أثار ورامز.. وخطورة برامج الترويع والمقالب !

08/07/2014 - 11:27:51

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - د. عبد الهادي مصباح

لا أستطيع أن أنكر أنني لا أحب مشاهدة برامج المقالب السخيفة التي تحاول تقليد الكاميرا الخفية ، والتي تعتمد على استثارة غضب الضيف ، أو تخويفه وترويعه حتى يصل إلى مرحلة الرعب التي يشعر خلالها أنه يشارف على الموت ، ثم يظهر مقدم البرنامج وهو يبتسم في بلاهة قائلاً : " إحنا كنا بنهزر معاك " ، فإذا كان ما يحدث عبارة عن اتفاق بين الضيف ومقدم البرنامج فذاك يعد ضحك على الذقون وخداع للمشاهدين يفقد البرنامج مصداقيته ، أما إذا كان بدون علم الضيف فهو خداع له وسخرية منه يمكن أن تصل إلى حد الشروع في قتل لمن لا يحتمل مثل هذه النوعية من البرامج .


ولعل الكثيرين من مرتادي " الفيس بوك" وصفحات التواصل الاجتماعي قد شاهدوا صورة تلميذ الإعدادي الذي أراد أحد زملائه أن يهزر معه ، فوضع له في زجاجة المياه الغازية شريطين من الترامادول ، مما أدخله في غيبوبة لعدة أيام انتهت بوفاته ، فهل يمكن أن نتهم أهل هذا الولد بالمبالغة في رد فعلهم إذا ما تصدوا لمثل هذه الأفعال الصبيانية المميتة والخطيرة ؟


إن هذا في رأيي هو ما دفع الفنانة أثار الحكيم إلى التصدي لمثل هذه النوعية من البرامج من خلال أسخفها على الإطلاق ، وهو برنامج " رامز جلال" هذا الممثل المراهق فكرياً الذي لم يستطع أن يصل إلى مرحلة النضوج مثل أخيه الممثل الموهوب " ياسر جلال " مع أنه يملك موهبة وخفة دم وطاقة أضاعها وبددها في مثل هذه البرامج التي لا يوجد لها أي هدف سوى غلة الإعلانات ، فما هكذا يكون الضحك أبداً ، ولا يمكن أن يكون الضحك على حساب ترويع وخوف وتوتر وانهيار الآخرين مثلما يحدث في كل برامجه على مدي السنوات الأربع الماضية ، وكنت أعتقد قبل ذلك أن ما يحدث في مثل هذه البرامج إنما هو عبارة عن تمثيل سبقه  اتفاق بين الطرفين على ما سوف يحدث للضيف ، إلا إن ما حدث للفنانة المحترمة "أثار الحكيم"أصابني بالذهول والدهشة ، حيث استدرجوها للبرنامج على أساس أنه برنامج عن مونديال كأس العالم ، ولم يذكروا شيئاً عن رامز جلال ، وبدأوا مقالبهم السخيفة في عرض البحر من هجوم سمكة القرش على الزودياك المطاطي ، ثم غرق من تدعي أنها مذيعة ، ثم بعد ذلك تظهر الدماء ممتزجة بالماء ، وتطفو ذراع مقطوعة أو ساق فوق الماء ، ويتم تصوير رد فعل الضيف أثناء كل هذا ثم يخرج رامز ليعلن عن الفتح الأكبر : أنا رامز جلال !


وأنا أريد أن أسأل رامز والقائمين على هذا البرنامج ما الذي يضحك في التعبير عن الخوف والرعب عندما يتعرض الإنسان لمثل هذا النوع من الترويع والأخطار التي تهدد حياته ؟ إن من يضحك على مثل هذه المواقف يكون إنساناً سادياً يتلذذ ويستمتع بتعذيب الآخرين ورؤيتهم في حالات ضعفهم وانهيارهم ، ألم تسمع الحديث الشريف : «لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم " ، أيضاً كان الرسول صلى الله علية وسلم ذات يوم قائما على المنبر يخطب في الناس. فجاء إعرابي فخلع نعليه ، فجاء آخر فـأخذها وجلس عليها ، فجاء الأعرابي يبحث عنها فلم يجدها ، وشاهده الرسول عليه الصلاة والسلام فقال:" من روع أخاه "، فهنا إذا كان ما قام به ذلك الرجل من جلوس على حذاء الأعرابي لكي يوهمه أنه ضاع ، سماه الرسول ترويعا  فما بالك بمن يوهم إنسانا أنه يوشك على الموت وليس له مهرب ؟


