غرفة فرجينيا وولف

19/04/2015 - 9:47:50

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

لطيفة باقا

  ضوء صغير يتسرّب من خلف ستارة نافذة الحمّام... يعيد رسم الفراشات الوردية المطبوعة على ثوب الستارة الأصفر... صباح جديد. أقف أمام المرآة... أتفحّص وجهي... أمرّر أصابعي على تقاسيمه الأليفة، أتخيّل هذا الوجه وقد ضاعت ملامحه في فوضى الغضون والتجاعيد، أتخيلني وقد انحنى ظهري، انكسرت عزيمتي وذهب عنّي أبنائي. أتخيّلني في الآتي من الأيّام. أراني أغادر الفراش متثاقلة: ليس هناك ما يبرّر هذا الاستيقاظ أصلا... لست ملتزمة بأيّ نشاط يوميّ. أسوّي وضع الصندل المنزليّ أمام باب الغرفة... أتناول كوب ماء وأشرب الدواء... أعشق العقاقير (هل سيستمرّ معي هذا العشق حتّى نهاية أيامّي؟)... حبّة، حبّتين، ثمّ أعيد العلب إلى الخزانة، أدفعها قليلا حتّى تبدو في نفس المستوى، أغلق الخزانة وأمسح قطرة الماء من على سطح الطاولة... لم يبق لي من هوس نظافة الماضي سوى هذا الوسواس الذي يزداد قهره يوما بعد يوم... (سوف أكتشف متأخّرة بالتأكيد، أنّ الحرص الشديد على نظافة المنزل يسهم في تفاقم ظاهرة هجرة الأبناء بعيدا عن بيت العائلة)... يسترعي انتباهي معطفي الذي تركته على المشجب عند عودتي مساء أمس من عيادة الطبيب... ساقطا فوق الأرض، أنحني لأعيده إلى مكانه، أشعر بألم حادّ في ظهري... أتمتم أوّل شتيمة صباحية لهذا اليوم في حقّ الصّحة "اللّي مشات" وفي حقّ الدكتور بنكيران... وفي حقّ الزمن الغدّار وعقوق الأبناء... إلخ. أعدّ لنفسي شايا بأعشاب طبّية مناسبة للضغط وللسّكري ولتعكّر المزاج وانقطاع الطمث وهبوط المعنويات. أفكر أنّ زوجي المتقاعد، سيستيقظ بعد قليل... سوف أسمع حركة قدميه وهما تبحثان عن الصندل، أصبحنا نتنافس في النّوم: من سيحطم رقم الأمس... أبتسم من الفكرة وأنا أرفع البرّاد عن النار. سوف يقف بدوره بعد لحظات هنا ليعدّ قهوته: كوب نسكافيه بلا سكر، لن يكلّف نفسه إشعال النار سوف يسخّن الماء بالميكرووند، يحمل فنجانه الأزرق الأثير بيد مرتعشة، ثمّ يعود لسريره يدير مفتاح المذياع في الحدّ الأدنى للصوت، يتصفّح جريدته أو يتناول كتابا من الرفّ... سنغمغم ما يشبه "صباح الخير" بحكم العادة... إذا حدث وتصادفنا في البهو... دون أن نرفع عيوننا في وجه بعضنا... سأضع نظارتي وأشغل التلفزيون أبحث عن فرجة بليدة تنسجم مع حالة الكسل التي أغرق فيها يوما بعد يوم مع مراوغة آخر أخبار القتل قدر الإمكان... بحكم العادة أيضا، سأفتح الجريدة وأمرّ بعيني على صور السياسيين والفنانات والمجرمين ونجوم كرة القدم، ثمّ أقرأ المانشيتات القصيرة والمثيرة بحكم العادة دائما... سأضغط على زرّ الحاسوب أتفقد حسابي الإلكتروني وأقرأ رسائل يبعثها إليّ من حين لآخر أشخاص افتراضيون لن ألتقي بهم أبدا خلال ما تبقى لي من عمر وما تبقى لهم من عمر، أحمل نفسي أحيانا على الردّ بجمل نمطية تفوح منها رائحة النفاق الاجتماعي غير المبرّر، مع الاستفادة أحيانا من خدمات "القصّ والّلصق"... بحكم العادة طبعا (يناسبني هنا أن أغني أغنية comme d’habitude نسخة الثلاثي: الشاب خالد والشاب فضيل والشاب طه باعتبارها نسخة شعبية تناسب السياق الذي أنا بصدده) ثمّ أتوقّف أخيرا عند باحة الفيسبوك، أوزّع الكثير من "اللايكات" هنا وهناك كيفما اتفق، أحيانا بإحساس يكاد يكون صادقا وفي غالب الأحيان فقط في إطار المجاملة، أو لدفع هؤلاء الآخرين ليفعلوا معي الشيء نفسه: مجرّد تواصل بارد لا يستدعي أكثر من نقرة توهمك في النهاية أنّك نجحت في إقناعهم بأنّك هنا لم تغادر الدنيا بعد، وأنّ لك الكثير من الأصدقاء ومن المعجبين الذين ربّما يهمّهم أن تظلّ على قيد الحياة، وهذا طبعا سيثير انتباه أولئك الذين ليس لهم اعتراض كبير على كونك حيّا ترزق، كما سيكون الأمر مناسبة ذهبية لاستفزاز كلّ أولئك الذين يتمنّون أن تنسحب من فوق أديم الأرض وتستقرّ تحت التراب، ليوفّروا الأكسجين الذي كنت تتنفسه. أفترض مثلا أنّ زوجي سيطرح سؤاله الصباحي: "ماذا سنطبخ هذا اليوم؟" كسؤال ثابت لن يؤثر فيه تطبيق "الكوطا" السياسية.. وعندما يعود من الخارج أفترض أنني سأطرح سؤالي المسائي الذي يمنحني جرعتي اليومية من النميمة: "هل قابلت أحدا في المقهى؟" ثمّ نجلس صامتين نفكر في أصدقائنا الذين ماتوا. أطبخ يوميا الأطباق نفسها مع تنويعات شاحبة لا تنجح كثيرا في الإيهام بالتغيير، نجلس للأكل بلا شهية، بلا ضجيج حياة، بلا أولاد وبلا سعادة... نتابع النشرة الزوالية بلا تعليق، نتأمل وجه المذيعة الشابة ونفكر في الوقت نفسه أنّ العالم كان سيكون أفضل لولا نشرات الأخبار... ثمّ يتطوع أحدنا بإسكات التلفزيون ليتّجه كل منّا بعد ذلك إلى غرفته... إلى كسل القيلولة... (سأكون في هذه اللحظة قد حققت بالتأكيد ولو متأخرة، مطلبا صغيرا انشغلت عنه من فرط ذوباني في حياة أبنائي وزوجي والآخرين، ذلك المطلب الذي يلتقي ربّما بمطلب فرجينيا وولف الشهير في امتلاك غرفة خاصّة)... فيتفشّى الصمت ثانية في البيت.. قيلولة بلا منبّه وبلا سقف زمني.. قيلولة متقاعدين.. أعود إلى نفسي... إلى هنا والآن... (الرّجوع لله... ستقول أمي( جسدي لا زال يقف منتصبا أمام المرآة... الضوء يتسرب في هذه اللحظة حاملا معه هواء صغيرا عبر مربع النافذة... تبدو لي الفراشات الوردية بارزة بوضوح بفعل أسلاك الشمس البيضاء التي تحيط بها... أنتبه إلى تفاصيل أجنحتها الناعمة... أشعر فجأة أنها ستتحرّر من الستارة... أشعر فجأة أنها ستنسلخ عن اللون الأصفر الشاحب المتلاشي... وتطير... أتذكر أنّ الفراشات كانت دوما مسحورة بالضوء... الفراشات هذه الكائنات الهشّة المجبولة على الاحتراق. هي الآن تحاول أن تطير... تحاول أن تعانق السماء... تتمرّد على الصورة التي تدّعي أنّها مجرّد محاكاة... مجرّد طبيعة ميتة.. طبيعة ميّتة... فوق ثوب ستارة، يغطي مربع نافذة في حمام امرأة تدخل مرحلة العدّ العكسي:


عشرة


تسعة


ثمانية


سبعة


ستّة


خمسة


أربعة


ثلاثة


اثنان


واحد


صفر


أنتفض في مكاني مرعوبة... وجهي في مواجهتي مباشرة، ينظر إلي من داخل دائرة المرآة.. أنظر إليه بحنان غريب كأنّه وجه أحد أطفالي... أحسّ فرحا عارما متصاعدا يطفو أخيرا فوق وجهي...


"الحمد لله... لا أزال موجودة في الحاضر، لم تتمكن الشيخوخة بعد من روحي ومن جسدي... تخرج من حلقي ضحكة شابة مرحة، فيلتفت إليّ أولادي وزوجي متسائلين:


- ما بك؟؟


- لا شيء، فقط اكتشفت أنّ الفراشات ينبغي لها أن تطير في السماء يوما ما، وأنّ وجهي في المرآة ""Pas mal.


* (كلمة بالفرنسية تعني: لا بأس، ليس سيئا).