ملتقى الرواية العربية .. نسخة قديمة مجددة

19/04/2015 - 10:02:46

بهاء طاهر يتسلم الجائزة بهاء طاهر يتسلم الجائزة

دينا قابيل - صحفية و باحثة مصرية

    بحضور أكثر من 200 روائي وناقد عربي، كان الاحتفاء على مدى أربعة أيام بعودة "ملتقى القاهرة الدولي السادس للرواية العربية" بعد غياب دام خمس سنوات. وميز الدورة السادسة إهداؤها لاسم الكاتب فتحي غانم، وحصول الروائي المصري بهاء طاهر على الجائزة بالإجماع.


    وإذا كان هناك من سمة ألقت بظلالها على الملتقى في مجمله، فهي بلا شك "الحنين". غلبت مشاعر الحنين بسلبياته وإيجابياته على أحداث وتفاصيل الملتقى، هذا الشعور الرومانسي بالتعلق بالماضي وبذكرياته والظن أنه كان حتما سيأتي بالأفضل. فكانت مجرد فكرة عودة الملتقى حافزا للضيوف العرب للتواصل في القاهرة من جديد، وغض الطرف عن أي ارتباك تنظيمي، فلم تبال كثيرا العراقية "إنعام كجه جي" حين وجدت اسمها في حلقة الشهادات، بينما اختفى من جلسات الأبحاث لتقدم ورقتها عن الفانتازيا والغرائبية، وكذلك الحال مع السورية "سلوى النعيمي" واللبناني "رشيد الضعيف". كان هناك ما هو أهم، فقد بدت العودة إلى أحضان القاهرة ذات دلالة خاصة لدى ضيوف دأبوا على تلبية دعوات مؤتمرات المجلس الأعلى للثقافة، حتى الروائي التونسي شكري المبخوت، رئيس جامعة منوبة، الذي يحضر الملتقى للمرة الأولى، (وقد وصلت روايته للقائمة القصيرة لجائزة البوكر 2015)، أشاد ببث الروح في الملتقى من جديد: "ربما أنتم لا تدركون ذلك هنا، لكن فكرة تعافي مصر تعني لنا الكثير، فمصر هي العظمة". يثني المبخوت على نجاح المصريين في تجاوز مرحلة حكم الإخوان، لكنه ككاتب ينشد الحرية لا يستطيع أن يمنع نفسه من التخوف من المستقبل: "أخشى أن تكون المرحلة الحالية في تونس كما في مصر تفرض قيودا على الحريات الأساسية".


    رمت التغييرات الوزارية الجديدة بظلالها على أجواء الملتقى، وخاصة في الافتتاح والختام، إذ تم تغيير وزير الثقافة جابر عصفور قبل أسبوع من بداية الملتقى وهو الذي إليه تعود فكرة ملتقى الرواية ومحاوره وضيوفه منذ أولى دوراته، ولا يزال كناقد وأكاديمي بارز تربطه بالكتاب العرب أواصر صداقة. بينما تغيب وزير الثقافة الجديد عبد الواحد النبوي عن الافتتاح لحضوره المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، مع وعد لم يُوف بالحضور في حفل الختام وتسليم الجائزة، وسط تساؤلات الحضور ودهشتهم.


    غاب الملتقى خمس سنوات، شهدت فيها المنطقة العربية تقلبات وانتفاضات وحروبا عدة انعكست على الإبداع الروائي والأدبي بشكل عام، إلا أن الملتقى ظل مخلصا للشكل التقليدي الذي نشأ عليه، دون أي تغيير يذكر، كما لو كانت للثورات والانتفاضات مجالها، وللمؤتمرات طرائقها التي لا تتطور، فكانت الجلسات "العلمية" المكثفة تنعقد بالتوازي في ثلاث قاعات مختلفة، لا تحمل كل منها موضوعا أو إشكالية محددة، بل تتعدد الأبحاث بعناوينها ذات الإيقاع الرخيم، تحت العنوان العام للدورة السادسة للملتقى "تحولات وجماليات الشكل الروائي". وبدت وجوه المدعوين من الروائيين والنقاد العرب متكررة في معظمها منذ انعقاد أولى جلسات الملتقى عام 1998، وغاب الكثير من الأسماء الشابة المصرية والعربية، كما غابت أبحاث الأكاديميين والباحثين التي تضج بها الجامعات المصرية، حتى صار الجمهور في أغلبه هو ضيوف المؤتمر فضلا عن الصحفيين المتابعين للحدث، واختفت الدراسات المقارنة التي طالما قاربت بين العوالم الأدبية وكشفت ـ في سياقاتها التاريخية والاجتماعية ـ مظاهر تميزها وتباينها عن بعضها البعض. وباستثناء بعض الأبحاث التي قدمها نقاد مختصون فانتشرت ظاهرة الروائي الناقد الذي يقدم ويحلل تجارب زملائه من الروائيين.


