الرسالة المحمدية تستعيد مصداقيتها بالقراءة المعاصرة

19/04/2015 - 9:41:39

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

د. محمد شحرور - كاتب من سوريا

    من باب الغيرة على الدين الإسلامي الحنيف، نطرح سؤالاً مهمّاً على كل غيور عليه مثلنا: إذا كنا نحن جميعاً كمؤمنين بالرسالة المحمدية نتشدق بالحديث عن رحمة وخاتمية وعالمية هذه الرسالة فلماذا لا نجد مكاناً لا للرحمة ولا للخاتمية ولا للعالمية خاصةً فيما بين أيدينا مما ورثناه من فقه في كتبنا بسبب ما فيه من إصر وأغلال. فهذا الفقه حوَّل الدين الإسلامي إلى تشريع محلي خاضع لأحكام مرحلية ظرفية قاسية ومتشددة لا مكان للرحمة فيها، حتى أنّ لجان الإفتاء أو ما يسمى باللجان الشرعية جعلت من نفسها عملياً ظل الله في الأرض بحكم أنها توقّع عن الله باعتبارها المفتي الشرعي الوحيد في المجتمع الإسلامي كما وصف ابن القيم الجوزية المفتي بأنه «الموقع عن الله» الذي ينوب عن الرسول الأعظم كما وصفه الشاطبي بقوله: «القائم مقام عن الرسول».


    فأصبح بذلك كل من يحيد عن «الفقه الإسلامي» ويسمح لنفسه بالاجتهاد وفق ما تقتضيه متطلبات مجتمعه ومعطيات عصره كالأنظمة الوضعية وبرلماناتها، يوضع في زمرة «من لم يحكم بما أنزل الله» ويتم نعتهم بوصف (الكافرين ـ الظالمين ـ الفاسقين)، لأن القائمين على المنظومة التراثية قاموا بتقديس كل الموروث الفقهي، فأغلقوا بذلك باب الاجتهاد بالمعنى الحقيقي له وأبقوا الباب مفتوحاً فقط للقياس، أي قياس الشاهد على الغائب، هذا القياس الذي أوقعنا في قياس مزدوج لأننا نقيس على الفقهاء كالشافعي وغيره، فالقياس الأول قياس شاهد بغائب والقياس الثاني قياس الشافعي على العمل النبوي فهو قياس غائب على غائب، حتى وجدنا أنفسنا في أزمة تشريعية أُحمِّل السادة الفقهاء تبعاتها لأنهم رموا بالأمة في غيابات التخلف بسبب اعتمادهم على الفقه الإسلامي الذي صاغ العقل الجماعي والفردي وجعله عقلاً قياسياً رجعياً عاجزاً عن إنتاج المعرفة، بعد أن حاصر العقل العربي واعتقله فكرياً. وبدلا من أن تكون الرسالة المحمدية رسالة يسر صارت رسالة أغلال بناء على هذا الفقه.


    مع أنه لا يخفى على كل مهتم بأن القوانين التي كانت موجودة في الشرائع التي سبقت الرسالة المحمدية جاءت كلها جائرة وقاسية، لهذا لما تم إرسال الرسول (ص) قال عز وجل في محكم تنزيله: (...وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...) (الأعراف: 157)، فقد بعث (ص) لفكّ هذه القيود التشريعية التي كانت مضيقة الخناق على أهل التوراة والإنجيل بما كان في شرائعهم الحدية من عقوبات جسدية مريعة، لهذا قال عنه عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، ونحن لا نريد الاكتفاء بقراءة هذه الآية والتغني بجمال تركيبها اللغوي، بل الأهم من ذلك عندنا هو الغوص في أعماقها لرؤية مصداقيتها على أرض الواقع، لأننا نريد أن ندرك تمام الإدراك أين تتجسد مصداقية كلٍّ من الرحمة والعالمية والخاتمية التي جاءت بها الرسالة المحمدية. لكن كيف لنا أن ندرك خاتمية الرسالة المحمدية؟ أي لماذا كان الرسول آخر الأنبياء والمرسلين، ولم يكن هناك رسول بعده؟ وكيف تتحقق هذه الخاتمية بما فيها من عالمية ورحمة؟


