الإيـزيـديـون شعب الكلمة المنطوقة

19/04/2015 - 9:45:13

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

د. محمد حافظ دياب - أستاذ علم الاجتماع

أترك النظر هنيهة يحدق فى تضاريس الساحة، التى وجدتنى أجلس فيها فوق قمة جبل سنجار شمال العراق.


حدث ذلك فى إحدى ليالى عام 1988، حين ذهبت إلى هناك بتوصية من طارق عزيز وزير الخارجية العراقى وقتذاك، وكنت أثرت أمامه فى إحدى الندوات مشكلة الأقليات، وركزت على الإيزيديين.


كل مكان هنا تسيل معالمه القديمة، وتتحول إلى أزمنة متراكمة ومتعاشقة، تأخذ لحظاتها برقاب بعضها، وتنصهر من زمن ماضيه هو مستقبله، وحواضره نوازع مشبوبة يتلظاها البحث عن الهوية.


المنطقة فى سنجار منسوجة على هيئة طرق وسبل ومدقات، صاعدة هابطة، مشتبكة ومتقاطعة، ملتفة وموصولة، كأنها زخرفة عبقرية، أو مخطوطة رحيل، كلما أمحى منها حرف أردفه السعى بحروف، وكلما انقطع عرق تدفقت شرايين أخرى أزمنة بعد الأزمنة.


بدأت السهرة فى الساحة، حين انبرى بابا الشيخ، الأب الروحى للإيزيديين، فى سرد حكاية جماعته، مستعينا بحافظة أهل الجبل ودفق اللغة وجمر الذاكرة وبداهة غزلتها حناجر الأسلاف.


لم يكن يقص وحسب، وإنما يمثل المشاهد التى يرويها تمثيلا حيا، فيؤثر فى سامعيه من خلال كل حواسه، كأن ما يرويه يقع تحت سمعه وبصره، بينما الجميع ينصت، وأعينهم مصلوبة على بابا الشيخ، بينما عقولهم مشغولة بتوليد الدلالات.


هاهى اللغة تتأسس فى دفق الحكى، تعيد المثل أو المفاهيم والصور إلى موقع العبرة، فتستعيد أخلاقيات الجماعة المتنقلة عبر الأزمنة سطوتها، بحيث لم يعد يبقى بعد إنقضاء الحكى، إلا أن يحدس الجميع المغزى.


وفجأة، تنتصب قامات الصبايا والشبان الإيزيديين، ويشكلون حلقة تبدأ الرقص على صوت «غاورى»، إحدى الصبايا، فيما يضرب الجميع الأرض بأقدامهم، فيروحون ويغدون بهمة أشواق خلية للانقسام والتوالد.


 فسيفساء :


والموقع الذى يحتله الإيزيديون فى النصوص المدونة، يشوبه قلق إلى حد كبير، مع تراوح هذه النصوص، بل وتناقضها، حول مسائل عديدة تتصل بهم : هل هم إيزيديون أم يزيديون ؟ جماعة أم طائفة مغلقة ؟ مسلمون كما ينص على ذلك الدستور الإيرانى أم غير مسلمين؟ عرب أم أكراد؟ أهل كتاب أم لا كتاب لهم؟ موطنهم الأصلى فى مرج الشيخان حيث مقابر أمرائهم أم فى منطقة جبل سنجار ؟


يتضح هذا التناقض جليا فى كتابات العديد من الأنثروبولوجيين والجغرافيين والمؤرخين والرحالة وأصحاب التقارير الدبلوماسية والمذكرات، حين يوعزه البعض منهم إلى أن ماكتب عنهم كان بأقلام غير الملمين عمليا بأحوالهم ومعتقداتهم، ممن اعتمدوا على المرويات من القصص، وتناقل الأساطير والحكايات عنهم بلا إسناد موثق، فيما يرجعه آخرون منهم إلى انغلاق المجتمع الإيزيدى وخوفه من الأجانب والغرباء، نتيجة الاضطهاد والحروب المتواصلة التى مورست ضدهم، مما جعلهم يحيطون أنفسهم بهالة من السرية والغموض، على حين هناك من يرجع هذا التناقض إلى عدم وجود نصوص مكتوبة لهم. ويشار هنا إلى تسميات عديدة أطلقت عليهم فى فترات سابقة من مثل «الداسنية» و«التيراهية»، ثم بعد ظهور الشيخ عدى بن مسافر، وهو الشخصية الأكثر محورية فى معتقدهم، اشتهروا باسم «الصحبتية» و«العدوية» و«المكارية»، ويعرفون فى الوقت الحاضر باسم «الأزدانية» أو «النيرذيين» أو «الإيزيديين» أو «اليزيدية».


