الروائح

19/04/2015 - 9:36:15

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

حسن إغلان

  ثلاث روائح تجذبني كلما دخلت بيته، رائحة الأوراق والسجائر والقهوة، لم أكن أميز بينها، كـأنها موغلة في روحي، أو بالأحرى كأني أحملها بين العظام، هكذا يبدو البيت، أما هو فقد غيبته الصور المعلقة على الحيطان، ثلاث كنبات بشكل يفيد الجلسة أو ما يشبهها. لم أكن أدخل إلى بيته إلا لأتلمس حواسي البعيدة، حواس ترتق الفراغات الموجودة في الجسد.. جسدي أنا المرفوع بتلك الروائح.. هي ما يميزه عن باقي البيوت الأخرى. البيت أضحى معبدا لي أنا وحدي.. ووحدي أجلس قبالة الصور، أحاول التفسير ولا أستطيع، أسرق رائحة القهوة من مطبخه، يضع لي كأس ماء وفنجان قهوة، يدخن قليلا، يتمدد الدخان في الصالة ليجتمع في لوحة لا أذكرها، لأنها لا تحمل المعنى، كأن المعنى مدسوس في رائحة الأوراق أو التبغ، أو متكئ على ملعقة وسكر، أجمع هذا الثلاثي كي أصنع المعنى، وحين صنعته، تسرب في الأغنيات القديمة لبلاد الشام، وأخرى لأغاني البوادي القديمة. أغير جلستي من مكان إلى آخر، أقشره كما لو كنت أقشر الليمون لأراه طفلا أمامي. ألاعبه قليلا وأسكت جوعه، قلت في داخلي: لم تحجبني الروائح وأتعرى أمامها؟ أحاول عبثا القبض على الأولى، ولا أشد غير الضباب، أود جمعها في رائحة واحدة، لكنها تنزلق من أصابعي كالماء، أشرب ما تبقى من حليب بدون كأس، ولا حتى سكر، أغسل الحليب بالقهوة حتى لا تلتصق شفتاي.. أقول الآن بدأت الفهم. لكن بعد اعتلاء الموسيقى السقف أجدني لا أفهم  شيئا. أعود إلى جلستي أتلمس أعضائي عضوا عضوا، وأراقب الصور المعلقة على الحائط كي لا تطير. رائحة الأوراق كرائحة الشجر في الخريف، ورائحة القهوة تشبه العراك في آخر الليل، بينما رائحة التبغ ستارة لما تبقى من عري الصور. انتبهت إلى أنني حمقاء، لا أجيد اللعب على الحبال، ولا أتمتع بالغزل عندما يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، ولا أرى النهار إلا ليلا، ولا أحب مشاهدة مباريات كرة القدم، ولكني أعرف حدود حواسي، وأكثرها اشتغالا حاسة الشم، تسبقني هذه الحاسة في كل شيء، من عتبة البيت إلى الشعيرات المصطفات بقليل من العناية في جسده، هو لم ينتبه إلى عريه، وإلى الموسيقى التي ترفعه إلى السماء، ربما هو يزعج السماء بتلك الموسيقى البعيدة، أو هو ربما يعشق أن يرى الملائكة يرقصون على الأرض وليس في السماء، للموسيقى رائحة لا يشمها غيري، كأنها الجامعة لتلك الروائح.. أعرف إن امرأة ملثمة بالنميمة تطرز الآن تقريرها بالأظافر لشيخ الحومة أو لقائد المنطقة أو لحارس الظلام... ماذا ستقول في تقريرها؟ ستقول إني عريته وسترته بالموسيقى وأشياء أخرى، ستقول إني وضعته على مكتبه، أو أني فرشته على عتبة البيت، لتقل ما تريده فأنا امرأة حمقاء مجنونة بروائح بيته، ستسألني هذه النمامة عن تاريخ الحواس، وعن حاسة الشم التي أجيدها في الحي والعمل وما إلى ذلك.. لن أجيب عما أهداه الله لي، لتسأله إذا كانت شجاعة، وإذا لم تكن كذلك فلتراقبني في الحمام، قد تصل إلى المصدر، مصدر هذه الحاسة التي تتشتت في الضباب.. في بيت السخون من الحمام البلدي، قد تخطف الغبار مني لتحمله إلى بيتها، ستقوم بقراءته إذا استمر بخارا، أما إذا تحول إلى ماء فلن ترى فيه إلا موتها، ستحفظه في كيس لتغتسل به حين تقترب الساعة من نهايتها.


 أنا لا تهمني هذه المرأة، كما لا تلملمني حكايا النساء في الزقاق الذي يحمل المدينة العربية، ولا توقظ في سوى غنج يضيع في أنفي لينبجس في حواسي الأخرى، بليد من يقول إني أشم بأنفي فقط، فكل الحواس عندي تشم حتى الحواس التي تظهر في الجسد، أعرف المرأة من رائحتها وعطرها كما الأعمى تماما ، مثلما عرف البيوت من طبيخها، والرجل من عرقه، والكلاب من بولها، الله أهداني هذه الحاسة كي أتلذذ في دواخلي.


