توازيات

19/04/2015 - 10:03:45

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

محمد أمنصور

    كلما امتلأ رأس صاحب الوجه المجهول بالمشاكل واحتقن صدره بالهموم يخرج إلى أحد شوارع المدينة، يتمشى أو يجلس في أحد المقاهي باحثا عن خلاص. يكون الخلاص عندما يتضح في ذهنه القرار الذي سيخرجه من دائرة المشاكل والهموم..


    هذه المرة حاصرته حزمة من القرارات المؤجلة في حياته؛ الزواج أو الفراق النهائي مع صديقته التي طال انتظارها له. قرار البقاء في الوظيفة العمومية أو الانقطاع عن العمل لأجل احتراف اللعب مع الفريق الكروي الذي نذر له شبابه. قرار البقاء في المغرب أو المغادرة إلى إيطاليا. لم يمارس المشي هذه المرة كعادته في شوارع المدينة الكبرى، ولا جلس في أحد مقاهيها، أو ذهب إلى الحمام الذي طالما استعان به لاستيضاح بعض القرارات الحاسمة في حياته. بدل كل ذلك، ارتدى بذلته الرياضية المفضلة وأطلق ساقيه للجري بعيدا عن العيون والمعارف في الطريق التخومية الفاصلة بين البيضاء والجديدة، هناك حيث وجد ضالته في الجري في تقاطعات المبنى غير المكتمل.


   ظل يجري في كل الاتجاهات المؤدية إلى أبراج البناية غير المكتملة، مصحوبا بهدير الشاحنات والضجيج المتقطع للسيارات المارقة عبر الطريق الموازية. في بداية الجري كانت السماء أقرب إلى الصفاء، ،بعد ذلك امتلأت غيوما. نسي نفسه في الجري ولم ينتبه للوقت يمر، ووحدها تقلبات الطقس ظلت تؤشر إلى مرور الوقت. كانت شاشة السماء أقرب ما تكون إلى شاشة ذهنه المشوشة. قرر أن يجري وهو يفكر في حلول لمشاكله، أو يفكر في تلك الحلول وهو يجري، سيان. لقد آمن لسبب غامض هو نفسه لا يعرفه بأن القرارات المبحوث عنها لا يمكن أن تنبثق من فراغ. لا بد من انطلاق وعبور، جري في كل الاتجاهات، تصميم على ملاحقة المتاهة بين الصمت المتقطع والضجيج العابر. شيء واحد ظل ثابتا في دورانه المتاهي حول المبنى غير المكتمل؛ ألا وهو حركة جسمه الرياضي المتوثب. يدرك بوضوح كامل كل الوقت أن الحركة وحدها ثابتة. حركة الذهن وحركة الجسم. حركتان تحملان السؤال تلو السؤال بين جناحيهما:


ـ إن لم أتزوج في هذه المرحلة من العمر؛ فإلى متى يظل قرار زواجي مؤجلا؟ إن فاتني الزواج من عائشة التي أحبها وتحبني الآن؛ فهل سيكون بوسعي أن أعثر على امرأة أخرى تحبني وليس هدفها الزواج فقط ؟


  ترصد السماء حركة الرجل المجهول الوجه بينما حواره الداخلي مع نفسه يتواصل في المكان المعشوشب بنباتات خضراء وأخرى يابسة:


ـ  أنا الآن ساعي بريد أملك دخلا قارا؛ غير أن استمراري في الوظيفة العمومية لا يعني لي سوى شيء واحدا: وأد حلمي الكروي الذي نذرت له حياتي منذ الطفولة في بلادة الروتين الإداري؟


   سيكون عليه، إذن، وهو يجري في تقاطع طرق مزفتة وأخرى مجدبة أن يتخذ قرارا ما، وكلما احتدت الأسئلة في ذهنه تضاعفت سرعة جريه. وكلما تضاعفت سرعة جريه استبد بكيانه شيء غامض وغريب ما يلبث أن يسارع إلى تنفيذه: أن يكثر أثناء الجري من زوايا الانطلاق، أن يخترق بوابات أبراج المبنى غير المكتمل بشكل متواز مع إخضاع عملية التفكير والبحث عن قرارات لتعدد المنظورات. بهذه المنهجية الميدانية يكون قد أوجد لنفسه طريقة عملية لاتخاذ قرارات تخص مشاكله العويصة: الزواج، العمل، الهجرة..


   بين الفينة والأخرى كان المكان المهجور يتعرض لهزات صوتية أو بصرية محدودة. هدير شاحنة تعبر أو أزيز دراجة نارية غير مرئية ما يلبث أن يتلاشى... حصان يجر عربة محملة بالبرسيم الجاف وسيارة مارقة.. عبورات ومرئيات وأصوات متقطعة تحرض على المجهول:


 وجهات مجهولة


عالم خرب في المفترق بين البادية والمدينة يوحي بالمجهول


قامة رجل مجهول تجري بوجه مجهول


 لا محطة استراحة للقامة


 لا وقت قار لمدة جريها


 الجري في حد ذاته هدف


جري في الذهن وجري للجسد


جري عند مداخل المكان


جري عند مخارج المكان


بحث مهووس عن قرارات في الجري وأثنائه


جري يبحث صاحبه عن مخرج من مأزق ما


مآزق الوجود مآزق الجري


جري


جري


جري...........