عندما تحولت موسيقاه الي عين يوسف شاهين

08/07/2014 - 12:12:01

يوسف شاهين في باب الحديد يوسف شاهين في باب الحديد

بقلم : د . رانيا يحي

نستمر في هذا العدد في الابحار في الموسيقي والافلام فؤاد الظاهري حيث انتاجة شديد الغزارة مقارنة بمؤلفين موسقيين اخرين وحينما نمحص سمات اسلوبة


فعلينا أن نعود لبعض الأفلام الهامة التى تمثل علامات مضيئة فى تاريخ السينما المصرية إلى الآن ،ومنها تعاونه مع المخرج العبقرى يوسف شاهين كما فى فيلم باب الحديد عام 1958 بطولة هند رستم ،فريد شوقى ،يوسف شاهين ،حمدى غيث ،عبد الوارث عسر ،خيرية أحمد ،نعيمة وصفى وبدأت موسيقى تتر هذا الفيلم باستخدام اهتزاز وارتجاف صوت آلة التيمبانى الإيقاعية كمصاحبة موسيقية لصوت الإلقاء ،ثم تدخل آلة القانون للتعبير عن البيئة الشرقية فى محطة القطار ،ويدخل الأوركسترا بنسيجه البوليفونى وتشابك الألحان مع تصاعدها بأداء آلة الهارب ودخول أغنية اتمخطرى يا حلوة يا زين والذى استخدمه الظاهرى كموتيف قام بالتنويع عليها مع إضافة توزيعات هارمونية فى مقام النهاوند أو ما يعرف بالسلم الصغير مع وجود الكورال الرجالى بفوكاليز يشبه الآهات المؤثرة ،وموسيقى المشاهد تبدأ هادئة مع آلة الفيولينة بمصاحبة الأوركسترا وعبرت عن مشاعر البطل ورغبته المكبوتة تجاه الجنس الآخر ،وعبر بالصمت عن معانى امتلكت قوة الشعور التى عجز الحوار عن إفصاحها.. أما الناى بطابعه الشجنى الحزين فعبر عن الصراع النفسى الداخلى لدى البطل ،بالإضافة لقدرة المؤلف على التدفق العاطفى ومشاعر الحب المتولدة لديه بأصوات الكورال ،ونجد الفيولينة والبيانو لهما دوراً بارزاً فى زيادة إحساس المتلقى بالرغبة الحميمية بين الجنسين ،بالإضافة للمزج بين الآلات الشرقية والغربية فى بعض الجمل الموسيقية مثل القانون والعود والكلارينيت ،وغالباً ما تؤدى آلات النفخ الخشبية الهارمونيات المصاحبة لهذه الألحان ،واستطاعت الآلات الشرقية أن تعكس ما بداخل البطل من بؤس ويأس ..كما يرجع للموسيقى دور كبير فى التعبير عن اختلاف الشرائح المجتمعية حيث الموسيقى ذات الطابع الغربى للتدليل على اختلاف الطبقات ،أيضاً عبرت الآلات الموسيقية الغربية مثل الأكورديون والجيتار عن الشباب ،وعبر بالأوركسترا والبيانو بتيمة حادة وقوية عن شدة القسوة ومدى الاضطراب الجنسى ،وأوضحت آلات النفخ الخشبية وعلى رأسها الفلوت والبيكولو والكلارينيت كوميديا الموقف بألحان رشيقة مرحة ..أما الشعور بالقلق والتوتر فنتج عن تناوب آلات النفخ النحاسية وآلات الإيقاع ،واستخدم الظاهرى آلات غير شائعة كالكورانجليه بصوتها الرخيم الشجنى مع آلة الكلارينيت وموتيفات قصيرة للترومبيت ويدخل الكورال بهمهمة وآهات رثائية تعبر عن قوة الحدث بجانب تكرار سلالم صاعدة وهابطة من الفيولينة تعمل على زيادة تفاعل المتلقى بين الصوت والصورة ،وعبرت الأغنية الفولكلورية اتمخطرى يا حلوة يا زين عن الخلل النفسى بأدائها ببطء بإيقاع حزين لإثارة شفقة المشاهد ،وتظهر آهات الكورال ثم استخدام تيمة موسيقية شديدة القوة من الأوركسترا بأداء يشبه الصراخ للفيولينة باستخدام الترعيد في الطبقة الحادة بالتزامن مع لحن رخيم من التشيللو والكنترباص وآلات النفخ النحاسية وهذا التضاد يقوى المعنى الدرامى للمشهد ويبرز جماليات اللقطة السينمائية بالتناسق فيما بينهما.. واستخدم المؤلف آلة التشيللو بصوتها الدافئ درامياً داخل بعض المشاهد ،وعبرت الموسيقى عن العنف والقسوة والإجرام بأصوات الكورال مع المزج بين القانون وآلات الأوركسترا والبيانو في لغة موسيقية سينمائية رائعة ..ويختتم الفيلم بصرخة البطل التى تتداخل معها أصوات الكورال والتيمبانى ويليها قوة الأوركسترا مع إبراز صولو القانون المعبر عن الحزن والشجن للنهاية المأساوية.


