بدون خيال يفقد الفرد إنسانيته .. القراءة من أجل الحياة

19/04/2015 - 9:55:04

رواية ديفيد كوبرفيلد تشارلز ديكنز رواية ديفيد كوبرفيلد تشارلز ديكنز

سيزا قاسم - كاتبة مصرية

"ماالكتاب الذي غير حياتك؟". طرحت الصحفية نيكول جاكسون هذا السؤال على بعض رواد  مهرجان هاي، Hay Festival، أحد أكبر المهرجانات الثقافية في إنجلترا، في سنة ٢٠٠٩، وكان بينهم العديد من المشاهير. جاءت الإجابات متعددة ومتعارضة مثل التوراة، أو لوليتا، أو دكتور نو... وعندما تأملت السؤال شعرت بنوع من الحيرة لأنني لا أستطيع أن أجيب عنه إجابة مفردة... ماالكتاب الذي أبدل حياتي؟ لا شك أن القراءة تؤثر في القارئ وقد تحول من مسار حياته، إلا أن ذلك لا يحدث في لمح البصر، مثل تجربة القديس بولوس في طريقه إلى دمشق. وهي القصة التي أصبحت استعارة للتحول الذي يعصف بحياة إنسان بعد تجربة معينة فيتحول من حال إلى نقيضه.


لا شك أن قراءة الروايات تؤثر فينا، وتترك بصماتها علينا، تزيد فهمنا للعالم وتوسع خبراتنا. ولكن المشكلة التي تواجهنا عند قراءة رواية، هي العلاقة التي تربط عالمها التخييلي، بالعالم الواقعي الذي نعيش فيه حياتنا اليومية، البعد الذي يفصل بيننا وبين أبطال الرواية، والقرب الذي يصلنا بمن نعيش معهم في المحيط اللصيق بنا. ما الذي يبث الحياة في هذه الشخوص الورقية، التي لا يجري الدم في عروقها! لتتلاحم معنا وتكتسب مكانا داخل ذواتنا وتسكن مشاعرنا ومتخيلنا وتصبح مكونا من مكونات ذاكراتنا.


وفي محاولة للرد على سؤال نيكول جاكسون، نعرض لبعض الروايات الغربية التي كان لها أبعد الأثر في مجتمعاتها.


آلام الشاب فيرتير


يوهان فولفجانج فون جوته ١٧٧٤            


”آلام الشاب فيرتير“ هي رواية الكاتب الألماني العظيم يوهان فولفجانج فون جوته. وهي أول عمل له. ظهرت الرواية سنة ١٧٧٤ وطبعت بمناسبة معرض ليبزج ولم ينسبها جوته إلى نفسه بل نشرها دون ذكر هوية الكاتب. هذه الرواية التي جاءت في شكل خطابات أفرغ فيها الشاب كل عذابات روحه وقلبه، وكشف فيها قصة حبه الفاشلة للحبيبة شارلوت. وهي في كثير من تفاصيلها مستلهمة من سيرة جوته الذاتية. راجت هذه الرواية رواجا منقطع النظير وفتحت الباب واسعا لطوفان الرومانسية الذي اجتاح أوروبا. ولكن الغريب أن شباب أوروبا وجدوا في فيرتير القرين والأنيس والمعبر عن كل ما كان يختلج في نفوسهم من آلام وعذاب. هذا المزاج المتشائم، السوداوي عرف باسم "داء القرن". وهي تسمية لم يطلقها عليها جوته. وانتشرت الظاهرة في القرن التاسع عشر بين الرومانسيين الكبار الأوروبيين ونسجوا على منواله. ترجمت الرواية على الفور إلى كل اللغات الأوروبية، وبدأ الشباب يتقمصون شخصية فيرتير، ويرتدون مثله ملابس بيضاء وزرقاء. ولكن اللافت أن التقمص لم ينته إلى حد المشاعر والملابس، بل اجتاحت أوروبا موجة من الانتحارات بين الشباب فاقت التصور، على غرار نهاية الرواية المأساوية. لم تنته هذه الظاهرة منذ صدور هذه الرواية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، بل استمرت حتى اليوم. وأصبح مصطلح "مؤثر فيرتير" راسخا في علم النفس لتوصيف موجات الانتحار التي تتبع شيوع الأخبار المأساوية في الإعلام.


