علي باي .. مشاريع بأقنعة المغامرة

19/04/2015 - 9:56:24

على باى على باى

شعيب حليفي - كاتب من المغرب

تمثال حجري بطنجة


    بمدينة طنجة، وتحديدا بساحة بني مكادة، في أحد الأيام من سنة 1943 والعالم يحترق بنيران حرب كونية لا أحد يعرف نهايتها، بينما رآها الشعراء والمفكرون علامة على نهاية العالم أو مرحلة من التاريخ. في ذلك اليوم وبتمويل من فرع البنك العقاري التجاري- الإسباني بطنجة  تحت إدارة خوسي أندرو، تمَّ وضع تمثال حجري كبير لرجل ملتح بلباس شرقي على رأسه عمامة موضوعة بعناية فائقة، كُتب لتعريفه بحروف لاتينية: علي باي العباسي. بالإضافة إلى لوحتين حديديتين، الأولى عليها رسمٌ بخريطة للطريق الذي عبَره هذا الرجل. أما اللوحة الثانية فبها رسم للسلطان المولى سليمان ممتطيا فرسه وأمامه علي باي العباسي يقدم له الهدايا.


    وقد أشاع الإسبان لحظتئذ، وقد استعادوا السيطرة لوحدهم على طنجة (1940 ـ 1945) بعدما كانت طنجة تحت النظام الدولي منذ أبريل 1904ـ أن علي باي هو مُحارب جاء إلى المغرب في عهد المولى سليمان سنة 1803 ليجمع جيشا من المتطوعين المغاربة لإنقاذ الأندلس من الفرنسيين في ذلك الوقت (الفرنسيون الذين كانوا مستعمرين للمغرب في تلك الفترة 1912 ـ 1956). إنه تبرير لوضع التمثال اعترافا بجهود هذا الرجل وحُبه للمغرب والمغاربة المسلمين وأيضا للأندلس التي يعتبرها المغاربة الفردوس المفقود.


    ولمدة تقتربُ من نصف قرن، كان الاعتقاد الشعبي أن سيدي علي باي، كما يحبُّ أن يسميه بعض من عامة السكان، هو وليٌّ شريف، كما أصبح اسمه علامة تجارية ودينية بالمنطقة ونواحيها، رغم أن كتابا صدر سنة 1943 بعنوان "علي باي في المغرب" باللغة الإسبانية، يروي مغامرته بالمغرب من وجهة نظر الاستعمار الإسباني، وهي الفكرة التي تبناها فرع البنك الإسباني بطنجة.


    وفي 21 مارس 1970 يصدر مقال صغير عن علي باي مع صورة للتمثال بالصفحة الأولى  من جريدة طنجة


le journal de Tanger    


والتي تصدر بمدينة طنجة منذ 1904 سنة إقرار طنجة مدينة تحت حكم النظام الدولي. مقالة موقعة بالحروف الأولى لصاحبها (E.L) يوضح أن التمثال هو للإسباني ضومينكو باديّا. وفي سنة 1973 صدرت بمجلة وزارة الأوقاف المغربية "دعوة الحق" عدد 138 و139 مقالة بعنوان صريح "الجاسوس المغامر: علي باي العباسي بالمغرب"، تفضح حقيقة علي باي، وتشير إلى تمثاله الموجود ببني مكادة / طنجة.


     ثم تجوهل أمره إلى أن حلت سنة 1988 ليصدر الباحث العربي المتخصص في الأدب الإسباني الناقد المصري الدكتور الطاهر أحمد مكي مقالة مفصلة للمرة الأولى عن حياة علي باي (ضومينكو باديّا) واصفا إياه بالجاسوس الذي جاء إلى المغرب بنوايا استعمارية في بداية القرن التاسع عشر متنكرا في شخصية عربية. حملت المقالة عنوان: "أول رحّالة إسباني يزور العالم العربي في مطلع القرن التاسع عشر" بمجلة "الفكر العربي" اللبنانية (العدد 51 / يونيو 1988) التي كانت تصل إلى المغرب ولها قراؤها من المغاربة.


    غير أنه في حرب الخليج الثانية التي شنتها أمريكا وحلفاؤها على العراق (17 يناير – 28 فبراير 1991) عرف المغرب شأن عدد من الدول العربية مظاهرات احتجاجا على التدخل الأمريكي الوحشي في العراق، وصادف إلقاء أحد العلماء المغاربة المشهورين والمقيم بطنجة عبد العزيز بن الصديق، والمعروف بخطبه أيام الجمعة التي ينتقد فيها أوضاع المسلمين، خطب في مسجد علي باي (مسجد المحسنين لاحقا) المجاور للساحة التي وجد بها التمثال. كانت خطبته انتقادا عنيفا للغرب وأمريكا وتدخلهم في العراق البلد المسلم، كما انتقد التخاذل العربي وما آل إليه المسلمون. وفي هذا السياق والحماس أشار – للتمثيل فقط - مستغربا كيف يوجد بين المسلمين تمثال لجاسوس إسباني. وصادف أن خرج ساكنة مدينة طنجة، وعلى رأسهم بني مكادة، في مسيرة احتجاجية تضامنية مع الشعب العراقي، فكانت مناسبة ليصبّ المتظاهرون جام غضبهم على تمثال علي باي فيكسروا أجزاء كبيرة منه من جهة الرأس رشقا بالحجارة. وفي الليل أسرعت السلطات المحلية إلى حمل ما تبقى من الحجارة وملامح ضومينكو باديا المتخفي في شخصية علي باي إلى مكان مجهول.