أ ـ الخاصية الأولى: الرحمة:


    ذكرت الرحمة في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107)، لأن الله عز وجل أراد أن يشفق على عباده من هول التشريعات الحدية العينية التي كانت موجودة قبل البعثة المحمدية، لهذا قال: (...ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ...) (البقرة 178). وبهذا صارت الرسالة المحمدية بمثابة الرحمة المهداة للإنسانية من الله عطفاً بها لأنه سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة في قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ...) (الأنعام 54)، هذه الرحمة التي ترددت في مواضع عديدة في التنزيل الحكيم أقر الله بوجودها في الدنيا والآخرة، فأما في الآخرة فتتعلق بالفوز بالجنة والنجاة من النار لعباده المؤمنين كما في قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (آل عمران 107)، هؤلاء الذين تطالهم رحمة الله في الآخرة وهم: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف/157).


    فالفوز بهذا الثواب كما تبينه آية الأعراف إنما يكون ثمرة اتباع هؤلاء للرحمة المهداة إليهم في الحياة الدنيا بانتهاج صراطه المستقيم مصداقا لقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (النساء 175). ورحمة الله جاءت لعباده المسلمين من المؤمنين من أمة محمد (ص) وغيرهم من الملل الأخرى باتباعهم لصراطه المستقيم، فتلك هي الرحمة المهداة إلى الإنسانية جمعاء في رسالته الخاتمة. وجميعنا يعلم أن الرسول الأعظم (ص) قد بعث سنة 610 ميلادي، ونحن الآن في عام 2015 ميلادي، أي أن الفرق بين الزمنين هو 1405 سنوات بالضبط، وقد كانت هناك قبل بعثته حضارات كثيرة بدءاً بحضارة أهمها فترة حمورابي التي وجدت حوالي سنة 1800 قبل الميلاد، مما يعني أن الفارق الزمني بين بعثته وبين عهد حمورابي هو 2400 سنة، والفارق ما بين موسى والرسول الأعظم من فارق زمني أكثر مما بين الرسول وبيننا، وهذه الحضارات السابقة كلها كانت لها تشريعات، ولهذا لا يمكننا أن ندرك الرحمة في رسالته (ص) إلا بعد مقارنتها بما سبقها من تشريعات.


    فالشريعة التي وضعت من قبل حمورابي سنة (1800) قبل الميلاد تتضمن (282) بنداً تشريعياً كما ذكرنا، منها (16) بنداً خاصاً بالعقوبات الجسدية كقلع عين وقطع يد وجدع أنف وغيرها، و(33) منها عبارة عن عقوبات إعدام. أما شريعة موسى فقد تضمنت (4) عقوبات جسدية و(16) عقوبة إعدام. ورغم أننا نلاحظ أنه قد تم تقليص عدد العقوبات من شريعة حمورابي إلى شريعة موسى، إلا أننا نجد أن العقوبات الجسدية وعقوبات الإعدام ظلت قائمة، ولم تنسخ إلا بمجيء الرسالة المحمدية، فهي الرسالة التي نسخت شريعة موسى بما طرأ عليها من تعديلات جاء بها المسيح عيسى فيما بعد ولم تبق إلا على ثلاث عقوبات هي عقوبة القتل كقصاص لقتل النفس وعقوبة الجلد للفاحشة العلنية (الزنا) ولجريمة القذف، والثالثة عقوبة الحبس (قطع اليد بالمفهوم المعاصر) للسرقة. ولهذا قلنا بأن النسخ جاء بين الرسالات المتعاقبة وليس كما يعرفه الفقه التراثي، فالنسخ جاء بشريعة التخفيف عن الناس رحمة ورأفة بهم، لأن الرسالات السابقة للرسالة المحمدية جاءت فيها عقوبات قاسية ووحشية سماها التنزيل الحكيم إصرا وأغلالا قامت الرسالة المحمدية بنسخها فاستحقت بأن تكون رسالة رحمة للناس لأنها خففت عن الناس العقوبات التي كانت مفروضة عليهم.