 هو لا يعرف أني أشمه من بعيد، وأني أحمل لذته إلى سريري.. أضعها تحت لساني كي لا تنفلت في الأناشيد الدينية التي تقلقني. حين أضعه تحت اللسان لا آكل ولا أشرب، ولا أرغب في الكلام، كأني أعتقله كي لا يضيع في الهواء، وحتى لا يتحرك فأصاب بالغثيان. لا أريد تقيؤه في الفجر حين يكون المؤذن معتليا السماء كي يقول الصلاة خير من النوم، وأنا لا أنام إلا حين يكون المؤذن قريبا من سماوات الله السبع. كم من مرة يخالني رميت المؤذن من فوق وصعدت بدله إلى السماء كي أكلم الله وملائكته عن حاستي، وعن هاته الورطة التي ورطني فيها، وعن المفتاح الذي أبحث عنه كي أقول المعنى، عن تلك الروائح التي تجتمع في الموسيقى والصور المعلقة على الحائط، لكني أعود من السماء خائبة، أحاول ملاءمة جسدي على الأرض، هو مازال تحت لساني، وأنا أحاول طرده من مسكن لا يليق بي.. أتذكره وأتذكر البيت والروائح الثلاث، ولا أنام إلا بمسكن تافه، أجمع وقفتي وأطير إلى جبل يكون فيه السواد والله قريبين من بعضهما، أحاول النسيان عبثا، أرى الروائح أشباحا، وأرى الأشباح في الظلام، وأبسمل وأحمدل ولا أحد يعيدني إلى ما نسيته، أو ما تذكرته في تلك الليلة الشتوية الحزينة.


 أين هو الآن.. لا أعرف.. لقد أضحى كتابا مفتوحا تقرؤه النساء العابرات من نهر مثقل بالإعطاب. كتابا مطروحا في المقاهي والأكشاك.. في المكتبات والهوامش.. ترى ما الذي خططته تلك النساء من قراءتهن لهذا الكتاب.. العيون تختلف من زاوية نظرها. هل ما زال كما كان أم أعيته المؤسسة وأصبح ثقيلا كعشاء دسم في آخر الليل.. أم أنه ما زال يطير بين الصور المعلقة والموسيقى.. والروائح الثلاث تحجبه... لا أدري، لا أدري.. ليظل كما هو ماذا يهمني؟ أنا التي وضعته كتابا وانسحبت بعد تحرري من ريشة ومداد، واقتفيت طرقا أخرى لأختبر حواسا أخرى مشتتة في الأنف.. ماذا تريدون مني؟ سأتعرى أمامكم بحشمة حين أرتدي الحجاب وأستعيد ما قاله الفقهاء عني، وأحرس لساني كي لا يتكلم، فالكلام عورة، والعورة فضيحة والفضيحة بدعة، والبدعة ضلالة والضلالة في النار. أنا النار التي تحجب نفسها لتشتعل في الأجساد الأخرى دون كلل، بل دون رحمة، أشم ذلك من بعيد، أشم الحرائق ولا أتكلم.. الكلام عورة قال الفقيه وصدقه المتعبون. هو لم يصدقه، أعرف ذلك مثلما أتفهم النار التي غطيته بها وانسحبت كي لا أسقط في البئر.


 سقطت في البئر فبحثت في الماء كي أغسل النار التي تلتهمني. رغم أني أنا النار، أحاول عبثا إطفاءها بالتراب البارد.. تخرج العفاريت.. أخاف.. أعيد العناد كي أتجاسر، النار تلتقي بالنار، ولا أحد سيطفئها، لتظل كذلك ماذا يهمني؟.. سأصعد من البئر ولتصحبني إذا أرادت، أو لتستقر هذه النار التي أوزعها على رجال أتعبهم النظر. هكذا أنا.. لا أريد الظلام، ولا أحجب نفسي إلا لأعريها.. النار تلتهم الغطاء وتعري الجسد من حجابه كما أنا حين قشرته عنوة، كما لو كنت أقشر الليمون. يقال والله أعلم إن في الليمون فيتامين س يشعشع الدواخل، ويضمد الجراحات البعيدة.


 أنا النار تشم الحرائق ولا تتعب من الشم، تلوي لسانها مثل رقصة تظهر الأرداف عبر الهز والرهز كي يحترق ما تبقى من ذاك الكتاب الموضوع في الأكشاك والمقاهي. هل أعود إلى الجبل كي أخاطب الله مرة أخرى، أم أقيس اشتعالي لمسافة البئر بدون الاستعانة بالدلو والحبل، أم أمزق الكتاب، وأدفنه في مقبرة اليهود لأرتاح قليلا. لا أدري ما الذي أيقظ في هذه الهواجس، هل أعدت قراءة الكتاب في آخر الليل؟ أم أني توهمت ذلك... أين هي الحقيقة والمعنى في تلك الأوراق التي اصفرت في الزمن؟ المعنى والحقيقة كسوتان لا تحجبان إلا رجل السياسة والبهلوان.. المعنى طفل صغير يتلذذ بالبراز، وأنا ليس لدي الصبر الكافي لمساعدته على الإفراغ، المعنى نار تحرق الحقيقة وأنا أشم الحرق من بعيد وأبني بيتا وهميا في قمة الجبل كي يقترب الله مني.. لأقول له سلاما، أو ليسكن قربي إذا أراد.. سأقول له شعرا.. سأغطيه بالاستعارة.. سأحكي له المواجع ليكتبها في آخر الليل لأنها أحرقتني واحترقت بها، ولم تعد غير رماد خطفه الهواء ورماه في السماء. ليكتب الله ما يشاء كي أستطيع جمع ما تبقى من الرماد.