سفر ولوعة

19/04/2015 - 9:52:05

شرف الدين ماجدولين شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

 في السبعينيات من القرن الماضي دخلت المغرب آلاف النسخ من فتاوى ابن تيمية في مجلدات أنيقة خضراء وزرقاء، تناهز خمسة وأربعين مجلدا، مكتوب في الصفحة الأولى من كل مجلد منها أنها هدية من المملكة العربية السعودية توزع مجانا، كانت هدية تخطفتها الأيدي في زمن كان الورق المجلد يدل على السفر النفيس، قلة كانت الكتب التي تباع بذلك النوع الفاخر من التسفير، موسوعة معارف القرن العشرين، ولسان العرب.. الطويل طبعا، وشرح ابن كثير، وبعد ذلك تطوع أفراد أنيقون لبيع سلسلات "اقرأ" و"الهلال" مجلدة تضم ثلاثة أو أربعة إصدارات مجتمعة. علق بذهني شخص تاريخي في المغرب اسمه "أحمد الأتربي"، مصري اختص في تجليد كل إصدارات السلاسل الروائية، على نحو فاخر، لم أغنم منها اليوم بعد توزيع تركات الآباء والأجداد إلا بسفرين، أحدهما يضم أربعة أعداد من مجلة "الكاتب المصري" لطه حسين، والآخر ترجمة حافظ إبراهيم لرواية "البؤساء".


 طبعا نعرف الآن أن أغلب حركات الإجرام الديني تستند في عقيدتها لتلك الفتاوى، ذات التسفير النفيس التي وزعت مجانا، وباللونين الأخضر والأزرق... ليس هذا هو المقصود، ذلك أن أحد الموزعين ممن أسدلوا اللحية وحفوا الشارب، كان يختار المؤسسات التعليمية لتوزيع ذخيرته، وكان أن جاء والدي ذات يوم بثلاثة كراتين صقيلة إلى البيت، وهو مبتهج، سألناه نحن الصغار عن فحواها فقال إنها موسوعة نفيسة لم يتجاوز سعرها خمسمائة درهم، وما أدراك ما خمسمائة درهم في السبعينيات، الأدهى من ذلك أن صفحاتها بقيت سليمة من غير سوء لم يتصفحها أحد منا ولم يطمع فيها أحد وحين أعود لمكتبة الوالد اليوم، أجدها في الصف العلوي مع حسرة متجددة من الحاج على الخمسمائة درهم.