارع المعز وقبة الغورى وساحة الهناجر فى دار الأوبرا بالقاهرة.
تشارك 22 دولة عربية وأجنبية فى الدورة التى تحمل شعار «حوار الطبول من أجل السلام»، منها 10 دول جديدة تشارك للمرة الأولى، هى روسيا وكوريا الجنوبية والمكسيك وأرمينيا وجورجيا وليتوانيا والمالديف وبوروندى وغانا وإثيوبيا. إضافة إلى مشاركة كل من الهند وباكستان والجزائر والإمارات ونيجيريا أما المكسيك وأثيوبيا فهما “ضيفى الشرف”.
يكرم المهرجان بعض الفنون الشعبية مثل “المسحراتي” تلك الشخصية الرمضانية التى توقظ الناس للسحور، والتى حولها الشاعر الكبير الراحل فؤاد حداد لإيقاظ الوطن والضمائر. أما سيد مكاوى فهو أشهر من قدم شخصية المسحراتى فنيا، لهذا يكرمهما المهرجان، إضافة إلى الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، عازف الربابة سيد الضوي، والدكتورة فايزة أبو النجا بوصفها المحرك الرئيسى وراء الملف الأفريقى واهتمامها بمشروع حوار ضفاف على النيل.
ينظم المهرجان لأول مرة أنشطة فى قلعة صلاح الدين ومنها ورشة للتشكيلى المصرى محمد عبلة يشارك فيها هواة وفنانون فى «استلهام فنون المهرجان فى لوحات تشكيلية» وورشة للرسم بالحناء للفنانة السودانية «ستونة» إضافة إلى أكبر ديفيليه للأزياء الشعبية فى شارع المعز بالقاهرة الفاطمية بمشاركة جميع الفرق.
لا يرغب الفنان انتصار للمهرجان أن يكون ترفيهيا فقط، بل يريده أن يعبر عن تفرد الشخصية المصرية، وأن يصبح مركزا دوليا يهتم ويوظف كل الأماكن التاريخية بحيث تصبح منظومة تضم التراث والثقافة والسياحة. يقول “نحتاج إلى أفكار جديدة ومنهج وحلم”، يردد: أحلم وأصر على تنفيذ أحلامي، طالما هناك حلم فهناك حياة. مصر تحتاج البهجة. مفهوم السياحة ليس فقط للأجانب ولكن للشخصية المصرية الجميلة التى علينا أن نرتقى بها، المصرى أهم لأنه سوف يستطيع فى النهاية أن يخاطب الآخرين.