فهل تدرك يا رامز ما الذي تفعله بهؤلاء الضيوف المساكين عندما تحاول أن تضحك وتضحك جمهور إعلاناتك على رد الفعل الطبيعي الذي خلقنا الله به لكي ندافع عن أنفسنا في أوقات الخطر ، ألم تسمع عن المستشار الذي قفز من الشباك عندما شعر بالزلزال عام 1992 في مصر ؟ إن أياً من هؤلاء الضيوف يمكن أن يصاب بسكتة قلبية أو سكتة دماغية في مثل هذه اللحظات ، فكيف يمكن أن تعوضه حينئذ ؟ كما يمكن أن يرتكب جريمة أثناء تلك اللحظات كرد فعل للإنسان في مواجهة خطرمثل هذه الانفجارات الانفعالية ، وهو ما يعرف ب «القرصنة العصبية»، وتشير الأدلة إلى أنه أثناء هذه اللحظات يقوم مركز معين فى الجهاز الحافى (الوجدانى) بالمخ) Limbic system بتولى قيادة حالات الطوارئ تلك، حيث يجند باقى أجزاء المخ لتنفيذ جدول أعماله، وتحدث القرصنة فى لمح البصر، فتنطلق الاستجابة فى اللحظات الحرجة لكى تسبق قدرة القشرة المخية أى المخ المفكر العاقل على استيعاب ما يحدث، أو الحكم على مدى ملاءمته ، وبالتالي يمكن للإنسان في هذه اللحظات أن يرتكب جريمة ، أو يقفز من الشباك أو المركب ، أوتحدث له أزمة قلبية أو سكتة مخية حادة ، تنفيذاً لمبدأ Fight or Flight أي إما أن تقاتل أو تهرب الذي يعد من وسائل حماية الإنسان عند التعرض للخطر. والعلاقة المميزة لهذه القرصنة، ومن يمرون بهذه اللحظات لا يعرفون بعد انقضاء اللحظة ما الذى حدث لهم، فقد فعلوا ما فعلوا وهم غير مدركين لعواقبها، أو حتى فكروا فيها، وهذه القرصنة ليست دائما لحظات منعزلة من الحوادث المرعبة التى تؤدى إلى جرائم ربما تكون وحشية.


ولقد كان هذا موجزاً للتقرير الذي قدمته الفنانة أثار الحكيم باسمي للمحكمة ، حيث أن هذا الموضوع كان محور أبحاثي في أكثر من كتاب منها " المناعة بين الانفعالات والألم " وكذلك في باب بعنوان القرصنة العصبية في كتاب" طريقك إلى النبوغ والعبقرية " عن الدار المصرية اللبنانية ، ويتناول تأثير مثل هذه المواقف على الحالة النفسية والعصبية وتأثيرها على جهاز المناعة وأجهزة الجسم الأخرى .


وأخيراً أوجه التحية للفنانة القديرة أثار الحكيم التي كان لديها الشجاعة لرفض مثل هذه التصرفات الطفولية المريضة ، ومحاربتها ، والتصدي لها ، فقد كانت دهشتي تزداد عاماً بعد عام عندما أرى نجوماً وممثلين وإعلاميين ومطربين– بعضهم كبار - يقعون في هذا الفخ دون أن يتصرفوا أي تصرف إيجابي تجاهه ليمنعوا الضرر عن غيرهم ، ويحافظوا على احترامهم لأنفسهم ، واحترام جمهورهم لهم ، وإذا كان المقياس من وجهة نظر المنتجين أو القائمين على العمل هو كثافة المشاهدة وكثرة الإعلانات ، بغض النظر عن القيم والأخلاق والمبادئ التي ينبغي تعظيمها في هذا الشهر الكريم ، فاعرضوا أفلام وبرامج " البورنو" فهي أقل ضرراً من مثل هذه البرامج ، وسوف تأتي لكم بمشاهدين وإعلانات أكثر .