ديفيد كوبيرفيلد


تشارلز ديكنز ١٨٥٠


تبدأ الرواية بذكريات ديفيد كوبيرفيلد عن طفولته البائسة، عندما مات أبوه وتزوجت أمه من إدوارد موردستون الفظ غليظ القلب، الذي كان يعنفه ويسيء إليه أبشع الإساءات. ومن هنا بحث ديفيد كوبيرفيلد عن الأنس عند أصدقاء لم يلتفت إليهم السيد موردستون ولم يعثر لهم على أثر. هؤلاء الأصدقاء هم الكتب التي تركها أبوه. يقول ديفيد:


"ترك أبي مجموعة صغيرة من الكتب في غرفة صغيرة في الدور العلوي من المنزل كنت ألج إليها (حيث إنها كانت ملاصقة لغرفتي)، ولم يكن أحد من نزلاء المنزل  قد دنسها، أو عرف عنها شيئا. ومن هذه الغرفة المباركة انطلق رودريك راندوم، وبريجرين بيكل، وهمفري كلينكر، وتومجونز، وقس ويكفيلد، ودون كيخوته، وجيل بلاس، وروبنسون كروزو، جماعة متألقة  لكي يؤنسوا وحدتي. نفخ  هؤلاء الحياة في مخيلتي ، وأشعلوا أملي في شيء خارج هذا المكان الضيق ـ هم بالإضافة إلى كتاب ألف ليلة وليلة وحكايات جنجي ـ لم يوقعوا بي أية إساءة... هذا كان سلواني الوحيد وكأسي المستديم. عندما أفكر في هذا، تتراءى أمام ناظري صورة أمسية صيفية، يلعب فيها الفتيان في ساحة الكنيسة، وأنا مستلق على سريري أقرأ وكأني أقرأ من أجل الحياة... يمكن أن يفهم القارئ الآن ـ كما يتسنى لي أيضا ـ ماذا كان حالي في هذه اللحظة من تاريخ شبابي الذي أسترجعه الآن".


في هذه الفقرة الجميلة، يذكر الكاتب الناضج، ديفيد، قرّاءه، وهو يكتب سيرته الذاتية، أن للفن التخييلي جاذبية خاصة، تخلق علاقة حميمة بين الكتاب والقارئ، وتحول القارئ، ولو لفترة وجيزة، إلى صديق. الروايات هي أقرب الرفقاء إلى ديفيد، حيث يجالسهم لساعات طويلة في علاقة عميقة. يحلم ويرغب ويشتهي. ويتحول في صحبتهم إلى نوع خاص من البشر. ولا يشك الراوي أن هذه اللقاءات التي عايشها الطفل الصغير ديفيد، في قراءاته، أسهمت في تشكيل الإنسان الذي نتكشفه الآن بكل براءته الطفولية، وانبهاره أمام تفاصيل العالم، بقلبه الكريم، الحساس، الحنون. يطرح ديكنز في رواية ديفيد كوبيرفيلد على القراء من خلال بطله وخبرته في القراءة الأسئلة التي لا بد أن تتبادر إلى ذهنهم وهم يقرءون وماذا يحدث لهم من انفعالات وأحاسيس وأفكار بل وأيضا من أحكام؛ أن يلاحظوا، مثلا، أنهم ينجذبون أحيانا إلى شخصيات مشينة الطباع، سيئة السلوك رغم ما تمثله من انحراف عن الصواب؟ هل تفتح القراءة أمامهم احتمالات لم يكونوا قد فطنوا إليها، فتتغير نظرتهم للعالم من حولهم بطريقة مختلفة فيها كثير من الجدة والابتكار؟ إن القراءة رحلة في الزمان والمكان تختلف نقطة البداية عن النهاية. تخلق القراءة نوعا من التعاطف والمودة بين القارئ والكتاب مثل ما يربط الأصدقاء من ألفة وحميمية، بحيث قد تتبدل النظرة إلى الواقع الذي يكتسب جدة وطزاجة وتألقا. لا شك أن القراءة ـ إذا ما أسهمت في هذا التحول لدى القارئ ـ فإنها تنمي قدرته على المحبة والتآلف. ومن هنا يتوجه ديفيد إلى ما كان يحثه عليه أبوه وهو "أن القلب المحب أفضل وأقوى من الحكمة".


