فتحي عفيفي من مقام الاغتراب إلى مقام الاقتراب

19/04/2015 - 9:31:10

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

أسامة عفيفي - كاتب مصري

    رغم التحولات الدرامية في المجتمع، ورغم الجراحات العميقة التي أحدثتها المتغيرات السياسية، وما أعقبها من مد وجزر في حياة الإنسان المصري منذ الستينيات حتى الآن، ورغم تحولات كثير من المثقفين من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، مازال فتحي عفيفي يحمل هموم البسطاء على كتفيه، ويرسم أحلامهم وآلامهم ومسراتهم الساذجة البسيطة. يحلم معهم ويفرح معهم ويبكي أحيانا على صدورهم المثقلة بالألم، وظل مخلصا في لوحاته لنبضهم وحبهم المولع بالحياة. يرسم لهم وبهم ملامح عالم عادل مضمخ بالحلم. هذا ما سوف يخرج به أي مشاهد لمعرضه الأخير الذي نظمه له جاليري مصر بالقاهرة وانتهى في 31 مارس 2014. المعرض ضم عددا من أهم لوحاته عن عالم المصنع بعماله، وعالم الحارة الشعبية بسكانها ليربط بينهما عالم المترو الذي هو حلقة الوصل بين العالمين  اللذين شكلا تجربته الفنية منذ بداياته في السبعينيات، وهي التجربة التي استقبلتها الحركة الفنية بحفاوة  نادرا ما تحدث مع قرنائه القادمين من خارج أسوار الأكاديمية.


    فعندما عرض أعماله لأول مرة في بداية الثمانينيات، قال عنه الفنان والناقد الراحل أحمد فؤاد سليم: "لقد هبط علينا فتحي عفيفي بالبراشوت فجأة بأعمال ذات طاقة تعبيرية مشحونة بروح السخرية من تناقضات الواقع الأليم". هذه العبارة المكثفة  ثاقبة النظر تلقي الضوء على مشروع فتحي عفيفي منذ بداياته حتى الآن كواحد من الفنانين القلائل الذين عبروا بحرقة مشحونة بروح المقاومة عن انهيار الفردوس الناصري الذي تصدع مع الانفتاح الاقتصادي بعد زحف القطط السمان من الأثرياء الجدد والطفيليين وسماسرة السوق السوداء وتجار الممنوعات الذين تحالفوا مع الطبقة الحاكمة، وحصدوا مكاسب نصر أكتوبر لصالحهم فدمروا مشروع الحداثة الوطني الذي أسسه جيل الستينيات بقيادة عبد الناصر فجاء فنهم تعبيرا عن الصراع بين الذين "عبروا والذين هبروا" على حد تعبير الكاتب الساخر الراحل محمود السعدني. ولقد لخص هذه المعاناة الفنان د. مصطفى الرزاز عندما قدم أحد معارض فتحي عفيفي في الثقافة الجماهيرية بقوله: "إن فتحي عفيفي شأنه شأن فناني جيله نما وعيه وتجربته الفنية في أجواء هذا المناخ المحزن الذي تدهورت فيه أحوال البلاد  مما أدى لضرب الطبقة الوسطى في المجتمع المصري وهي الطبقة التي طالما حملت على أكتافها أقدار البلاد وتنميتها الفكرية والثقافية والاقتصادية والتي كانت  محور المواطنة الحقة وميزان العدالة بين الأثرياء والفقراء".


    في هذا المناخ المحزن، وفي أتون الصراع الاجتماعي بين أنصار التبعية والتخلف وبين أنصار الحداثة والتقدم خرجت أعمال فتحي عفيفي التي انحازت إلى البسطاء والكادحين وحلمت بتحقيق إنسانية الإنسان والانعتاق من أسر الظلم الاجتماعي والوجودي باحثة من بين تلافيف المشهد اليومي عن روح المقاومة الكامنة في المجتمع.