وترجع تسميتهم باليزيديين إلى الخليفة الأموى يزيد بن معاوية، الذين يؤلهونه وينتسبون إليه، وآخرون ينسبوهم إلى يزيد بن أنيسة الخارجى، وهؤلاء وأولئك يؤكدون على أنهم فرقة إسلامية منشقة، ويذهبون أبعد من ذلك، وهو عروبة الإيزيدية، باعتبارها حركة سياسية خالصة اختارت لها صبغة دينية تسير على هديها، قصد إعادة الحكم إلى الأمويين.


أما عن تسمية الإيزيديين التى أطلقت عليهم أيام سيطرة العثمانيين على كردستان والعراق، فالمعتقد أنها تنحدر من الكلمة الفارسية «إيزيد» بمعنى الملاك، أو «يزدان» بمعنى الله، وهو ما يجعل تسميتهم تتراوح بين اليزيديين والإيزيديين.


وهم، فى المجمل، خلاصة محيط فسيفسائى يتكون من ثقافات ولغات ومعتقدات آشورية وسيثية وسريانية وعربية، وهو ماجعل التهجين المتبادل لديهم يصل إلى ذروته، بين ما يطلق عليه، كمثال، أديان كتابية وأخرى ذات تراث شفاهى، كونت طبقات من العقائد المتباينة، أو مايخص الملبس، حيث ملابس رجالهم قريبة من الزى العربى، وأثواب نسائهم سريانية، وأزياء أطفالهم آشورية، وهو ما حدا بحدوث واحدة من أكثر الأساليب الحضارية التوفيقية فى تاريخ البشرية.


 إضاءة :


ولدى الأمير الكردى شرف الدين البدليسى فى القرن السادس عشر، يعود أصل الإيزيدية إلى اليهود، باعتبارهم من بقايا القبائل المفقودة لبنى إسرائيل، على حين يرى الإيرانيون أنهم انحدروا من قبائل ««الجيبرس»، ويرى العثمانيون أنهم مرتدون فى الأصل، وكان عليهم، مهما كان الأمر، أن يعودوا إلى حظيرة الإسلام، وهو ما يخطئه البدليسى، حين ذكر أنهم كانوا فى شمال بلاد مابين النهرين قبل الإسلام بفترة طويلة.


ولم يتردد البعض، مثل المؤرخ الفرنسى جيرينو، فى أن يقرر أنهم ليسوا أكرادا وإن تحدثوا بالكردية، فهم لديه، من أصل مختلف، وربما يكونون آخر من يمثل أحد الأجناس غامضة الجذور أو منحدرين إما من الآشوريين أو من أهل البلاد الأصليين فى كالديا وهم الأكاديون، فيما يرى آخرون أنهم يمثلون الحيثيين، ممن كانوا يحتلون المنطقة قبل الغزو الآشورى.


ويرى الباحث العراقى سعدى الأحمد، أنه ليس بمستحيل أن تستقر جماعة من الآشوريين فى وادى لاليس، وهى كعبة الإيزيديين، بعد سقوط نينوى عام «612» قبل الميلاد، وأفروا شعائرهم الدينية هناك.


وحسب مايقرر الجغرافى الإنجليزى لابارد، فإن الإيزيديين قد يكون لهم عصر خاص بهم، يفترض أنه بدأ عام «292» ميلادى، عام موت زعيمهم «مانى»، فى حين يرى آخرون أنهم ينحدرون من المانوية، مختلطة بتذكارات آشورية وفارسية ومسيحية وإسلامية.