الموائد المستديرة.. طوق النجاة


    بدت جلسات الشهادات والموائد المستديرة، في ظل هذه الأجواء المتخمة والمتضاربة في أحيان كثيرة، هي طوق النجاة والمتنفس للقاء الكتاب مع النقاد وللحديث الحر مع الحضور حول التجارب الشخصية مع الكتابة. فكانت من لحظات الملتقى الأكثر نجاحا الموائد المستديرة حول الرواية والفانتازيا أو الرواية والدراما، أما المائدة التي حملت عنوان "الرواية الرائجة" فلم يكن بين مشاركيها من تنطبق عليه مواصفات الرواية "الرائجة". بينما في طيات الكلمات وبين السطور، كشفت شهادات الكتاب عن رؤيتهم الإشكالية للواقع، فعلى عكس ما يحمله عنوان هذه الدورة "تحولات وجماليات الشكل الروائي" من تطور في التقنيات وفي التناول مع تطور الواقع، فقد حملت شهادات الكثيرين تمسكا حنينا أو جامدا بالكتابة الواقعية. فالمصري شريف حتاتة كونه كاتبا واقعيا قال إنه لا يلجأ للغرائبي بل ينطلق من الواقع "الثري المعذب الجميل المتناقض" لأنه في نظره أغنى من الخيال، وأيدته في ذلك شهادة المغربي بهاء الطود الذي لا يؤمن بتوظيف الفانتازيا في الرواية لأن الواقع نفسه أكبر من الفانتازيا. أما التونسي الحبيب السالمي، فقال إن إقامته في فرنسا جعلته يطلع على حداثة مغايرة لم نتناولها في عالمنا العربي، ويعتبر أن كل كتابة حتى رواية الخيال العلمي تصدر بمعنى ما عن الواقع.


    وظهرت روح التمرد أو تثوير الكتابة في أعمال الملتقى على استحياء في بعض الشهادات، وفي إهداء اسم الروائي المصري فتحي غانم (1924 ـ 1999) للملتقى، الكاتب الثوري بامتياز "الذي لم يفقد ظله أبدا"، كما وصفته زوجته في كلمة الافتتاح، في إشارة إلى رواية "الرجل الذي فقد ظله" لغانم الذي عُرف بمواقفه السياسية الجريئة والتي دفع ثمنها في فترة حكم السادات بمنعه من الكتابة في روزاليوسف.


بهاء طاهر يحصل على الجائزة بالإجماع


    لم تكن مفاجأة إعلان فوز الروائي المصري الكبير بهاء طاهر بجائزة الملتقى، والتي تضاعفت قيمتها هذه الدورة لتبلغ 200 ألف جنيه مصري، حيث تردد اسمه كثيرا قبل أسابيع من بدء الملتقى نتيجة العرف السائد بأن تمنح الجائزة بالتناوب بين فائز عربي وفائز مصري في دوراتها المختلفة، أما المفاجأة فكانت في إجماع لجنة تحكيم الجائزة المكونة من قامات كبرى في الرواية والنقد العربي برئاسة الروائي الجزائري واسيني الأعرج الذي أوضح أن اللجنة قامت بالتصفية بين أحد عشر اسما ووصلت إلى أربعة أسماء ـ لم يعلن عنها ـ حتى انتهت بالإجماع إلى فوز صاحب "الحب في المنفى". وقال الأعرج إن أدبه يعالج قضايا إنسانية كما حمل هموم الإنسان المصري والعربي بلغة لا تتخلى عن شرطها الإبداعي. وقد عرف بهاء طاهر بإنتاجه المتنوع كأحد أبرز كتاب جيل الستينيات، كتب القصة القصيرة والمسرح ومن رواياته "قالت ضحى" و"شرق النخيل" و"خالتي صفية والدير"، وفازت روايته الأخيرة "واحة الغروب" بجائزة البوكر العربية في أولى دوراتها عام 2008.


    وبدا طاهر في كلمته الموجزة دمثا، متواضعا مترفعا كعادته، فأشار في بدء حديثه عن قناعته بأن الجوائز لا تضيف قيمة للكاتب، وأضاف "لست نادما على شيء ولست حريصا على شيء أيضا، لكني أتمنى أن يكون نصيب الشباب أكبر". حيث أقترح على المجلس الأعلى للثقافة أن تمنح الجائزة لشاب أو أن تكون مناصفة بين شيخ وشاب". وكان طاهر قد تبرع بقيمة جائزة البوكر لصالح قصر ثقافة الأقصر لتكون نواة لجائزة سنوية تمنح للمبدعين بالتعاون مع جامعة جنوب الوادي من أجل تشجيع المواهب الشابة على الكتابة الروائية والقصصية، كما تبرع أيضا بقيمة جائزة "ملتقى السرد العربي" بالأردن وقيمتها 5 آلاف دينار لتأسيس صندوق ترجمة الأدب الأردني.