هذه النظرة إلى الروايات على أنها أنس للوحدة وأفضل الأصدقاء ليست فكرة جديدة بل نجدها عند الجاحظ في افتتاحية كتاب الحيوان. وظلت الاستعارة التي نظرت إلى الكتاب على أنه أفضل الأصدقاء تتكرر على مر العصور.


دون كيخوته


ميجيل دي ثيربانتيس ١٦٠٥


مدام بوفاري


جوستاف فلوبير ١٨٥٦


تألقت روايتان في سماء الأدب العالمي كان موضوعهما الرئيسي تأثير قراءة الروايات على الناس، هاتان الروايتان هما "دون كيخوته دي لامانشا" لميجيل دي ثيربانتيس، و"مدام بوفاري" لجوستاف فلوبير. واللافت للنظر أن الرواية الثانية هي تقليد ساخر للأولي.


يضعنا ثربانتيس منذ البداية في القلب من القضية التي يود أن يحدثنا عنها. كيف يعيش بطله وماذا يفعل بأوقاته؟ يقدم لنا ثربانتيس بطله في الفقرة الثانية من بداية الرواية متوجها للقارئ:


"لا بد لك أن تعرف أن السيد الذي ذكرته لك كان يمضي أوقات فراغه (التي تمثل سنوات حياته) منغمسا في قراءة كتب الفروسية بشغف وحميمية جعلته يهمل أنشطته الرياضية أو حتى إدارة أملاكه. وقد أدى به ذلك إلى الحد الذي اضطره إلى بيع بعض من الفدادين التي يملكها لشراء كتب عن الفروسية وحملها إلى منزله".


لم يذكر ثربانتيس اسم هذا السيد لأنه لم يكن متأكدا منه هل كان "كيخادا أو كيسادا أو كيخانا" ولكن هذا لم يكن مهما بالنسبة للقصة لأن شخصية البطل الحقيقية ليست هي موضوع الحكاية. كان بطلنا يقرأ روايات بطولات الفروسية ليل نهار، ولم تذق عينه النوم  وأمضى عمره في القراءة لا يكل ولا يمل حتى تقدم به العمر. وقد تأثر من هذه القراءة إلى الحد الذي فيه "يبس عقله وفقد صوابه". امتلأ خياله بما كان يقرأ من سحريات، ونزاعات، ومعارك، وتحديات، وجراح، ومغازلات، وغراميات، وعذابات. ومن جميع أنواع الأفعال المستحيلة: فاستحوذت عليه الخيالات حتى أصبحت كل الابتداعات والتخيلات التي قرأ عنها حقيقة في ذهنه، واتسمت بواقعية أكثر من أية حقيقة في العالم.


وفي أحد الأيام قرر السيد أن ينطلق إلى العالم الفسيح ويترك مأواه ليحيا حياة الفارس الضليل، المغوار الذي يقوم بإصلاح المساوئ، وكفاح الأعداء وإنقاذ المظلومين. وبنى لنفسه منظومة مكتملة على غرار الفرسان العظام، اختار اسما يليق بمكانته الجديدة، دون كيخوته دي لا مانشا، ولفرسه،Rocinante روسيناته، وتابعا لخدمته سانشو بنازا Sancho Panza، وحبيبة تنير حياته سماها دولسينيا Dulcinea. وهكذا بدأت مغامرات دون كيخوته الذي انتقل من العالم التخييلي الذي عاش فيه كل هذه السنوات إلى العالم الحقيقي. ولكن مأساته كانت في أنه لا يميز بين الاثنين، أو بمعنى أصح، أصبح العالم التخييلي هو العالم الحقيقي بالنسبة له. 