ومنذ سقوط عاصمتهم «هاترا» منتصف القرن الثالث الميلادى، تعرضوا لما يقارب مائة حملة إبادة، انتهكت خلالها ديارهم وحرماتهم، لدرجة يجوز معها القول إن تاريخهم بمثابة حلقة متصلة لحملات الإبادة ضدهم، بدءا بحملة ميرجعفر الداسنى أيام الخليفة العباسى المعتصم، وانتهاء بقيام تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مؤخرا بالاستيلاء على مناطق إقامتهم، وذبح المئات من رجالهم ودفن بعضهم أحياء، واحتجاز نسائهم كإماء وعرضهن فى سوق النخاسة بمدينة الموصل كى يتحولن إلى جوارى متعة، وكل ذلك بذريعة أن الإيزيديين ليسوا أهل كتاب، ومن ثم وجب شن «حرب مقدسة» عليهم، لأنهم ليسوا بذميين، على أساس أن وضع الذمى، وهو من الرعايا غير المسلمة فى الدولة الإسلامية، محتجز فقط لأهل المكتاب، فيما هم لايمتلكون كتابا مقدسا شأن الذميين من أتباع الديانات الأخرى.


 التركيب السكانى :


وينوه هنا بصعوبات إجرائية، تتصل بالمصادر ذات الصلة بالتركيب السكانى للإيزيديين، بالنظر إلى محدودية هذه المصادر، وقلة البيانات الإحصائية، وأحيانا عدم دقتها، بسبب من التعديلات الإدارية المتكررة لمواطن إقامتهم، ماترتب عليها صعوبة مقارنة البيانات، إضافة إلى أن التعدادات الرسمية لم تتضمن بيانات تفصيلية عنهم.


ومع ذلك ورغمه، فبحسب أرقام لمنظمات تابعة للأمم المتحدة، يقدر تعدادهم فى العالم بحوالى «00،550،2» إيزيدى، يعيش قرابة «750» ألف منهم فى العراق، و«30» ألفاً فى سوريا، ومثلهم فى إيران، و«500» فى تركيا بعد ما كان عددهم هناك أكثر من «25» ألفا فى بداية الثمانينيات، هاجر أغلبهم إلى أوروبا، كما تتواجد أقليات منهم تتوزع بين أرمينيا وجورجيا تعود أصولها إلى تركيا، ومجموعات صغيرة فى ألمانيا وفرنسا والنمسا والولايات المتحدة، أقاموا هناك معابدهم، وأصدروا فى السويد دورية «صوت الإيزيدى».


ومن أشهر مواطنهم السابقة : جزيرة ابن عمر «بوطان»، والموصل، ودهوك، وديار بكر، وحلب، وأورفا وخوى بإيران، وإن انكمش هذا الانتشار تحت ضغط حملات الإبادة وفرمانات الدولة العثمانية. وأكبر تجمعاتهم اليوم فى العراق بمحافظة نينوى وعاصمتها الموصل، ويوجدون فى منطقة جبال سنجار أو شنكال، وفى قضاء الشيخان، وبعشيقة، ونجرانى، وزمار، والقوش، وفى الوديان الكردية المنعزلة، وفى محافظة دهوك بمناطق شاريا، ومجمع فامك، ومنطقة ديرمبون.


وفى سوريا، يقيمون فى مناطق القامشلى، وعفرين، ومنطقة الجراح والقرى التابعة لها. أما فى تركيا، فيوجدون فى ماردين، وسيرت، وأورفا، وقارس، وأعزى وأردهان على حدود أرمينيا، التى تضم مجموعة منهم داخل عاصمتها وفى قرى جبل أرارات، فيما يوجدون بجورجيا داخل العاصمة تفليسى.


وبسبب من عزلتهم الدينية والجغرافية، يمثل الإيزيديون اليوم طائفة عرقية منفصلة تماما عن الأكراد، وإن شاركوهم اللغة الكردية، ويستخدمونها فى صلواتهم وأدعيتهم وطقوسهم، فيما يتحدث بعضهم العربية، خصوصا إيزيدية بعشيقة قرب الموصل، واللغة القديمة «مودى» عند الدعاء.