ب ـ الخاصية الثانية: العالمية:


    إن عالمية الرسالة المحمدية تتجلى في شموليتها كما جاء في قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف 158)، فعالمية الرسالة المحمدية تتمثل في شمولها لكل جوانب التشريع الإنساني من خلال نظرية الحدود الخاصة بالتشريع التي سمحت لها بأن تكون شاملة واستحقت بها أن تكون خاتمة الرسالات الإلهية كلها، لأن الحدود الواردة في الرسالة تجعل منها رسالة قابلة للتطبيق في كل التشريعات الإنسانية عبر مر العصور والأزمنة، لاستيعابها لكل التشريعات الإنسانية مهما تعددت واختلفت، بحالاتها التالية: حالة الحد الأعلى وحالة الحد الأدنى وحالة الحدين الأعلى والأدنى معا وحالة المستقيم فقط وحالة الحد الأعلى لخط مقارب دون المساس بالحد أبدا أي الاقتراب من الحد دون أن تمسه وحالة الحد الأعلى موجبا والحد الأدنى سالباً. هذه هي الخطوط المستقيمة "الثوابت" والتي تعطينا مجال الحركة الحنيفية في التشريع "التغير.".


1 ـ  حــالة الحــد الأدنى:


    أ‌ورد الحد الأدنى من حدود الله في آيات المحارم وهي:


ـ (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) (النساء 22).


ـ (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ....) (النساء 23).


    لقد وضع الله في هاتين الآيتين الحد الأدنى في تحريم النكاح وهو الأقارب المذكورين في الآيتين (22، 23) من سورة النساء فلا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوز هذا الحد نقصانا على أساس أنه اجتهاد، ولكن يمكن الاجتهاد بزيادة العدد، فإذا بين علم الطب أن الزواج من الأقارب كبنات العم والعمة والخال والخالة المباشرين له آثار سلبية على النسل وله آثار سلبية على توزيع الثروة، فيمكن أن يصدر تشريع يمنع زواجا من هذا النوع دون أن نكون تجاوزنا حدود الله.


2 ـ حالة الحد الأعلى: حدود العقوبات في السرقة والقتل:


أ ـ (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) (المائدة 38).


    في هذه الآية بين العقوبة القصوى للسارق وهي قطع اليد أي أنه لا يجوز أبدا أن تكون عقوبة السرقة أكثر من قطع اليد ولكن يمكن أن تكون عقوبة السرقة ما أقل من قطع اليد، فما على المجتهدين إلا أن يحددوا حسب ظروفهم الموضوعية ما هي السرقة التي تستوجب العقوبة القصوى، وما هي السرقات التي لا تستوجب العقوبة القصوى، وما هي عقوبة كل سرقة.


ب ـ (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا). (الإسراء 33).


    هنا بينا العقوبة القصوى للقتل بغير حق وهي الإعدام لذا قال: (فلا يسرف في القتل)، أي أنه لا يجوز أن تكون العقوبة القصوى للقاتل ظلما وعدوانا هي قتله هو وأهله، فهنا يجب على المجتهدين توصيف جريمة القتل التي تستحق العقوبة القصوى وهي الإعدام والتي تسمى جريمة قتل مع سابق الإصرار والترصد، ولكن هناك جرائم قتل يمكن أن ترتكب ولا يعاقب عليها بالإعدام مثل القتل غير المتعمد والقتل دفاعا عن النفس… وهكذا دواليك. وهناك أيضا عفو أهل القتيل لذا قال: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). (البقرة 178). علما أنه قد ورد في التنزيل الحكيم ثلاث عقوبات حدية لا أكثر والتي تم فيها تطبيق الحد الأعلى وهي كما رأينا القطع للسرقة، والإعدام للقتل العمد، والجلد للزنا وهو الجماع العلني والجلد للقذف أيضا، مع الإشارة إلى أن كل تشريعات العالم لها موقف من هذه الحالات ولا تطبق فيها الحد الأعلى.