    ولأن الفنان يرى ما لا يراه الآخرون فلقد راح فتحي عفيفي يكرس خبرته ومعرفته وموهبته لإعادة صياغة أحلام وأحزان البسطاء في لوحته حالما معهم بغد أفضل ومستقبل أبهى. فكيف استطاع أن يحقق ذلك جماليا وبصريا وفنيا دون خطابة ولا مباشرة أو ديماجوجية مجانية؟


    هذا السؤال بالتحديد هو سؤال الفن الحائر، فاللوحة وحدها هي الشاهد  الوحيد على مشروع الفنان الجمالي والثقافي، ومنها وحدها يستخرج الكاتب في الفن خطاب الفنان وملامح مشروعه، فإلى أي مدى استطاع أن يقدم هذا الخطاب بشكل فني دون أي تأويل أو إسقاط ذاتي؟


    إن غاية الكتابة عن الفن وفي الفن هي التعرف على مشروع الفنان الجمالي كما يظهر في اللوحة وتقديمه للجمهور ببساطة من خلال خطوطه وتكويناته وألوانه دون أي تفسير أيديولوجي أو مذهبي، لأن عصر المقولات المطلقة قد انتهى. كما انتهى عصر القوانين الكلية التي كانت تحاكم العمل الفني وتقيمه وفق شروطها الجمالية المسبقة، فالقانون الأوحد للجمال هو أنه ليس للجمال قانون كما يقول الفيلسوف الفرنسي ريمون بايير.


    فبعد ثورة النسبية وإنجازات الفيمتو ثانية والنانوتكنولوجي والقطارات فائقة السرعة والطائرات الأسرع من الصوت لم يعد هناك حقائق ثابته أو نظريات أزلية. فالحقائق تتغير كل لحظة والحقائق الجديدة تدحضها بعد لحظات حقائق أحدث وأصبح الجمهور اليوم بحاجة إلى تحليل شكل العمل الفني وليس تفسيره، وأصبحنا بحاجة إلى وضع العمل الفني في سياقه المعرفي والمجتمعي والشكلي والتقني  لنعرف مشروع الفنان الجمالي وكيف استطاع أن يحقق "الجمال" بجمال. فلقد أصبح كل مشروع فني بل كل لوحة اقتراحا جديدا للجمال يقوم على ما يراه الفنان من علاقات في الواقع لا يراها الآخرون، فيقدمه لنا بأسلوبه وخبراته وثقافته بشكل مختلف وجميل.


ما علاقة ذلك بفتحي عفيفي؟


    ذلك كله هو لب مشروع فتحي عفيفي الجمالي، فالرجل لم يأت لنا من الأكاديمية، ولا من صفوف أصحاب الياقات المنشاة من مثقفي الطبقة الوسطى. ولكنه أتى من قلب المصنع ومن بين صفوف العمال الكادحين الذين حلموا  بمستقبل أكثر إنسانية وبمجتمع أكثر عدالة، فانهار حلمهم تحت أقدام الأفيال الرأسمالية الجهمة. أتى من الحارة الشعبية بمراراتها وأحلامها ومباهجها البسيطة. ليعبر عن ناسها البسطاء.


    لقد كان يستيقظ في غبشة الفجر ليبدأ خط سيره اليومي من الحارة ببيوتها المتلاصقة الحانية ليقابل في طرقاتها أهلها الممتلئين بحب الحياة، يركب المترو المزدحم الذي تتلاصق فيه الأجساد البشرية في أخوة وجدعنة، ليدخل بوابات المصنع الضخم المهيب الذي يلقي في قلبه الرهبة، ليكتشف على البوابة الرئيسية أنه يتحول من إنسان له اسم إلى مجرد رقم في كارت يردده موظف متعال بصوته البارد الحاد، وينظر إليه متفحصا من وراء نظارة سميكة متشككة.. دورة يومية تقوده يوميا  ما بين الانصهار الحميم في "الاقتراب" من الدفء الإنساني في الحارة الشعبية وبين "الاغتراب" الرهيب الذي يحسه في علاقة الإنسان بالآلة الضخمة العملاقة والمصنع المهيب والإدارة الباردة.