ويتناقلون، فى هذا الصدد، أسطورة تذهب إلى أن الله لايتكلم السريانية كما يذكر المسيحيون، ولا العبرية كما يورد اليهود، وإنما يتحدث الكردية باعتبارها اللغة الحقيقية.


وهم يرون فى أنفسهم عرقا لا نظير له، ويبرهنون على سمو نبالتهم وتمييز أنفسهم عن بقية العالم بأنهم أبناء النور، لا أبناء الطين شأن غيرهم، وأنهم انحدروا من آدم وحده دون ارتباط بحواء، عكس أتباع الديانات الأخرى الذين ينحدرون من الزوجين آدم وحواء.


وآدم الذى ينحدرون منه هو، لديهم، آدم الأصلى الذى خلقه الله فى السماء، بينما هناك، «71» آدم آخرين خلقوا على الأرض، وحكم كل منهم «000،10» سنة، وأن الإنجيل والقرآن يخبرانا فقط ماذا حدث بعد آدم الأخير.


 نسق المعتقد :


والإيزيديون يعرفون بين أهالى أرمينيا بأنهم «عبدة الشمس»، ويعتقد أنهم من المنشقين عن العقيدة الأرمينية، التى يقال أنهم تخلوا عنها حوالى منتصف القرن التاسع، ويطلق عليهم الأتراك والفرس «عبدة الأصنام»، بينما يتفق بعض المسلمين على أنهم «عبدة الشيطان» أو «عبدة إبليس»، ولا يستبعد المؤرخ الأمريكى جاكسون وجود رابطة محتملة يبن «عبدة الشيطان» الذين ورد ذكرهم فى الأفستا، والإيزيديين فى الوقت الحاضر.


على أنه يمكن القول إن الإسلام وحده هو الذى أحدث تأثيرا فى شخصية الإيزيدية راهنا، بسبب من روابط أحدثتها عوامل القرب، على حين أن العنصر الإيرانى هو من لعب الدور الأهم فى نسقهم الاعتقادى، إلى الدرجة التى قد تغرى بالقول أن هذا النسق بمثابة صيغة كردية زرادشتية، فيما يرى باحثون أن الإيزيدية أقدم من الزرادشتية بل والهندوسية.


ورغم المحاولات الدائبة لإدخالهم إلى الإسلام، لايزال الإيزيديون يتمسكون فى إصرار باستقلاليتهم الدينية، وإن بدت عقيدتهم ليست بعيدة تماما عن الأديان، حيث استمدوا أفكارها من الديانات الفارسية القديمة، وبالذات الزرادشتية والمانوية، كما تأثرت بالديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية. فمن يعيش منهم بين المسيحيين، يشاركونهم بعض الطقوس مثل التعمد بالماء، وتناول القربان، وشرب الخمر الطقوسى، وزيارة الكنائس، وعدم ممارسة الختان، والإيمان بنبوة أحد حواريى المسيح.


ومن يقيم منهم مع المسلمين، يعترفون بالإمام المسلم عدى بن مسافر نبيا لهم، ويشاركونهم الاحتفال بالمولد النبوى، وصيام ثلاثة أيام من شهر رمضان، ويمارسون مثلهم الختان.


ومن يجاورون الشيعة منهم، تأثروا بفكرة المخلص ونزول المهدى المنتظر الذى سيملأ الأرض عدلا فى آخر الزمان، ويشاركونهم الاحتفال بمولد الإمام الحسن البصرى. وهم فوق ذلك كله، يربطون عقيدتهم بتبجيل الإله «نابو» البابلى، والذى كان يعبد فى مدينة «بورسيبا» حيث معبده الرئيسى المسمى «إيزيدا» ويقدسون معبوداً هو «الطاووس الملاك»، ويذهبون للصلاة عليه فى معبدهم «لالش»، وكاهنا كلدانيا يدعى «لوسيفر».


وعبر هذا الخط الواصل بين الديانات، وفى إطار هذه «المنطقة المعتقدية» المعقدة، يقيم الإيزيديون عبادتهم الغامضة والمفعمة بالأسرار، والتى قد يجلب البوح بها شراً لصاحبها، فيما الاحتفاظ بها يمنحهم قدرة على مقاومة سيطرة الأغيار، وحذراً ووحدة وبقاء، ما ظلت أسرارهم فى طى الكتمان.