3 ـ حالة الحــد الأدنى والأعلى معـا: نجدها مطبقة في حالات الميراث كما في قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف). (النساء 11).


4 ـ حالة: الحد الأعلى موجب مغلق، والحد الأدنى سالب مفتوح: وهي العلاقة المالية بين الناس، وهذان الحدان يمثلان الربا كحد أعلى موجب والزكاة كحد أدنى سالب، وهذا الحد يمكن تجاوزه بالصدقات وبما أن هناك موجبا وسالبا فهناك حالة الصفر بينهما. أي هذه الحالة تشمل الربا "الموجب" والقرض الحسن "الصفر" والزكاة والصدقات "السالب".


    وكما تظهر عالمية الرسالة المحمدية من خلال نظرية الحدود، فإنها تظهر كذلك من خلال القيم الإنسانية التي جاءت بها، والتي تعبر عن المرجعية الأخلاقية العالمية لأنها تضم القيم الإنسانية العالمية التي يتفق عليها جميع الناس لأنها تتماشى مع الفطرة الإنسانية وتمثل جوهر الدين الإسلامي وروحه. وقد تم التعبير عنها في التنزيل الحكيم بالمحرمات التي تم إغلاقها وحصرها وتعداداها وجعلها خاصة بالله عز وجل دون سواه.


الخاصية الثالثة: الخاتمية:


    قال تعالى في محكم تنزيله: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب 40).، والرسول هو الخاتم لأنه تم ختم الرسالات السماوية برسالته، ولا يمكنها أن تكون أهلا لذلك إلا إذا تم فيها وصول الشيء لآخره، وآخر ما وصلت إليه الرسالة المحمدية هو الرحمة التي فتحت أبوابها على مصراعيها للإنسانية جمعاء بما جاء فيها من يسر وتخفيف، وأهم بند ختمت به الرسالة الإلهية هو المحرمات التي تم ختمها بشكل نهائي في الرسالة المحمدية، بحيث تم بها إغلاق التحريم بصورة نهائية وفيها تتجلى خاتمية الرسالة بمعناها المباشر بحيث أصبحت بها الرسالة المحمدية تستحق أن تكون هادية للإنسانية وأن توصف بالخاتمة. علما أن تشريعات كل برلمانات العالم لا تخرج عن دائرة الرسالة المحمدية بل تدور ضمن حدود الرسالة ولا تتجاوزها ما عدا بعض دول العالم التي قامت بقوننة الزواج المثلي وفي ذلك تعد على الرسالة المحمدية.


     لقد جعل الله عز وجل هذه الرسالة الخاتمة الموجودة بين دفتي المصحف الذي تم تنزيله وحفظه من قبله عز وجل كما صرح به في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9). وهذا الحفظ لم يأتِ هباءً منثوراً، بل جاء ليرسّخ النص النظري للرسالة العالمية كي يبقى شاهداً على رحمتها وخاتميتها وعالميتها. وهنا قد يسأل سائل قائلاً: كيف يمكن لهذه الرسالة المحفوظة من رب العالمين أن تتصف بالعالمية، ومع ذلك لا تستوفي في نصوصها كل التشريعات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته اليومية عبر كل العصور والأزمنة؟