أما فيلم نداء العشاق عام 1961 بطولة برلنتى عبد الحميد ،فريد شوقى ،شكرى سرحان ،توفيق الدقن ،خيرية أحمد ،عزيزة حلمى ،ثريا فخرى ..فقد أبدع فيه الظاهرى حيث كان للموسيقى مذاقاً مختلفاً حيث تبدأ موسيقى التتر بأغنية (قالوا منين سنباطى يا ولا اه يا ولا) في مقام الراست بشرقيته الصميمة التى تتميز بالطرب والسلطنة وتتناسب مع الموضوع ورقص الغازية بطلة الفيلم ،وموسيقى المشاهد تبدأ مع أول لقطة فى الفيلم بأغنية آه يا ولا كخلفية للحوار وتؤديها الآلات الشرقية القانون والناى ومنها يدخل جزء لحنى بالأكورديون والهارب والآلات الوترية والأبوا وهى تيمة لحنية حزينة تعبر عن حالة عدم الاستقرار والتوتر الذى أصاب البطلة ..وفى مشهد حصول برلنتى على تعليمات تختص بعملها فى المحلج تظهر تيمة موسيقية جميلة يبدأها أكورديون منفرد ثم وتريات وناى وكلارينيت بمزج يبرز جمال الجملة الموسيقية ويجعلها أكثر تعبيراً. دفوف ورق تبدأ بمقدمة ذات إيقاع بسيط يليها الأكورديون في تيمة (اه يا ولا) المسيطرة منذ بداية الفيلم وحتى نهايته وتتكرر بعد ضربها لزميلاتها في المحلج ومصافعة عبده لها ،تيمة بسيطة بالوتريات خلفية تعبر عن موقف عبده من ورد وطردها من المحلج ويظهر دور التشيللو بصوته الغليظ المعبر عن الشجن وعن صدمة البطلة من الصفعة وتستمر الموسيقى فى المشهد التالى مليئة بعدة إحساسات مثل الشجن والعواطف بين الحبيبين ،ويستخدم المؤلف مجموعة من الآلات مثل العود بمصاحبة الأوركسترا والذى يضفى إحساساً شرقياً أصيلاً في موسيقاه وقدرته فى التعبير عن الجو القروى ببراعة مع وجود التيمبانى والأبوا والهارب.. تيمة موسيقية قصيرة ذات بهجة تعبر عن فرحة البطلة ونصرتها وهى عائدة للعمل بالوتريات وآلات النفخ الخشبية بأداء متقطع يوحى بالسعادة ..أما الكوميديا فعبرت عنها الموسيقى باستخدام النبر من الوتريات بالتبادل مع الموتيفات القصيرة من النفخ الخشبى البيكولو والكلارينيت والأبوا ،وفى نهاية الجملة الآلات الإيقاعية تضفى إحساس للمتلقى بأهمية الحدث وتوظيف نظرات البطل لجسد المرأة.. استخدم الهارب بكثرة فى مواضع عدة منها بمصاحبة الوتريات بالزغردة كخلفية ثم دخول تيمة تصاعدية من الوتريات والمصاحبة بوليفونية ،بعدها الهارب يؤدى أربيجات تصاعدية وتدخل التيمة الموسيقية لأغنية (نورت يا قطن ماشا الله) ويليها أداء من الفيولينة وبعض آلات النفخ الخشبى بالترعيد الذى يوحى بالتوتر والاضطراب ثم تتصاعد الجملة الموسيقية سلمياً من الفيولينة لإصابة أم عزوز في موتور الماكينة.. وينتقل اللحن من الوتريات للكلارينيت بصوته القاتم الدافئ بمصاحبة التشيللو وهذا التناقض يعطى إحساساً جمالياً بالمشهد.. الهارب مرة أخرى ويصاحب الوتريات الأبوا والكلارينيت والفلوت ويتضح دور التشيللو فى لحن هادئ يعبر عن وجود مشاعر دفينة بين الحبيبين ،وعند صدمة البطلة تدخل الإيقاعات والوتريات والعود بالنبر..ويؤدى الهارب سلالم وأربيجات سلمية متتابعة ومنه إلى الأبوا ثم الوتريات برعشة وضغط على الوتر كمؤشر لما سوف يحدث. لحن للفيولا في مقام الحجاز يصاحبه التشيللو والكنترباص ثم التيمبانى وباقى الأوركسترا والهارمونيات تعتمد على التآلفات شديدة التوتر مثل الثانية الكبيرة والصغيرة التى يضعها المؤلف متعمداً إظهار تلك الحالة الشعورية لدى المتفرج ،والجملة بها سلالم هابطة توحى بالقلق والتوتر بأداء الأوركسترا والآلات النحاسية تضفى لوناً من الغموض مع السلالم المتتابعة من الوتريات ..ونعود للفيولا بأداء منفرد ويصاحبها الكنترباص والتشيللو والكورنو والأبوا مع أداء الزغردة والسلالم الكروماتية المتتابعة صعوداً وهبوطاً ثم دخول الأوركسترا كله وأداء نغمات مستمرة في الباص وتيمة النهاية للأوركسترا في مقام الحجاز وبعده الكورد ثم صبا زمزمة وتوحى بالقتل والخوف والاضطراب للنهاية المأساوية.


