لكل أجَل كتاب

19/04/2015 - 9:23:50

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

محمد أيت حنا

    تحتَ التأثير المباشر لنبيذ سانت إمليون الفرنسي، والتأثير العرضي لمقدّمات بورخيس ومرويات كِليطو، سيجلسُ شخصٌ إلى طاولته بإحدى الحانات المبثوثة على ضفتي نهر الأدور جنوب فرنسا، محاولاً ربط خيوطِ قصّةٍ تقُوده إلى كشف لغز "الكتابة والموت". ولأنّ صاحبنا يعاني أزمةَ تشكيلٍ منذ مجموعته القصصيّة السّابقة، فقد قرّر رصفَ آجرِّ قصّته في أبسط صورةٍ ممكنة، وتقديمها في خمس محطّاتٍ، هو ذا عرضُها:


1 ـ عن لارا كرافت (بتصرُّف):


   "في البدء نزلتِ الحياةُ، ومعها الموتُ، إلى الأرض في كتابين. اِختارت الأرضُ، محضَ مصادفة، فتحَ كتابِ الحياة، وظلَّ كتابُ الموتِ مغلّقاً ومقصيّا إلى "مكانٍ" لا يدري أحدٌ "مكانهُ". ونادرةٌ هي تلك اللّحظات التي تمّ فيها العثور عليه وشهدت محاولة فتحه. آخرُ من تذكُره المراجعُ الشفويّة السريّة هو الإسكندر المقدوني، الذي عثرَ عرضاً على الكتاب، فما إن همّ بفتحه حتّى اجتاحت الأوبئة [التي كانت تسمّى الطّاعون، باشتراك الاسم] جنودَهُ، فأقفل الكتابَ وقفّل عليه في صندوقِ لا يدري أحدٌ مكمنه".


2 ـ عن الشنقيطي (بتكلّف):


    "ولمّا أن جاوَز الفَتَيان إلى ضفّة النّهر الأخرى، حاملين كتابيهما، ألفيا شيخاً جالساً يتبرّزُ ويُفلِّي شعرَ رأسٍه من القمل ويأكلُ كسرة خبز، فقال لهُ المتلمّسُ باللّه: "ما رأيتُ شيخاً أحمقَ ولا أقّل عقلاً منك، أتتبرّزُ وتأكلُ وتقتلُ القملَ؟" فردّ عليه الشّيخ: "وما المنكر فيما أفعلُ؟ أُدخلُ طيِّباً وأُخرج خبيثاً وأقتُلُ عدواً! فأين حُمقي ممّن يحملُ موتَه بيمينه؟" إذّاك فقط أدرك المتلمّس أنّ المكتوب الذي يحملُه من سيّد قوم إلى آخرَ، ليسَ سوى أمرا بقتله، لم يكن سوى كتاب موته. فكان أن رمى الكتاب في النهر ليُفتكَّ حبرُه/شرُّه.. لكنّ الفتى الآخر، رفيقه، المعتدّ بنفسه، طرَفة بن العبد، لم يصدّق من كلامِ الشّيخ الخَرِف شيئاً، ومضى في سبيله..."


3 ـ عن عبد الفتّاح كليطو (بتقشّف):


    "في رواية أمبرتو إيكو "اسم الوردة" يقوم الرّاهبُ جورج، بإيعاز من خوف أزليّ من زوال مملكة الرّب، في نسختها المسيحية، بإخفاء الجُزء الثاني من "كتاب الشّعر" لأرسطو، وهو الجزء الذي كان قد خصّه الفيلسوف المشّائي لتدبّر أمر القسم الثاني من النّوازع البشرية، أقصدُ نوازع الفرح والتدمير. غيرَ أنّ الرّاهب لم يعمد إلى إتلاف الكتاب، وإنّما اكتفى بلصق أوراقه بغراء مسموم، فصار لزاماً على كل من أراد أن يتصّفح الكتابَ أن ينقل إبهامه بين أوراق الكتاب ولُعاب لسانه، فتكون ضريبة الاطلاع على كِتاب الكوميديا، كتاب الضحك والسعادة، هي الموتُ حتف السُّم.


نعثُر في اللّيالي العربيّة على حكايات تعيد الوضع نفسه، حيثُ الأبطالُ يلقون حتفهم بتقليب صفحات الكتُب المسمومة، غير أنّ في اللّيالي حكايات أخرى ينجو فيها النّاسُ من شرّ الكُتب بعد إغراقها أو نقعها في الماء ليُمحى أثرها...


إزاء كلّ كتاب قاتل، هناك كتابٌ غريق".


4 ـ عن جريدة الصّباحية المغربية (بتطرّف):


    "جاء في أحد أعداد مايو من سنة جريدة الصباحية، الأخيرة، الخبرُ التالي: فرّاشٌ يقتلُ زميله بسبب كتاب. أقدمَ فرّاشٌ بدرب السلطان على قتل زميل له، بسبب خلاف على كتابٍ، تطوّر ليطعن الأوّل الثانيَ بسكين ويرديه قتيلاً على الفور".


5 ـ عن الجالس على ضفّة نهر الأدور (بتعرّف):


جاء في القرآن أنّ لكلّ أجل كتاباً، وربطٌ بسيطٌ بين عناصر المحطات الأربع السّابقة يكفي لنستبين الصّراع الأزلي بين الكائنات الفانية/ نحن، وبين الكتب التي نفتضّها أو نفّك طلاسمها. إنّ كلّ من يكشف سرّ كتاب الموت يكون مآله الزّوال. فهل عليّ أن أؤوّل لأقول إنّ مملكة واسم الإسكندر اللذين استبسلَ القائدُ المقدوني في الدّفاع عنهما، صارا أثراً بعد عين؛ والفتى طَرفة، الذي اطّلع على سرّ موته، قُتل دون العشرين، بأمرٍ مخطوط على الكتاب الذي كان يحمله؛ والقسّ الذي ظنّ نفسه يحتمي من خطر الكتاب، قضى محترقاً معه؛ حتّى جريدة الصباحية المغربية، لم تقاوم إلا أسابيع معدودة بعد نشرها خبرَ الكتاب القاتل، فأعلنت إفلاسها وانسحبت إلى النسيان...


    ومع تقدّمي في ربط عناصر القصّة، كنتُ أنا الجالسُ عند ضفّة نهر الأدور، الذي تعتعه نبيذ سانت إمليون، وعذّبه طول التأمّل في استهلالات بورخيس ومرويات كيليطو، أميطُ الحجاب شيئاً فشيئا عن مصير كتابتي المنذورة للمحو وذاتي المقيّضة للزوال... بيد أنّ أملاً ضئيلاً يراودني إذ أتذكّر الفتى المتلمّس وقصص غرق الكتب في اللّيالي، وأوقن أن كشف سرّ الكتابة القاتلة لا يوقف الأجل المحتوم إلا إذا أُغرقت هذه الكتابة في الماء وانفك حبرها وعادت سالمة إلى أرض دِعتها، أرض البياض المنذور وحده للخلود... عند ذاك حملت قصّتي وتأملت مياه نهر الأدور بشهوة...!