    لإزالة هذا اللبس علينا التوضيح أن النص المحفوظ للرسالة بين دفتي المصحف إنما هو نص نظري مجرد، بينما تطبيقاتها العملية خاضعة للاجتهاد الإنساني، وقد حصل تفاعلها الأول مع الواقع في العهد النبوي الذي يمكن اعتباره التجربة الأولى عن إمكانية تطبيق هذا النص المجرد في العالم المادي المحسوس. لهذا فإن النص النظري للرسالة يعبّر عن الصورة المجردة لها القابلة لآلاف التطبيقات وفق الشروط الزمكانية للمجتمعات وظروفها. وإن كان هذا الأمر يوضح بشكل لا يقبل الشك أنّ الرسالة المحمدية رسالة عالمية وخاتمة تصلح لكل الأزمنة والمجتمعات، لكن بقراءتها المعاصرة التي تمكنها من استعادة هذه الخصائص التي فقدتها في المنظومة التراثية لأنها تستوعب كل الاجتهادات الإنسانية التي تبقى جلها تدور في مجال حدودها دون الخروج عنها. ومع ذلك فقد وضعت ضابطا أساسيا لهذا الاجتهاد بضبط المحرمات وتحديدها وجعلها عينية ومنع الاجتهاد فيها إضافة أو حذفا أو تعديلا، لأن المحرمات بحكم كونها أبدية فلا يمكن أن تكون إلا إلهية وتمثل الحاكمية الإلهية المطلقة التي لا يحق لأحد غيره عز وجل الخوض فيها. لكن بمقابل حصر الرسالة المحمدية للمحرمات بجعلها محددة أي حصرها بـ (14) محرما وعينية وبالتالي غلق الاجتهاد فيها، فقد سمحت الاجتهاد في غيرها من الأمور المتعلقة بحياة الإنسان كالنواهي والأوامر وكتقييد الحلال وإطلاقه. وعليه فإذا كان القول بعالمية وشمولية الرسالة المحمدية وخاتميتها يقتضي أمرين مهمين: أولهما كونها حدودية (نظرية الحدود) وليست حدية كما يظن السادة الفقهاء، بحيث إن قطع يد السارق، أي كف يده عن المجتمع بالسجن وانتهاءً بالسجن المؤبد كحد أعلى (وليس كما يطرحه الفقه بأن قطع اليد أي البتر). وعقوبة القتل للقاتل هي الحد الأقصى لعقوبة القاتل. ومن هنا نرى أن معظم التشريعات الإنسانية في المجتمعات المدنية الصادرة عن البرلمانات هي ضمن حدود الله، وفي هذا المفهوم هي تحتمل الاختلاف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر وكلها صحيحة مقبولة لأنها ضمن حدود الله، وهذه هي الحنيفية. وثانيهما أن يحمل الحرام فيها طابع الأبدية والشمولية والعينية مما يقتضي وجود حاكمية إلهية محضة متجلية في غلق باب المحرمات بحصرها وتعدادها ومنع الاجتهاد فيها ويقتضي بالمقابل وجود نوع أخر من الحاكمية يسمح فيه للإنسان بالاجتهاد ضمن حدود الرسالة المحمدية وهذا النوع من الحاكمية قسمان هما الحاكمية (الإلهية ـ الإنسانية) من جهة والحاكمية الإنسانية من جهة أخرى.


    وهذا التقسيم قد يدفع القارئ الكريم إلى التساؤل عن الفرق بين الحاكمية الإلهية وغيرها من النوع الثاني من الحاكمية، وهذا ما سيتم التطرق إليه بالتفصيل في مقال قادم بإذن الله لبيان مدى رحمة الرسالة المحمدية وعالميتها وشموليتها باستيعابها في إطار منظم لكل التشريعات الإنسانية رغم اختلاف ظروفها ومستوياتها المعيشية والمعرفية، بغرض بناء دولة مدنية يتم فيها احترام حريات الأفراد وخصوصياتهم وبالمقابل ضمان حقوقهم دون تمييز مهما كان نوعه.