ما هذه الحيرة التي تمزق نفوس قراء الروايات؟ ما العلاقة بين الواقع والخيال أيهما أحق بالتصديق؟ هل كما كان بروست يقول "من الأفضل أن نحلم حياتنا بدلا من أن نحياها؟". أثر كتاب ثربانتيس على المبدعين من بعده. حتى أن هاري ليفين استخلص من ظاهرة دون كيخوته "القاعدة الكيخوتية"؛ ومفادها أن بطل الرواية يواجه العالم الخارجي، وكلما اقترب منه يبتعد عنه، أو يثور عليه، خالقا بذلك هوة عميقة تكون في بعض الأوقات هزلية وفي البعض الآخر  مأساوية.


لا أظن أن رواية احتلت مثل هذه المكانة في الأدب العالمي وأثارت مثل هذا العدد من التساؤلات وقُرئت بعدد هذه المداخل، واختلف في تفسيرها النقاد هذا الاختلاف، ولكنها تقف شامخة حتى أن دستويفسكي قال عنها:


"في العالم كلِّه لا يوجد مؤلَّف أعمق وأقوى من هذا. هي الكلمة الأسمى والأخيرة للفكر الإنساني. إنها أكثر أنواع السخرية مرارةً، في ما يمكن للإنسان التعبير عنه. وإذا انتهت الحياة على الأرض، وسُئل البشر هناك، في مكانٍ ما: «ماذا! هل فهمتم حياتكم على الأرض؟ وما الذي استخلصتموه منها؟»، فيمكن للإنسان تقديم دون كيخوته في صمت: «هذه هي خلاصة حياتي، فهل يمكنكم إدانتي عليها؟»".


نجح ثيربانتيس أن يجسد في هذه الرواية بطلا لا تتوفر فيه صفات البطولة أو الفروسية. فدون كيخوته الرجل العجوز، المتهدم، ذو الوجه البائس، يُقدم على أعمال خارقة تتنافى تماما مع الواقع: يناطح الطواحين على أنها عمالقة، ويحارب الخراف على أنها جنود الأعداء. يغازل فلاحة متواضعة فيجعل منها ملكة متوجة، يسقط تصورات أحلامه على الواقع فيحوله إلى عالم مسحور، وإذا كان يثير عند الآخرين ـ ونحن منهم ـ بعض السخرية، فإنها سخرية ممزوجة بالحب والشفقة والإعجاب. فنحن إذ نعيش في عالم القبح والتردي، حيث لا نجد بصيصا من جمال أو نبل أو شفقة أو محبة، يأتي هذا الإنسان الغريب، المقدام، الشجاع ليقول لنا: لا وألف لا، العالم ليس بهذا القبح فوراء ما تشاهدونه كنوز من الأبهة والعشق والبسالة، لا تستسلموا لما أمامكم أقدموا إلى البحث عن المستحيل.


هذه هي رسالة الكيخوته الذي أصبح أسطورة ومثالا لمن يكافحون من أجل انتشالنا من الأوحال، وحملنا إلى عالم الجواهر واللآلئ، والعدالة والنبل والتضحية بالذات من أجل الآخرين البؤساء.


ما الفارق إذن بين دون كيخوته ومدام بوفاري؟


بعد قرنين ونصف من ظهور دون كيخوته نشر فلوبير رواية "مدام بوفاري". لم يفت التشابه بين الروايتين على النقاد حتى أنهم أطلقوا على مدام بوفاري اسم "دون كيخوته ذات التنورة".