ويتناقل الإيزيديون أن عقيدتهم قد تأسست فى مدينة «يزد» الإيرانية مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، على يد شخص يدعى مالك حيران، الذى يعتبرونه الجد الثانى بعد آدم، ويرون أنفسهم أتباعاً لدين مستقل تماما عن الأديان الأخرى.


 الإطار الثقافى :


ولعل من أول الملامح الثقافية لدى الإيزيديين، هو ضعف دائرة التفاعل وخطوط الاتصال مع الجماعات المجاورة لهم، يترجمها تحريم الزواج منهم وتفضيل الزواج الداخلى، وعدم وجود مكان لأجهزة التليفزيون فى مساكنهم أو تجمعاتهم، وعدم تغير نمط المسكن من حيث الشكل والمكونات والمقتنيات المنزلية، واقتصارهم على زراعة الأرض دون أنشطة اقتصادية أخرى تذكر، وإن لوحظ أنهم يعطون حرية أكبر للمرأة فى الخروج والعمل، وسيادة قيم المشاركة والتكافل الاجتماعى بينهم ويتحدث باحثون عن كتب مقدسة للإيزيديين، أهمها «كتاب الجلوة» لعدى بن مسافر، و«مصحف رش» أى الكتاب الأسود بالعريبة، وإن اقتصر الإطلاع عليهما فى عدد محدود من مشايخهم.


ذلك أنهم، بعامة، يكرهون الكلمة المكتوبة، ويتباهون بأميتهم وبأنهم «شعب الكلمة المنطوقة»، ويرون أن فهم أصحاب الديانات الأخرى قد غمض، لأن لديهم كثير جدا من الكتب، أكثر مما ينبغى، فقوة الكلمة المنطوقة لديهم لها تأثير طاغ على الأشياء والكائنات، لدرجة أنهم يعتقدون أن الكلمات يمكن أن تقتل أو تشل الفرد، عندما يتم النطق بها بطريقة معينة وفى وقت محدد.


ولدى عديد من الباحثين، لايدق تماثل هذه الشفاهية، فى حالة الإيزيديين، مع مصطلح ماقبل الكتابى، اعتباراً من طرحه الشفاهى نظاما معياريا أول، بوصفه انحرافا عن النظام المعيارى الكتابى من وجهة نظر الكتابيين، وليس موضوعا فى سياقه التاريخى.


ويتواتر هذا التراث الشفاهى لديهم، على أية حال، بواسطة الرواية الشفاهية، يزيدها تواصله مع معتقدات طقسية، لعل من أبرزها تحريمهم الزواج من أبناء الديانات الأخرى، حتى لايتهجن هذا التراث مع غيره. كما أنهم يحرمون التبول والبصق على التراب أو النار أو الماء أو حتى الهواء، لكونها تشكل العناصر المقدسة للكون، وهى عناصر شفاهية يحرم المساس بها أو التدوين عليها، فيما الحفاظ على شفاهيتها قادر على صنع أجوبة فاعلة باتجاه التأثير المهيمن.


واتساقا مع قوة الكلمة المنطوقة لديهم، يعد الدعاء من أبرز طقوسهم الدينية، ويتلى لثلاث فترات مع شروق الشمس والظهيرة والغروب، حيث يدعون بالخير والسلام للبشرية، فيما تتواتر أدعية أخرى تتلى على المريض فى هيئة «تعازيم»، وأخرى تقترن بحدوث الكوارث، منها مايختص بظاهرة كسوف الشمس وخسوف القمر.


تراودنى، لم تزل، ذاكرة تلك الليلة التى شاركت فيها الإيزيديين جلستهم فوق قمة جبل سنجار، حيث علا صوت غاورى بالغناء، وظل يهدل حتى مطلع الفجر، لتنتهى السهرة حين مسحت النساء العجائز وجوههن بالراحتين، وتلمسن البساط المفروش على الأرض تطيراً، وتنهدن.