القصة القصيرة المغربية .. أجيال ورؤى

19/04/2015 - 9:29:43

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

محمد اشويكة - قاص وكاتب مغربي

    ليس من الضروري أن نمدح القصة القصيرة كفن، ولكن في امتداحها إبرازا لخصائص تَغَيُّرِها، فنحن لا نريد أن نعرفها استنادا على ثوابتها لأن المتغير جوهرها، ولا نرغب في ذكر مناقب كتابها لأن المثالب تطغى في بعض الأحيان، ولكن التغير حتمية تاريخية يلعب فيها التناقض دورا حاسما، فلم يكن متاحا للقصة القصيرة في المغرب أن تحظى بما هي عليه اليوم من انتشار واهتمام لولا تشبث العديد من كتابها بالإبداع في جنسها ومتابعتها نقديا، ومن القراء مطالعة واستمتاعا، ولولا جهود بعض المجموعات والجماعات والملتقيات الأدبية المتخصصة لما استطاعت أن تقفز إلى واجهة الحدث الثقافي، وتنتشر عربيا ودوليا.


 يصعب الحديث عن القصة القصيرة المغربية بالجمع لأن عطاء الأفراد فيها جلي ومائز، فقد كتبها البعض كنوع من المقاومة الذاتية والموضوعية، وذلك ضد هيمنة المرويات المدعومة، وفساد الأخلاق العمومية، وتكالب سماسرة الأدب، واستفحال الدعاية للرداءة، وزبونية النشر، وطغيان العقلية البيروقراطية.. وأَخْلَصَ لها البعض كأسلوب في الحياة للهروب من ثقافة القطيع، وتسطيح الإبداع، والزج به في ثنايا الملاحق الأدبية، وقمع صوت المثقف اللامنتمي، والانفلات من "شيوخ الطريقة القصصية".. ووجد فيها البعض الآخر متنفسا للتعبير الذاتي، والتجريب الفني، والانفتاح على كل الأجناس ، والتخلص من ثقل التعليمات المدرسية والجامعية، ووسيلة لتبديد الضغط المكثف الذي يعيشه الكائن اليوم.


 حينما قلنا، ذات مرة غير عابرة، بأن القصة القصيرة المغربية ديوان المغاربة، لم يكن ذلك من باب المجازفة، ولا من قبيل تجاوزِ ما يُعَبِّرُ عنه الشعر أو الرواية، وإنما المقصود تجديد المتن الأدبي المغربي والعربي في هذه المنطقة ذات الجغرافيا الخاصة التي تمتزج فيها ثقافات الماء باليابسة، ويلتقي فيها البحر بالوادي والمحيط، والجبل بالصحراء.. وترفدها المكونات الأمازيغية والإفريقية والإسلامية والغربية بشتى أنواع المثاقفة.. وذلك ما ينعكس على غنى الموضوعات والاتجاهات والرؤى والأساليب القصصية.. إذ من الصعب اختزال التجربة القصصية المغربية في شخصٍ أو تيار لأن في ذلك تبسيطا للمنجز، ودمجا يقضي على الفرادة والتعدد، وما النصوص التي نقدمها في هذا الملف إلا اختيار يراعي ما أشرنا إليه من اقتضاب في الحكي، وتنوع في طرائق السرد، وثراء في المتخيل، وتطويع للغة وبحث فيها، وتذويت للكتابة، ووضوح في البناء.


 يحبل الحقل القصصي بالنقاش بين الأجيال والحساسيات مما ينعكس على تفاوت المقاربات وغناها.. فالقصة المغربية منفتحة على السينما والتشكيل والفوتوغرافيا والرسوم المتحركة والموسيقى.. وتمتح من معاجم ومستويات لغوية متعددة، فهي لا تقطع مع لغة التراث، وليست حبيسة لها أو منبهرة بها.. ولا تحتقر اللغات الدارجة، بل تنتبه إلى الجانب العربي فيها، وتنزاح بها من المستوى الاستعمالي المسكوك إلى التوظيف الفني المجازي.. وتتحاور مع اللغات الأجنبية دون أن تنساق وراءها بشكل أعمى، بل إن القصة القصيرة المكتوبة بالعربية تتفوق، في بعض الأحيان، على نظيرتها المكتوبة بالفرنسية من طرف القصاصين والروائيين المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية، لكن انغلاق بعضهم من جهة، وضعف الترجمة من جهة أخرى، يجعل ذلك المجهود غير ظاهر للعيان.


 لا تعتمد القصة القصيرة لدى بعض القصاصين المغاربة على مجردِ سردِ حكايةٍ معينةٍ، أو لصق جُمَلٍ بأخرى، وإنما على هَمٍّ إبداعي تختلف درجات تعقيده من قاص إلى آخر، فالإبداع القصصي مسئولية تُمْلِيهَا رؤية معينة للذات والآخر، وتناولٌ جمالي للوجود في تناهيه الدقيق؛ إذ لا تصلح القصة لتكون مجرد تزاويق لغوية، بل صار القصاصون يفكرون من خلالها، ويبحثون في التأليف القصصي عوض جمع القصص مع بعضها البعض بين دفتي كتاب. إن ضَمَّ نصوص إلى أخرى يفترض التفكير في الإيقاع والانسجام والوحدة.. والقطع والوصل.. وعليه، فإن فن القصة يتجاوز الحكي كي ينغمس في طرح قضايا الحداثة في اللغة والسرد ومسايرة روح العصر بطريقة نقدية مشاكسة: القصة فن المشاكسة بامتياز.. فَنٌّ يقبض على الهامشي والمتلاشي والمتنافر والمنزوي واللانسقي.


 قدم القصاصون المغاربة مقترحات سردية جديدة قطعت مع تقنيات السرد الكلاسيكية، وتجاوزت الالتصاق الشديد بالواقع، واحتفت بالشخصيات الهامشية، وتعاملت مع الزمن وفق مقاربات تهتم بالحياة الداخلية للشخوص مما حَوَّلَ الحكي من اهتمام بالجماعة إلى انشغال بالفرد، ومن انتباه للمحيط الذي يتحرك فيه الفرد إلى فعله فيه.. وهو الأمر الذي أسهم في زرع روح الشك واللايقين بين تضاعيف المتون القصصية، وكسر هيمنة السارد العَالِم بخبايا كل شيء في النص.


 نقترح على قراء مجلة "الهلال" الغراء عَيِّنَةً من القصة المغربية القصيرة تجمعُ ثلة من القصاصين الذين يمثلون أجيالا ورؤى مختلفة، متفاوتي المرجعيات والأعمار، فاعلين في مجال الإبداع القصصي وغيره (شعرا أو رواية)، ومنهم من يمارس النقد أيضا.. ونحن بذلك لا نقدم إلا جزءا يسيرا من القاصات والقصاصين عسى أن تسنح لنا الفرص القادمة للتعريف بتجارب أخرى، فالاختيار هنا تمثيلي وليس شموليا، والسياق يبرر الاختيار.. عسى أن يتفاعل القراء مع هذه النصوص وتتفتح شهيتهم للبحث عن نصوص جديدة في مواقع ومنابر أخرى فتزيد المتعة وتكتمل الفائدة.