العراقي رعد الدليمي : رؤى عصرية للخزف العربي

19/04/2015 - 9:26:42

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

نجوى على عبود - كاتبة من ليبيا

    الحَرف؛ مفردة تراثية من أبرز سمات حضارتنا العربية لما فيه من معطيات وقيم جمالية وتشكيلات فنية، وهو ما استهوى الفنانين التشكيليين العرب والأوروبيين، واستثمروه في أعمالهم منذ العصور الوسطى حتى القرن العشرين.


    والخزف من الفنون التشكيلية القديمة، وقد تطور عبرالعصور فازداد تنظيماً وتشكيلاً، لا سيما ذاك البريق المعدني الذي أعطى نموذجا جمالياً في نظم التكوين ومعالجات الفضاءات وموازنات الكتل، وقد أسهم فن الخزف إلى حد بعيد في دعم جماليات العمارة، خاصة في فن الرقش والأرابيسك والفسيفساء، ولهذا كان لزاماً على الفنانين العرب المساهمة في تغذية تيار الفن التشكيلي العالمي بروافد عربية أصيلة؛ دون الذوبان الكامل في هذا التيار، وعلى هذا الأساس، وبهذه الدوافع تبنى الخزّافون العرب المعاصرون، هذه الرؤيا واجتهدوا وأبدعوا في إظهارها وتجسيمها.


    قدم الفنان العراقي رعد الدليمي، من خلال أعماله الخزفية، رؤية معاصرة للخزف العربي، يمتزج فيها الوضوح الكامل والتجريد، دون إبهام يلغي خصائص العمل الفني، فكانت أعماله تتضمن جداريات ومجسمات بأبعاد متنوعة مطعمة بالذهب الخالص، إذ استخدم الخط العربي أساساً للتشكيل الخزفي من خلال النقطة بشكلها المجسم، كأسلوب يعطي لأعماله طابع الخصوصية، وهيمنة حروفه المجسمة ونقاطه المذهبة بشكلها المنفرد أو المتراكب، وهي تعلو أعماله بشموخ معماري وتراكيب تعطي الإحساس بالخصوصية العربية للخزف دون أن تفقده روح المعاصرة والحداثة، حيث نلمس الذهب الخالص مع تأثيرات لونية معتقة، وتشققات مقصودة، توحي بصوفية العمل الخزفي، من إحساس جمالي تزويقي إلى إحساس فني رصين، مقترباً من اللوحة التشكيلية التجريدية.


    في معظم الأحيان استخدم الدليمي الخط العربي ليس بشكل حرفي أو لملء مساحات معينة بل استخدمه بقواعده المعروفة في تصميم العمل الخزفي من حيث امتدادات الحروف والنقطة بشكلها المجسم لبناء تكوينات هندسية يمتزج فيها الجمال الهندسي وخصوصية التكوين الفني، وأكد في أعماله المعاصرة أنها لا تزال مرتبطة بالتراث والهوية العربية، وهو أمر يحسب له، فهو قادر على الإضافة لهذا التراث وفق متطلبات العصر، وإن كان ذلك يعتمد على تجربته وخبرته والحرية في تصميمه، فهو لا يتقيد بشروط، فكل ما يخدم العمل الفني يلجأ إليه دون المساس بقواعد الحروف، لاعتزازه بهويتها واستخدامها بطريقة تجريدية في بناء أعمال خزفية معاصرة.


    كما استطاع أن يخرج بالعمل الفني عن أشكاله التقليدية إلى آفاق جديدة عصرية تدخل فيه عناصر هندسية تزن وتربط وتشكل الكتابة بحركة ذاتية، ومن ثم تتوالى لعنصر التبسيط؛ وهو سر آخر من أسرار روعة فنه، مع تناغم خطوطه المستقيمة في تقديم بناء يكوّن حواراً تشكيلياً بين الكتلة والخط، ليظهر النمط الهندسي كشكل متأنق يحوّل العمل الفني إلى وحدات تتكرر بصورة معينة، يحقق من خلالها التنويع والإبداع، وتراكب الحروف أو الكلمات وتداخلها وتشابكها من أجل الوصول إلى النقوش الكتابية لتبرز أهمية حداثة أعماله وانتمائها للتيارات الفنية المعاصرة.


    كرّس الدليمي الحرف ليمنح البعد الجمالي استحالة انتقاده أو العثور على بدائل له، وهذا له صلة بأهداف يراها الفنان تتوازن من خلالها الموروثات بالمعالجات العصرية، فإذا تم استبعاد أي أثر وظيفي فإن البعد الجمالي الذي يصل إلى حد البذخ؛ سيشكل مركزاً لوحدة الأجناس الفنية في تشكيل نصوصه الخزفية بصورة جمالية، تشرك جميع الحروف في صياغة تركيبية تدمج أجزاءها ببنية مستقلة تسمح لكل عنصر أن يكمل الآخر، ويجعل من النص المركب نصاً موحداً ومستقلاً يتوخى التعبير الجمالي.


    الدليمي، كونه خطاطاً مهندساً ومصمماً، يصمم الحرف للكتلة الأساسية، ثم يتخذ الجانب الهندسي في تصميم الحروف، وإعطائها بعداً معمارياً له خصوصية إنشائية غيبية، فكان استخدامه للمستطيل والكرة كمنشإ معماري للإنشاء الحرفي دون الشعور بالتكرار والرتابة، وهي تجربة ينفرد بها عن كل الخزّافين الذين استخدموا الحرف كمنقول شكلي في أعمالهم الخزفية، وتعتبر النقطة المجسمة هي البصمة الفنية لرعد الدليمي، حيث يرى أن النقطة أجمل أسرار الحروف، وهي مصدر التكوين اللفظي والبصري، وكل الحروف تتصارع للحصول على نقطة أو نقطتين وثلاث، ولذلك يعتبر حرفا الشين والثاء أميري الحروف، أما الحرف الذي من دون نقطة حركة مبهمة، وكذلك حروف الباء والتاء والخاء، هي طلاسم المعاني اللفظية، وشموخ وتألق للشكل المجسم، لذلك النقطة هي مصدر التوازن للشكل النحتي الخزفي وأشغال الفضاءات بشكل جمالي مبهر.


    إن استخدام الفنان للذهب في جميع أعماله يعطي طابع الكمال والتعتيق بأسلوبه التشكيلي والشخصي، ليؤدي إلى تطوير التعبير الحرفي نحو لغة جديدة عبر النظام الأبجدي، بالجودة الخطية على هيئة أشكال زخرفية التزمت بعضها بنظم التكرار والتماثل واستلهام الحرف عبر الوحدات الزخرفية، ليؤدي إلى ظهور رؤية جديدة في الفن الخزفي المعاصر.


    المراجع:


إياد الحسيني: الحروفية قراءة جديدة في الخط العربي، 2009.


شوكت الربيعي: الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي، 2002.


محسن محمد عطية: التحليل الجمالي للفن، عالم الكتب، القاهرة 2003.