ديوان أغنيات النار يخطف جائزة إليوت

19/04/2015 - 10:06:34

ديوان أغنيات النار لديفيد هارسنت ديوان أغنيات النار لديفيد هارسنت

وئام غداس - كاتبة تونسية

    وفي زمن الدم هذا من الطبيعي أن تحاكي كلّ الميولات واقعنا الحاضر، فأكثر ما يؤثر فينا سواء على الصعيد الاجتماعي أو الثقافي هي قدرة  شخص آخر على قول ما لا نستطيع قوله، أو إحساسنا أن هذا تماماً ما يعتلج نفوسنا، إنّه دور الأدب.


    وقد منحت جمعية كتاب الشعر البريطانية جائزة "تي. إس. اليوت" لعام 2015 للشاعر الإنجليزي ديفيد هارسنت (1942) عن مجموعته الشعرية الحادية عشرة "أغنيات النار" التى يصف فيها الحرب، ثم يتطرق من خلال هذه الثيمة الأساسية إلى مأساة الموت والفقدان والخراب وكلّ التشظيات النفسية والإنسانية المنجرّة عنها، إنّها صورة الحروب القميئة التي تلقي بظلالها على كل المحيط حيث تصبح مشاهد القصيدة صوراً مشوهة للحياة بكامل تفاصيلها منعكسة على مرآة الحرب.


    أغنيات لكنّها مكتوية بنار الألم اليوميّ، أيام يعرضها هارسنت لكنّها ليست عادية بالمرة، إنّها " أيام خطرة وسوداء"، هكذا وصفت لجنة الجائزة شاعرها الفائز هذا العام، بجائزة إليوت الشعرية التي تمنح سنويا في بريطانيا تخليداً للشاعر (1888 ـ 1965)، وهي جائزة تمنحها منذ عام 1993 جمعية كتاب الشعر، وقيمتها 20 ألف جنيه إسترليني، وقد نالها شعراء بارزون في العالم على غرار كارول آن دافي، تيد هوز، شيموس هيني، شارون أولدز، ويتصادف منحها هذا العام مع الذكرى الخمسين لرحيل إيليوت أحد أبرز شعراء القرن العشرين، والذي اشتهر بقصيدة "الأرض الخراب". والقيمة المادية للجائزة من تركة إليوت الخاصة، تخليداً لذكراه، وإعلاء لصوت القصيدة في زمن الخراب.


    رُشّح دافيد هارسنت عدة مرات لجائزة إليوت، أول مرة عام 1998 وتوالى ترشيحه، لكن في كل مرة كان الحظّ يُجانبه، حتى هذا العام عن ديوانه "أغنيات النار" الذي قال إنه استلهم كلماته من الخراب الذي يعمّ الكوكب، ووصفته هيلين دونمور رئيس لجنة التحكيم بأنّه "ديوان يتميز بالثراء اللغوي والعاطفي والذكاء الفني والقدرة الهائلة على التنبؤ".


    في شعر هارسنت المتفاعل وجوباً وبشكل كليّ مع واقعه المحيط لا يمكن الحديث عن أسلوب تقريري، مباشر في طرح الموضوع الذي ستدور حوله القصيدة، فأدب الخيال والذي يقف الشعر في مقدمته لا يمتصّ الواقع إلاّ لإعادة إفرازه بروح جديدة مستندة على الإبداع، وأيضاً على رؤية الشاعر له وتلوينه بلونه الخاصّ به، ولون هارسنت القادر على الرؤية في الظلام ـ بالرغم من حلكته ـ كان شعراً خالصاً، مؤثّراً وعميقاً بكلّ قسوته وصدماته.


    أن يستلهم شاعر ديواناً من الخراب فهذه إشارة كافية لمعرفة أي لون سوداويّ سيلفّ ما يتضمنه من قصائد، وأي مسحة كئيبة ستكتسيها، صفة التشاؤم هذه كانت تقريبا ملازمة لهارسنت طيلة مسيرته الشعرية، ولئن لم تكن مواضيعه مقتصرة على وصف الحروب وآثارها وبصماتها التي تخلّفها هنا وهناك، وبالرغم من أنّه لم يترك قضية إنسانية شائكة إلّا وطرحها من خلال قصائده منها الحبّ والعلاقات الأسريّة ومشاكل البيئة والأدب والسياسة وغيرها فقد بقي مخلصاً لخطّه شديد القتامة في التعامل مع كل ما يحيطه، مفكّكاً الواقع السيء بكثير من العنف، مؤثراً أسلوب الصدمة الذي قد يربك القارئ، لكنه يضعه وجهاً لوجه مع فظاعة ما يُقترف في الحبّ وفي الحرب والحياة، وممكّناً إياه أن يتميز أسلوب هارسنت المختلف في كتابة ووصف وتوثيق كلّ هذا.


    لا شكّ أن ديفيد هارسنت اليوم هو واحد من أهمّ الشعراء المعاصرين في إنجلترا، ولقد جاءت جائزة إليوت لتعزّز مكانته هذه وتثمّنها، لكنّها أيضاً إعلان ضمنيّ وربّما معلن لانتصار هويته الشعرية على هويّاته الأخرى في مجال الكتابة، فهو صاحب 11 ديوانا من أشهرها ديوانه الأول "بلاد عنيفة" (1967) الحاصل على جائزة "إيريك جريجوري" وديوانه قبل الأخير "الفيلق" الصادر في لندن ونيويورك عن دار فاير 2005 والذي منح جائزة "فورورد". وإلى جانب الشعر يكتب القصة البوليسية، ويمارس الكتابة الدرامية للإذاعة والتليفزيون، وأسهم عمل هارسنت في حقل المسرح الموسيقي وقربه من عدد كبير من المؤلفين والموسيقيين في تقديمه لأعمال غنائية مهمة على المسرح الملكي بلندن ومسرح جارنكي هول في نيويورك.


    دايفيد هارسنت الذي تعيش قصائده بين قوسي الهمّ الكبير، أوّل همومه فيها كانت الحرب، محمّلة بكمٍّ هائل من المشاهد الدامية والمفزعة في عنفها، مراوحة بين التوثيق الأمين للواقع وجانب من كيان الشِّعر المتخيّل، حتى ترجماته كانت تدور في ذات الدائرة حيث أغرته قصائد الشاعر البوسني "جوران سيمتش" والتي كتبها أثناء الحصار المفروض على سراييفو، وترجم منها هارسنت عدداً جيدا من المختارات صدرت عام 1997 في كتاب بعنوان "الهروب ركضاً من المقبرة". وكانت مواقفه واضحة دائماً إنّه شاعر يمقت الحروب على الأرض، لذلك هو ربما يكتب ليعرّى وجه الحرب القبيح بالكلمات، ومن آلامها يجتثّ الشِّعر.


    لشعر هارسنت وجه أليم سوداوي خاصّ به، وله إلى جانب ذلك إيقاع خاصّ ولون من الغنائية العالية في قصيدته الإنجليزية المعاصرة. إنّه شاعر لم يترك حرفاً في اللغة إلّا واستفاد من صوته مطوّعاً البحور الشعرية في كل مقاطعه، ممسكاً بخيوط الحرف وموسيقاه من جهة ودلالته من حيث المعني من جهة أخرى، هكذا تخرج القصائد أشبه بمقطوعة موسيقيّة، مؤثّرة في وقعها تقول كلّ شيء عن نفسها بنفسها ولا تشبه سواها.