ابتسام في مترو سان جرمان دي بري

19/04/2015 - 9:50:48

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

مبارك حسني

هكذا مثل مصادفة عابرة، ابتسمت المرأة الشابة للرجل الذي لم تره قط، ولا تعرفه سابق معرفة. ابتسامة مفاجئة مليئة بالإثارة والعنفوان المتحدي.


كانا معا في محطة مترو السان جرمان دي بري.


تلبس المرأة سروالا وسديرة سوداوين. شعرها فاحم السواد. تضع كحلا أسود داكنا. وحول أصابع يديها خواتم فضية عديدة وما يشبه قفازا نسويا مزركشا بمعينات متشابكة سوداء بدورها. وهذا السواد جعل بشرتها الحليبية تشع حد العمى أسفل أنوار المحطة القوية الفولت. امرأة بمظهر أنثوي متفرد في شياكته العابثة تحت ضوء مصطنع في نفق أسفل الأرض ليس أمرا غير عادي في مدينة مثل باريس يوازي ما تحتها الذي فوقها.


وقد كانت جالسة على أحد كراسي المحطة البيضاء التي تضطرك للاستلقاء إلى الخلف بالضرورة أسفل لوحة تحمل اسم المحطة في الجهة المقابلة للرجل.


أما هو فكان قاعدا في الجهة الأخرى بعد السكتين اللتين تشكلان نهرا مهندسا بدقة وفارغا، وكان يرتدي معطفا عاديا وسروالا دجينا ممسوحا قليلا، وبين ساقيه على الأرض حقيبة منتفخة مفتوحة حتى النصف وتظهر أوراقا وملفات وزوايا كتب متراكمة. فوق فخذيه كتاب مفتوح كان يقرأ فيه على ما يبدو قبل أن يرفع بصره ويقع تحت سطوة البسمة المفاجئة. كان رجلا لا يبدي أية تفرد، كان مندسا في الديكور العام للنفق بلا طموح ولا رغبات.


وإذن بعد أن افترت شفتا المرأة الملفعة بالسواد التام عن تلك الابتسامة التي تشبه دعوة صريحة مشجعة تجاه الرجل، أعقبتها بغمزة لطيفة لكن جريئة وأكثر من موحية وإن كانت خاطفة. فعلت ذلك رغم أن جسدها لم يتحرك، ولم تبد خجلا أو خفرا أو ترددا ما جراء ما يلي دعوة كهذه من حياء محتمل.


صعق الرجل العادي فوق التصور، وفغر فاه لحظة كما لو كان يشرق بعد ابتلاع أكل غير سائغ، واتسعت حدقتا عينيه من الدهشة. بل وجمد مكانه يحدق فيها، وفي ذاته تعتمل شتى الأحاسيس، وفي دماغه تتموج أفكار عدة. الاهتمام المفاجئ حل كغرابة في تميز حياته الوحداوية.


ومر زمن محسوس الطول وهو على هذه الحال، ولم يبد أي تحرك ينبئ عن الرد المنطقي على الدعوة، كما قد ينتظر في حالات مشابهة. كأن يشير بيمناه محييا في أقل الأحوال، أو أن يبتسم في أوسطها، أو أن يأتي حركة إنكار أو غضب مع افتراض أنه إنسان فاضل ولا يحب النزق، وهو مما لا يمكن توقعه في عصر الغواية والتبادل وانهيار التواضعات القديمة..


لا شيء من هذا حصل. برودة المحطة وضوؤها البراق ومدخلاها المعتمان من الجانبين، الأيسر والأيمن، هو ما كان ملموسا، وأيضا الدقائق التي تمر...


أخيرا قالت المرأة الشابة تحاور نفسها:


ـ ما لهذا، أبتسم له ويقابلني بهذا التعبير البليد.


وازورت عنه ملتفتة جهة اليمين حين سمع صوت مدو معروف، بعده دخل القطار الأول من اليمين، ثم أعقبه القطار الثاني من اليسار. وتلى كل هذا حركة نزول كثيفة.


وصلته صورة شفتيها تتمتمان راسمتان كلاما يبدو الغضب من تشكيلتهما وسرعة خروجهما إلى الهواء في اتجاهه.


واستأنف القطاران رحلتيهما، وعاد الصمت السابق والبرودة، وفرغت المحطة فجأة من كل ركابها إلا من الرجل وحده.


كان ما يزال في مكانه حائرا مضطربا.


المرأة غادرت مقعدها.


حك الرجل رأسه بعنف ونرفزة أخيرا، وقال: ما خطب هذه البليدة؟ أتظن أن بسمتها وسوادها سيخلبانني؟


وراح يضرب رأسه بالكتاب ضربات خفيفة متسارعة فكان العنوان المكتوب بالأسود يتراقص ظاهرا على الغلاف الأبيض، عنوان تلمح كلماته الأولى إلى البلادة stupide .


لكن من البليد في حقيقة الأمر؟ المرأة؟ الرجل؟ أم العالم النفقي الذي سيرميهما معا في رحم الظلام؟