ما هي إذن أوجه التشابه والاختلاف بين الروايتين أو بمعنى أصح بين الشخصيتين؟


نشأت إيما روولت Emma Rouault بطلة فلوبير بعيدة عن العالم في دير من أديرة الراهبات حيث تلقت تربيتها الأولى وبدأت تدريبها الأدبي بالنصوص الدينية التي كان يمدها بها القس المسئول عن نشأتها الدينية، ثم نصوص الكاتب الفرنسي الشهير شاتوبريان الذي غرس في مخيلتها حبه للملانخوليا، والقلاع المهجورة التي تعصف بها الرياح والأنواء، ثم انغمست إيما في روايات وولتر سكوت. ولكن أهم ما أثر فيها هي الروايات التي كانت تحضرها إلى الدير عانس عجوز أفلست أسرتها أثناء الثورة الفرنسية، وكانت تعمل في مشغل الدير. هذه المرأة كانت تحمل في جيب مريلتها روايات رومانسية تتسلى بها أثناء عملها وتحفظ منها فصولا كاملة عن ظهر قلب. لا يخبرنا فلوبير بعناوين هذه الروايات الرومانسية  الرخيصة التي انتشرت في القرن التاسع عشر ولكن يلخص لنا التيمات الرئيسية التي كانت تدور حولها:


"..لم يكن في هذه الروايات من الموضوعات سوى العاشقات، والسيدات المضطهدات اللائي كن يغمى عليهن في  ملحقات المنازل المنزوية، والأسفار التي تنفق فيها الخيول ويهلك الحوذيون، الغابات القاتمة، اضطرابات القلوب، العهود، والتنهدات والدموع والقبلات، الزوارق الصغيرة في ضوء القمر، العنادل في الخمائل، رجال في شجاعة الأسود، وفي دماثة الحملان، فضائلهم لا تبارى، وتندر أناقتهم، دائمو الانهمار في البكاء... كانت إيما تحلم بأن تعيش في إيوان قديم، تشبه صاحبات هذه القصور ذوات الملابس الأنيقة الواقفات على الشرفات ذقونهن على أيديهن يحملقن في أعماق الريف في انتظار فارس يمتطي جوادا أدهم".


وهنا يكمن الفارق الأول بين دون كيخوته ومدام بوفاري. لقد تغذى دون كيخوته على نسيج قصص فرسان القرون الوسطى، التي أنتجت أبطالا مثل الملك آرثر، ولانسولوت البحيرة، ورولان وأقرانهم. وُجد هذا النمط من الأبطال في كل الثقافات وُتنسج حول شخصية هؤلاء الأبطال عنقود من القيم الاجتماعية والنفسية والأخلاقية امتد أثرها حتى اليوم. ولا شك أن دون كيخوته دخل في صراع مع هؤلاء الأبطال ـ الذين انتهى عصرهم ـ والواقع الجديد المعاصر. وقد نجح ثربانتيس في تمثيل الصراع بين المنظومتين: المنظومة العتيقة البطولية، والمنظومة الحديثة الواقعية بأن وضع في مقابل دون كيخوته التابع سانشو بانزا الذي يمثل الواقع المعيش والحس العملي في مقابل النظرة المثالية الحالمة. أما إيما فكانت قراءتها في الروايات الرخيصة التي لا تفترق الواحدة عن الأخرى والتي تقوم على مجموعة من الكليشيهات الساذجة المفتعلة، المصطنعة التي تمثل صورة هلامية من الأوهام الخاوية، ومن الواضع أن فلوبير كان يشمئز منها ويلفظها على أنها قمة تمثيل الغباء البورجوازي.


أصبحت إيما تمقت حياتها، تكره زوجها وتحتقره، وعندما أنجبت ابنة لفظتها لأنها كانت ترغب في طفل ذكر! بدأت في رحلة البحث عن الأحلام في وسط عالم ريفي، متزمت، قميء. وحاولت إسقاط التصورات التي حصدتها من الروايات على العشاق الذين تعثر عليهم بالمصادفة.