كما نجد فيلم إسكندرية ليه؟ عام 1978 بطولة يوسف وهبى ،نجلاء فتحى ،محمود المليجى ،فريد شوقى ،أحمد ذكى ،عزت العلايلى ،محسن محيى الدين ،تحية كاريوكا ،ليلى حمادة ،عبد العزيز مخيون ،محسنة توفيق ،أحمد بدير ،يحيى شاهين ،ليلى فوزى ،يوسف شاهين.. وموسيقى هذا الفيلم تختلف عن سابقتها حيث بهجة جو الإسكندرية الساحر بظهور الفيولينة في الطبقة الصوتية الحادة في أداء جمل لحنية متأثرة بروح الموسيقى الأمريكية والمصاحبة من الفلوت والكلارينيت والأبوا وباقى الوتريات، والإيقاعات الغربية شبيهة بموسيقى الجاز ولها دور هام فى توصيل حالة البهجة للمتلقى مع استخدام الحليات والسلالم التصاعدية التى يعتمد عليها اللحن من آلة الفلوت، ووضع الظاهرى بعض مقتطفات موسيقى الأفلام الأمريكية في تلك الفترة داخل موسيقى الفيلم بحيث يشعر المشاهد بهذا الجو منذ البداية ،واعتمد على المقامات الغربية الماجير والتى يستطيع من خلالها توظيف موسيقاه ومزجها مع موسيقى الأفلام الأمريكية بشكل يتناسب وموضوع الفيلم حتى يتعايش المشاهد مع الجو الدرامى لأحداث الفيلم.. وعبر عن الملهى الليلى بالأكورديون والترومبيت والدرامز والإيقاعات التى استهلت بآلة البونجز وعكست روح الابتذال والفساد في الكبارية ،استخدم الرسيتاتيف وهو الحوار المغنى لعساكر الاستعمار الانجليزى في مقام النهاوند أو السلم المينير.. تظهر تيمة شجنية حزينة من الناى بمصاحبة التشيللو ببعض النغمات الطويلة المستمرة عند توديع البطلة حبيبها قبل الخروج من مصر.. واستخدم المؤلف الهمنج وهو الغناء مع غلق الفم وذلك من خلال أداء الكورال للتعبير عن الحسرة ومرارة الاغتراب بمشاركة القانون والوتريات.. ووضع الظاهرى موسيقى ذات طابع مارش عسكرى لتصاحب لقطات الحرب لتتوافق مع هذه الصورة.. وأعتقد أن الظاهرى أبدع فى موسيقى هذا الفيلم لقدرته على الربط بين موسيقاه وموسيقى الأربعينات الأمريكية بمزج رائع خلقت جواً جمالياً للفيلم.