زكاة فطر الحمام

19/04/2015 - 9:27:41

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

موحى وهبي

"يُكْتَبُ بَيْنَ العصْرَيْن عشية ليلة القدر المباركة حين يدنو افتراقُ الثَّقَلَيْن:


"الويل لِلهُمَزَةِ اللُّمَزَة، العُتُلّ الزّنِيم.


الويل لِأصْحَاب الإفك،


الويل للترهات، الإمَّعَات، الخُرَّعَات، من لا ظلال لهم ولا "سَخْسَخَات"،


الويل للحَشَفِ البالي، لطناجير الأعراس المنسيّة في غياهب معاطن النخاسة. اخسئي ثم اخسئي، أيتها الأرواح البئيسة والأذناب المبصبصة!" تّْصَبّ، تصب. امشي، اخسئي ثم اخْنُسِي!" خُسّ، أيها الـ" إيكزين"[1]، لا كُنْتَ ولا استكنت ولا عَمُرَ بك مكان! بجميع مبيدات الحشرات أدعو: هلمي إليّ أيتها المنافيخ المضادة للبق والبرغوث والبخوش بمختلف أصنافه وفئاته وممالكه، هيا، أقبلي انفخي، سُوطِي ثم سُوطِي ثم سُوطِي[2]، اجعلي أرجلهم وأيديهم تنقبض، تنكمش، تتقلص وتتقَرْوَش مرفوعةً إلى السماء التي لن ترحمها أبدا! وأنت أيها D.D.T، لماذا تتردد؟ ما لي أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى؟ ألا فلْتَعْجَلْ، افْعَلْ فعلك الذي من أجله سُحِقْتَ وذُرْذِرْتَ، اقتل الطّامّة الكبرى، الجرادَ المنتشر الذي يلتهم الشجر والحجر والبشر! بحق من سوّاك ودَوْزَنَك لا تؤذِ نباتا ولا طيرا ولا بئرا! أَبِدْ ولا تذرْ هذه الفطريات، هذا العَفَن اللايَعْقِلُ، قراد، جراد، عَلَق يمتص دماء كُعُوبَ الخَلْقِ وحلوقَهم، لا يجدي فيه قَطْران ولاسحر أبي جعران"


ثم بَعْدَ هذا اكتبْ:


"بحق هاـ روش وشَمْ ـ هروش، طّافّ طَرْطَلّافْ،  دٌاوْ دَرْدَلّاوْ، اخبطوهم، شَنْشِلُوهم ثم شلشلوهم وصلصلوهم، شللوهم[3] ولا تنشروهم! بحق سَخْسَخَ وما سخسخ ، طاحٍ وما طحطح، طحطحوهم ولا تقبلوا فيهم شفاعة!


أناديك يا ابن الملك الأحمر، يا ابن السَّبُعِ الأدْرَعِ، مَنْ إذا تَحَرّك زُلْزِلتْ منه الجبالُ، وأُفْرِغَتْ له المسالكُ وانقطع الحِسّ والهَسّ، مُرْ جنودَ أقاليمك السبعة مِنْ غواصين وطيارين وحفارين وبصّاصين أن يأتوا بهم إليّ عراةً خاشعين، حتى أخرج لهم لساني وأقول: "گعْ وما شبع!" بحق طوطو وطوط ـ فوت وهَرَجَ وما مَرَجَ! بحق الفارس صاحب الطماق الزّيواني[4]، وصاحبِ الخط الديواني المحفور على الطّوَيْلات والمرسوم كميكي وكيكي على الخُشَيْبَات! ارفعوا عنِي العكسَ والتعكيس والنّحسَ والتنكيس، اجعلوني مقبولا في الدوائر العليا، مرهوبا في الدوائر السفلى أمْعَسُهُمْ كما تُمْعَسُ الحشرات، لا آبَهُ لقضقضة عظامها وغضاريفها وحراشيفها، مطاعا بين الملأين! بحق هَا وها، أهحخعغ، حاوْ حاوْ، هاوْ هاوْ"


ثم اكتب هذا البرشمان الذي هو سلامة من كل لسان، مبتدئا من اليمين إلى اليسار، اكتبه بدم المغدور وعَرَقِ الجُهْدِ المهدور مهدور مهدور مهدور:



















































و



ا



ك



و



ا



ك



آ



ع



ب



ا



د



ا



ل



ل



ه



أ



ي



ن



ا



ل



ح



ق



ي



ق



ة



أ



ي



ن



ا



ل



إ



ن



ص



ا



ف



؟




بحق هذه الأسماء العظيمة من خاتم الغزالي "بطد زهج واح" وأسماء المبرئين "أوش  وجلجموش، بربر وبربروش! بحق "اشراهيا براهيا، أدونيس أدوناي أداناي، أصباؤوت آل شداي!" أسرعوا بقضاء الحاجة حين يحين الحين! العجل العجل! الوحى الوحى!"