وكما أن دون كيخوته أصبح نموذجا في علم النفس كذلك حدث بالنسبة لمدام بوفاري  فأصبح "البوفاريزم" نوعا من المرض النفسي، وحال من عدم الرضا والاشمئناط من كل ما يحيط بالشخص في الحياة. وهذا المرض كثيرا ما يصيب الفتيات صغيرات السن. وقد دخل هذا المصطلح قاموس الروبير الكبير سنة ٢٠١٤ على أنه مفردة لغوية شائعة بمعنى "الحلم بقَدر مختلف عن الذي قُسم لنا ونراه أكثر صلاحية". فالبوفاريزم هو حالة من الإحباط على الصعيد العاطفي والاجتماعي تصيب الشباب المصاب بأمراض عصابية وكثيرا ما يأتي بأنماط من التصرفات اليائسة والطموح الكاذب.


ربما يكون الفارس ذو الوجه الحزين محطا للسخرية والضحك ولكن القارئ في واقع الأمر يحبه ويتعاطف معه. أما إيما بوفاري فإنها لا تثير شفقة القارئ، إذ تتميز بالادعاء وتقمص شخصيات مفتعلة منذ البداية. فالانتقال من الواقع إلى الحلم يأتي على صعيدين لأن البطلات التي تحاول إيما التشبه بهن عبارة عن أمساخ لبطلات روايات البطولات القديمة. تشعر إيما بوفاري بالمقت تجاه من حولها، بينما لا تختلف عنهم كثيرا. وتعيش في نرجسية بغيضة لا تفكر إلا في نفسها. وفي النهاية لا تجد سبيلا ولا مخرجا من المأزق والعذاب الذين تجد نفسها فيهما إلا الانتحار.


هل قراءة الروايات تبعدنا عن الواقع؟ تضع ساترا بينه وبيننا؟ أم أنها تقدم لنا عالما مغايرا نستطيع أن نجد فيه نوعا من الراحة؟ أم تثري فهمنا للواقع وتقدمه لنا في ثوب مختلف، قد يكون في بعض الأحيان ملغزا ومحيرا ولكنه يكشف لنا حقائق لم نكن على دراية بها.


إننا نعيش في عدد من العوالم لا عالم واحد فقط. هل يمكن أن ننفي أن عالم الأحلام التي تؤرقنا في منامنا ليست من الواقع؟ أو أن أحلام اليقظة ليست واقعا؟ هل تصوراتنا بالنسبة للمستقبل الذي ننشد تحقيقه ليست من الواقع بشيء؟ أرى أن كل هذه الظواهر لها واقعية من نوع خاص. كما أننا لسنا فردا واحدا متناغما متسقا، بل كل واحد منا يحمل داخل طيات نفسه عددا من الذوات، ويلعب في الحياة أدوارا مختلفة، كما أن الآخرين يروننا في صور مختلفة عما نراها لأنفسنا. ومن الغريب أننا لا نتعرف صوتنا إذا ما سمعناه في تسجيل ما، كما أننا أحيانا لا نتعرف صورتنا إذا ما لمحناها عفوا في المرآة. كذلك قراءة الروايات، إذ تنقلنا إلى عالم آخر قد يقترب أو يبتعد عن عالم الواقع الملموس الذي نعيشه، ولكنها تقدم إبداعا إنسانيا يحمل رسالة من نوع خاص لا بد من فك شفرتها. عندما نفتح الكتاب فلا بد أن نكون مؤهلين لإتقان لغته التي يحدثنا بها وأن نتعرف أغراض الفنان وهدفه من كتابته.


إن الحياة بدون خيال تسلب الفرد إنسانيته، تحده، تجز أجنحته فلا يستطيع الطيران. ولكن قد تسألني : هل يستطيع الإنسان أن يطير؟ وإجابتي هي: "نعم، في كتب الأساطير!".