    هذه الدورة مابين "الاقتراب" و"الاغتراب" هي سدى ولحمة عالمه الفني الذي قدمه لنا فتحي عفيفي بمهارة تقنية اعتمدت أساسا على قدرته في "التصميم" الذي درسه صغيرا في مدرسة الصنائع، وصقله فنيا في القسم الحر بكلية الفنون الجميلة تحت رعاية عدد من الأساتذة الفنانين الكبار. هذه القدرة على إتقان  التصميم هي البطل الرئيسي في أعمال فتحي عفيفي سواء في أعماله عن المصنع أو أعماله عن الحارة أو الشارع أو المترو، ولقد استخدم ببراعة أيضا ثلاثة أنواع من المنظور:


    ففي الحارة الشعبية دائما يستخدم "منظور عين النملة" ليعبر عن نظرة الطفل الساكن بداخله لعالم الحارة الشعبية الحميم المختزن في وجدانه منذ طفولته، حيث تبدو الأشياء أكثر إدهاشا، والبيوت المتلاصقة في شموخ أكثر إنسانية وحنانا، والنساء الفارهات الممتلئات بالنشوة أكثر جمالا فيتجلى إحساس دفء "الاقتراب"  الذي يحقق وجوده الإنساني.


    وفي المصنع يستخدم "منظور عين الطائر" فيبدو الإنسان صغيرا وضئيلا أمام الآلة العملاقة المهيبة الباردة، فيتجلي إحساس "الاغتراب" الذي يسلب التحقق الإنساني. وفي العالمين معا "المصنع والحارة" يستخدم في كثير من الأحيان "اللقطة القريبة" التي يحتل فيها البشر كامل اللوحة، ليتجلى التلاحم الإنساني الحميم بين العمال وبعضهم البعض، كلوحات تناول العمال للطعام أو بعض لوحات تلاحمهم الحنون وسط ازدحام المترو أو في لوحات عازفي الموسيقى، وكأنه يعرض لنا تفصيلة من المشهد تؤكد معنى الانصهار الإنساني الذي يدفئ القلب بجمال "الاقتراب" في مواجهة برودة "الاغتراب".


    ولأنه مصمم بارع يعي أدواته جيدا فهو ينثر من خلال الألوان والتكوينات مجموعة من "التضادات" التي تصنع إيقاعا ديناميكيا، من خلال استخدامه للأبيض والأسود أو التضاد بين الأحجام الصغيرة والعملاقة والكتل والفراغات، أو الحركة والسكون. هذه التضادات تتجمع لتعزف إيقاعا موسيقيا صاخبا كإيقاع الموسيقى النحاسية معبرا في الوقت نفسه عن الصراع الاجتماعي والوجودي الذي يعيشه الإنسان في الواقع  المعاصر.


    وكما حدد فتحي عفيفي "منظورا" لكل عالم من عوالمه، حدد باليتة خاصة لكل مفردة من هذا العالم، ففي المصنع يستخدم الألوان الداكنة والباردة فهو دائما يستخدام الأسود والأبيض والرمادي والأزرق الداكن والأخضر المعتم والبنيات بدرجاتها المتفاوتة. أما في الحارة الشعبية فيستخدم الألوان الزاهية البراقة المشرقة كالأحمر والبرتقالي والأصفر والنحاسي. صحيح أنه أحيانا يستخدم الألوان البراقة في المصنع لكن ذلك ليس القاعدة باستمرار. واستكمالا للقاعدة نفسها، فهو دائما يختار الضوء الساطع المبهر الذي يتوهج فرحا للحارة الشعبية، تعبيرا عن الفرح بجمال "الاقتراب" من مصدر الدفء الإنساني الحميم، بينما يستخدم كما قال د. مصطفى الرزاز  الظلال الكثيفة والأضواء الباهتة  الخافتة التي تعبر عن تشتت أضواء المصنع.


    بشكل عام أستطيع الجزم بأن فتحي عفيفي يعرف، بخبرته وقدراته الأدائية، كيف يعبر لنا عن أحاسيسه وعواطفه الكامنة تجاه العالم والأشياء، تماما كما كان يقول  رودان: "إن الفن إحساس وعاطفة. لكنه بدون علم الحجوم والنسب والألوان وبدون  البراعة اليدوية تبقى العاطفة مشلولة".


    لكن عاطفة فتحي عفيفي وأحاسيسه العارمة ورغبته في الانعتاق من أسر "الاغتراب" سعيا للوصول إلى مقام "الاقتراب" عفية وحرة ومتوقدة، بفضل قدرته الأدائية وبراعته الفنية التي اكتسبها بعصاميته وكفاحه الفني والمعرفي والثقافي من السبعينيات حتى الآن. وهي التي شكلت عالمه الفني المختلف والمغاير الذي يعد علامة مميزة  بين أبناء جيله.