تكتب هذا في زلافة جديدة، مُزَلّجَة، من تراب حَمْرِيّة[5] ببركة سيدي أبوالذهب[6]،  يذهب عنك الأسف والتعسير ويقبل السرور والتيسير؛ ثم صب فيها حساء من  طحين "إلان"[7] مع قطرات من زيت أرگان، حتى إذا نادى أذان الإفطار، قلت ما اعتدت قوله من دعوات وأمان قبل مفارقة الصيام، فإن غرضك يقضى ولو بعد حين، وتذكر: فلا تعجل به فلا تعجل به  فلا تعجل به. وعندما يؤذن الديك لصلاة الصبح، اصعد إلى السطح أو أي مكان عال لا يراك فيه أحد، ثم استقبل القبلة وقُلْ: "الله أكبر، الله أكبر، فتح الله ونصر وخذل من كفر وتجبر!" ثم ارفع يديك عاليا بالزلافة وافدخ بها الأرض بكل ما أوتيت من قوة. ثم اجمع شقوفها وحَتَاتَها، لا تُبْقِ منها لا فرتيته ولا برتيته، وإلا ضاع الطالب والمطلوب. بعدها ضع الجميع في خرقة سوداء لا يخترقها الضوء واحتفظ بها في مكان أمين، لا تتخطاه الأقدام. حتى إذا حل موعد معرض الكتاب، اذهب بالصرة إليه، واشتر ما وجدته معروضا من كتب فولتير ومونتيسكيو وروسو وكانط وهيجل وهوبز وكل من يسمون بأصحاب التنوير والعقل والحداثة وكتاب ميكيافيللي ونيتشه... ثم انتظر حتى اليوم الأخير من المعرض، عندها اذهب إلى موقع عرض كتب السحر والطلاسم، وبعد أن تتأكد من أنه خال تماما، اترك الصرة هناك، فإن العمٌار أهل المكان سيتكفلون بإيصال الصرة بشقوفها إلى من يعنيه الأمر. وإياك ثم إياك أن تلتفت إلى الوراء فإنك إن فعلت لا تسترد الوعي إلا وأنت في الثلث الخالي حيث لا طير يطير ولا وحش يسير.


عند عودتك  إلى أهلك  سالما معافى ـ إن شاء الله ـ اذهب بما اشتريته من كتب إلى فُرْنِ حَمّامِ الحَيِّ بالمدينة القديمة ثم احرقها كلها في الفرناطشي[8] ما عدا كتاب ميكيافيللي وكتب نيتشه التي ينبغي، منذ حينه، أن تتخذها الهادي والمرشد في كل ما تحاول الإقبال عليه ولا تفتحها إلا بعد صلاة الاستخارة فإنك بعدها لن ترى إلا ما يسرك، ولا بأس إن أطللت على قرعة الأنبياء بين الفينة والأخرى فإن بركتها مشهودة، معلومة. وستشعر دائما وأبدا بأن عقلك يصفو يوما بعد يوم ومزاجك يروق والدم يعود إلى وجنتيك، حينها تدرك أن الشرق شرق والغرب غرب وبينهما متشابهات فابتعد عنها تكن من الثلث الناجي! ولا تنس أن تنفح عامل الفرناطشي الذي ساعدك على التخلص من كتب أولئك المنافقين، الزنادقة،  الضالين، المضللين بجزء من مالك الحلال فإن ذلك مما يقوي بركة هذا الحجاب المبارك والمضنون به على غير أهله. واعلم أنك، منذ الآن، من هؤلاء لا من أولئك [ ؟ ] " [9]


كان هذا أول حجاب كتبته وأنا شبه متيقن من أنه سيعطي أكله. بعد الانتهاء من تحبيره، أخذت كرسيا وصعدت إلى سطح المنزل منتظرا  حلول أذان المغرب. كانت السماء صافية، ناعمة ما عدا ندف متباعدة من غيوم خفيفة. كنت معتادا على ذلك طيلة أيام الشهر المقدس لأني كنت أستمتع برؤية تلك الحمائم التي كان شاب يسكن غير بعيد منا يطلقها كل أصيل لترفرف وتقوم بتحليقات رشيقة مثنى مثنى أوّلا حتى تصير سربا صغيرا من ست حمامات، يحلقن في دوائر ما تنفك تزداد اتساعا وسرعة. كان أجمل ما يستهويني في تحليقها هو تلك الحركات المفاجئة التي تغير بها اتجاهها، حركات انقضاضية تشبه حركات الطيران العسكري أثناء الاستعراضات. واضح أن الشاب غائب تماما في عشقه للحمام، غافل عما تتناقله وسائل الإعلام عن انفلونزا الطيور. والواقع أنه لم يكن شاذا في ذلك. فنحن بدورنا، كبقية خلق الله، لم نتخل عن عادتنا تلك الليلة المباركة، إذ أكلنا الدجاج  ولم يقع أي شيئ مما ظلت تلك الأبواق المأجورة تلغط به. وفيما بعد ستعود نفس الوسائل لتؤكد أن للحمام مناعة طبيعية مضادة لذلك المرض الوهمي الذي كاد يتسبب في كساد جزء من تجارة اللحوم البيضاء لولا يقظة الناس وتفهمهم لما وراء الكواليس. فقد ربطوا ذلك بكساد اللحوم الحمراء في أوروبا بعد جنون البقر وهاهم يريدون استرداد بعض الخسارة على حسابنا، وكأننا بلهاء (أنا نفسي كنت، قبل أن يقع لي ما وقع، أصدق كل ما يرد على شاشات الفضائيات، أما الآن، هيهات، هيهات!) لا ندرك ما يحاك من دسائس أولئك السياسيين، أصحاب العيون الزرق. حين صدر ذلك البلاغ الذي يبرئ ساحة الحمام من كل تلك التهم الرخيصة ازداد إعجابي بذلك الشاب وعرفت أن الحب كما قال ذات يوم زميل لي في الدراسة، ونحن مراهقون، بلكنة تاشلحيت "أوَا أموحانو، الحب يقتل الحشرات". والخلاصة أن من لا يحب الدجاج لا هو منا ولا نحن منه والسلام دونما صداع رأس لأن فيه ما يغني عن إضافة هموم أخرى كهموم "لا نف ـ  ن ـ  وا نزا".[10]