بدون قناع


    ضومينكو باديا (1767 ـ 1818) الذي عاش طفولته وشبابه في غرناطة وقرطبة، استأنس في الأندلس بعوالم الإسلام والمسلمين، من خلال التجار والتاريخ الأندلسي في حكاياته ومعماره. ولم تكن من ضمن مشاريعه الأولى سوى رغبته في أن يكون عالما فيزيائيا  ومُخترعا؛ وقد خاضَ تجربة المنطاد والضغط الجوي، تجربة صرَفَ عليها كلّ ما لديه وما اقترض من غيره. غير أن فشل التجربة كان سبيلا للتفكير في مسار جديد، فانتقل إلى مدريد موظفا في منصب مكلف بمكتبة الدون بابلو، مما جعله يهتمُّ بالترجمة وقراءة المؤلفات الاستكشافية في إفريقيا، متماهيا مع مضامينها ومغامرات أصحابها، فتحمّس لتجربة جديدة ومُغايرة. مما جعله يُحرر مُذكرة بعنوان "الطريق إلى إفريقيا"، قدّمها في الثامن من أبريل 1901 إلى رئيس الوزراء الإسباني مانويل دي كودويْ، وكتبَ أنه يريدُ أن يتنكر في شخصية مسلم عربي ويعبر نحو المغرب، ومنه ينتقل إلى دول إفريقية (زنجبار وكينيا وإثيوبيا وليبيا) لعقد تحالفات سياسية واقتصادية لصالح العرش الإسباني. لكن كودويْ السياسي، كان يُفكرُ بطريقة أخرى. وهي تغلغل ضومينكو باديّا في المغرب وتحريض المتمردين ضد السلطان المولى سُليمان، ومساعدتهم بكل الوسائل لتنحيّته. غير أن "الأكاديمية المَلكِيَّة للتاريخ" التي تُقررُ في مثل هذه المشاريع، سجّلت ملاحظات من بينها أن باديّا لا يُتقن اللغة العربية ولم يختر رفيقا له.


    وبعد تعديلات وتدخلات لصالحه سافر إلى فرنسا وإنجلترا ترتيبا لشخصيته الجديدة والتي سيدخل بها مدينة طنجة يوم 29 يونيو 1803 باسم علي باي العباسي، حفيد أحد أمراء الشام. وشرع في إثارة الانتباه إلى شخصيته "السامية" التي تعطف على الفقراء بسخاء وتوزيع الهدايا على المسؤولين الكبار بالمدينة. كما سيكشف عن مواهبه الخارقة من خلال التنبؤ بالكسوف يوم 15 فبراير 1804. وهكذا توثقت علاقاته برجال المخزن ورجال الدين والأعيان وسهل عليه الالتقاء بالسلطان المولى سليمان أثناء زيارته لطنجة، فكسبَ ثقته، ودعاه للانتقال معه حيث منحه عدة امتيازات.


أكثر من قناع


    إن رحلة علي باي المقنعة إلى المغرب، والتي دامت حوالي ثلاث سنوات، معقدة بشكل كبير، متعددة الغايات والمقاصد، فهي مُغامرة ومشروع في آن. يصعبُ الفصل بينهما، ذلك أن رغبته منذ البداية هي مُغامرة شخصية وتجربة جديدة لتحقيق أهداف الغير، باختياره قناعا هوياتيا أكده بالاسم والفعل عبر إقامة كل الطقوس والشعائر الإسلامية من خِتان وزواج وصلاة وحج في ما بعد. وهي مُغامرة قبِلَ فيها أن يكون جاسوسا بقناع عربي حتى يضمن لشخصيته الحقيقية أن تكون رحّالة وكاتبا وعالما.


    وارتبطت رحلة علي باي بمشاريع كثيرة، أولها الميثاق بينه وبين العرش الإسباني في إقناع المولى سليمان بمنحه إسبانيا عدة امتيازات أو اللجوء إلى خطة دعم الثوار ضده. وقد فشل هذا المشروع؛ وفي المُقابل كان علي باي يقدم مشروعا سخيا للمولى سليمان، وهو الدستور الذي كان يُلحُّ عليه في تبنيه، لكنه فشِلَ أيضا في إقناعه.


    وبعد خروجه من المغرب، غيّر علي باي من ولائه للعرش الإسباني لصالح فرنسا ونابليون بونابرت، فعرضَ على هذا الأخير مشروع المغرب، غير أن نابليون لم يتحمّس للأمر فانتهت بذلك مشاريعه تجاه المغرب بعدما باءت كلها بالفشل، شأن تجاربه الأولى في الفيزياء.


  وأخيرا!


    أعتقد أن علي باي قد نجح في مشروع واحد، وهو تدوين سيرته من ثلاثة منظورات وأشكال وجعلها نصوصا تخييلية رائقة وطريفة بلغة شفافة ممتلئة بأحاسيس ومشاعر شاعر مغامر وتائه، ودقة عالم حريص.


المشروع الأول: تدوينه لرحلاته إلى إفريقيا وآسيا سنوات 1803 ـ 1807.


المشروع الثاني: مسرحيته "علي باي في المغرب"، وفيها يعيد مسرحة وجوده بالمغرب رفقة السلطان وحاشيته وما وقع له إلى أن غادر المغرب عبر العرائش.


المشروع الثالث: الدستور الذي كتبه وأصدره بالفرنسية، جاعلا من نفسه إمبراطورا على المغرب.