الغـبـار

19/04/2015 - 9:28:43

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

وئام المددي

غدت حياته صعبة ومملة، هذا الغبار سيخنقه حتماً.. ما إن يمر بإحدى المؤسسات العمومية حتى يبدأ ذلك الغبار الغريب – كدأبه منذ سنوات - بسدّ منافذ الهواء في رئتيه. غبار بلا لون و لا طعم، كئيب هو  ذاك الغبار.. حزين يائس جاف يتغلغل في شرايين الحياة، يفسد كل تبرعم تحاوله ابتسامة تائهة على أفق ثغره المغبر الأغبر.


بدأت قصته مع الغبار مع تسلمه لأول وظيفة في حياته.. كان ذلك الغبار يطلّ من منخريه أثناء الاجتماعات، أو عند لقائه بالمدير، لكنه لم يلبث أن حطم كل واجهات الخجل، فراح يزداد حدة وملوحة يوماً بعد يوم.


لم يعد يتحمل وطأة ذلك الغبار، خاصة في خضم الطوابير المغبرة حين تستسلم لجحيم الانتظار.. دوماً يلفه الغبار، يخنقه، يحبس أنفاسه.


قام بزيارة الطبيب، فوصف له لائحة طويلة من الأدوية. لا تهمه أثمنتها الباهظة.. سيسقط بعض الأرغفة من قوت أطفاله، المهم أن يختفي الغبار. لكن الأدوية لم تجدِ نفعاً، ولم يتلاش الغبار، بل زادت حدته وتضاعف سمكه.


قصد معالجاً نفسياً، أخبره الطبيب بألا غبار على صحته، إنما يتعلق الأمر بأوهام وحسب.. نصحه بطلب إجازة من أجل الاستجمام.


 الغبار يزداد وطأة وفساداً في عالمه الأغبر..


لم يعد يستطيع الاحتمال، خاصة حينما يكون في مقرّ عمله، إنه بالكاد يستطيع التنفس، ورائحة الغبار تزداد كراهة يوماً بعد يوم.


ذات ليلة وهو يتجول في ضاحية المدينة، لفت انتباهه اختفاء نسبي للغبار عندما مر بجوار المقبرة. عاد إلى المقبرة.. أطلّ بحذر من وراء السور، رأى مساحة هائلة معشوشبة، تتخللها صفوف طويلة من القبور الصامتة الساكنة. بدا حزنها مترامي الأطراف على ضوء القمر.


 ولج المقبرة بخطىً مرتعشة، فوجئ باختفاء الغبار تماماً. غمرته سعادة عارمة أنسته وحشة المكان.. فجأة التقطت أذناه همسات من ركن قصي من أركان المقبرة. أصاخ السمع، فإذا بالهمسات تتحول إلى حديث واضح.


طفق يجول بين القبور.. يحاول قراءة الشواهد بصعوبة تحت نور القمر الذي توسط كبد السماء في كبرياء. فكر لحظة في سر هذه المقبرة التي تضم بين أسوارها أصنافا عديدة من الرمم، من أجيال وأجناس وأزمنة وأمكنة ومستويات مختلفة ومتناقضة..


 استوقفه صوت هامس كأنه يأتي مع ريح الليل الهادئة من مكان بعيد:


-لن تجد راحتك إلا هنا فقط.


 تفاجأ لأول وهلة، لكنه تذكر اختفاء الغبار فاستجمع قوته وجلس قرب  القبر مصدر الصوت، وراح يتبادل معه الحديث.. حكى للميت القابع تحت التراب قصته مع الغبار الغريب، فأخبره الميت أن لا حلّ أمامه سوى البقاء هنا وسط الأموات في هذه المقبرة المنسية.


عاد إلى منزله وطلائع الصبح تتراءى من وراء الأفق الشرقي. وسط الطريق عاد الغبار إلى عناده.. في غرفته بدت له الأشياء متلفعة بالغبار، حتى زوجته الغارقة في النوم يغلفها الغبار.. لم يستطع النوم، الغبار يزداد كثافة بين الفينة والأخرى. أصبح يحسّ بدمه يجف في عروقه، يتحول إلى تراب ورماد.. جلده بدأ يجف.. يتيبس.. يكاد أن يتفتت..


 غادر غرفته وخرج من المنزل مهرولاً قاصداً المقبرة.. جرى بكل قوته وعدا بأقصى سرعته.. لكنه لم يستطع الوصول إلى المقبرة في الوقت المناسب.. لقد تحول إلى غبار.. وغدا ذرات رقيقة متناثرة تذروها الريح الهادئة في صمت الليل..