كان رأسي يزداد يوما بعد يوم صداعا بعد أن عرفت أنني من المغضوب عليهم الذين لم يستفيدوا من فرصة المغادرة الطوعية للوظيفة العمومية. كنت بحاجة ماسة لذلك لأُشْعِرَ نفسي بأنني فعلا اتخذت في حياتي قرارا طوعيا دون إكراه من أحد. اعتبرتها فرصة أتأكد فيها من أنّ لي حريةَ الإرادة وأن هناك جهات ستحترم تلك الإرادة. منذئذ انقلبت الأمور رأسا على عقب. بدأت أشعر بأنني من المساخيط، صرت أخجل من مواجهة أهلي وأبنائي وأصدقائي، تملكني يأس عميق من سداد وفلاح أمري،  وأنني محكوم عليّ إلى الأبد بأن أظل نذلا، محتقرا من الزوجة التي تقول: "انظر إلى أسيادك وما فعلوا"، لم أعد كالسابق أجد ما لا يحصى من التعلات المقنعة وغير المقنعة، صار جوابي الوحيد هو الصمت. لم يعد الأمر أمر اختيار أو مال أو نشاط، عجزت عن شرح مجمل الأمر، لم استطع أن أقول لها إن الأمر كله عبث في عبث لأنني أنا ذاتي لم أفهم ولن أفهم. فقدت حاسة الشم الطبيعية، صارت الرائحة الوحيدة التي يستقبلها أنفي من الخلق أجمعين تبعث على الغثيان. انقسم التاريخ في وجداني إلى عهدين كما قسم طوفان نوح تاريخ الخليقة: من ركب نجا ومن لم غرق. كنت من الغرقى الذين لا جبل يعصمهم: لا خال ولا عمّ ولا جد في الحكومة. هكذا فسرت أم الأبناء الأمر. صرت أشعر بأنني أعزل كنخلة في بحر من الرمال، علمت أنني ضعت إلى الأبد. لن استرجع، قَطُّ، احترامي لذاتي ولا لغيري، تغلغل الشؤم والعتمة في كياني. لا أحد في هذا العالم يستحق العطف أو الرحمة.


عشية العيد اصطحبت أصغر أطفالي. اكتلنا حبوب زكاة الفطر. أردفته خلفي على الدراجة النارية وذهبنا إلى مَحَجِّ الحمَام. راقبنا طير السلام الجميل وهو يلتقط ما يرمى له من لقط، فتحت كيس زكاة الفطر وأخذت أنا وابني نرمي للحمام بالحفنة تلو الأخرى من تلك الزكاة  والصغير في قمة السعادة  يضحك ويكركر دون أن يدري أنني كنت أخاطب الحمام سرا: "خذ، أنت أولى به من بني آدم أكحل الرأس والكراس، فأنت، على الأقل، آمن من انفلونزا الطير،  هنيئا مريئا،  وإلى عيد آخر، وكل عام وأنت  بخير!"


أسابيع معدودة ويقام معرص الكتاب. آنذاك، فقط، سأرى ما إذا كان حجاب أبي السعادات سيفعل فعله أم لا. وإلى ذلك الحين ليس أمامي إلا المواظبة على قراءة نسخة عتيقة من كتاب "هكذا تكلم زرادشت" اشتريتها وأنا تلميذ من ساحة جامع الفناء. فرب كتاب لم ينفع  أيام الشباب كان منقذا في خريف  الكهولة، ولو أن كثيرا من الشك يخالطني فيما إذا كنت قادرا على التحول فعلا، من حمَلٍ وديع إلى ذئب شرس يلتذ بولْغ دماء الجميع دون تمييز؛ وحتى لو ثبت أنني قادر على التحول فإن المرارة ستتضاعف: لماذا أهدرت العمر في محبة السلام  ولم ألبَسْ للكريهة لباسَها منذ الأزل؟