سيدنا قدر

19/04/2015 - 9:22:09

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

علي الوكيلي

 في سطح المنـزل، منـزلنا سفلي وطبقتان، تجدني جالسا فوق كرسي، وضعت عليه وسادة حتى لا يأكل خشبه مؤخرتي المعظمة، أقصد الخالية من اللحم من نحافتي، سهرة طويلة من غياب الشمس إلى الفجر. تجدني جلست متكئا إلى الخلف، عيناي مسمرتان في السماء، أجزي الوقت بعدّ النجوم أو إثارة الماضي البعيد. من يدري، لعل سوء الحظ مدة أربعين سنة ينتهي بمفاجأة. ما كلمة السر؟ يجب ألا أخطئ كما أخطأت تلك المرأة التي طلبت الشعر الكثير فغرقت فيه. أنا أعرف بالضبط ما سأقول. السماء تنفتح مدة قصيرة، نصف دقيقة أو دقيقة. أرجح أن ذلك يقع حين يتعب الإنسان من الحملقة، وتهجم على عينيه سنة النوم. لذلك وضعت أمامي إبريقا كبيرا من القهوة.


 تبدو السماء متحركة، تدور حولي، كأني مصاب بدوار، أغمض عيني فلا يتوقف ذلك. لا أدري إن كانت دوخة حقيقية أم تهيأ لي. أتلهى بأضواء المدينة البعيدة وأجواق سياراتها المتلاطمة، قد يقفز صوت مطرب الحي في عرس أو فوق مئذنة عبر مكبر صوت قوي، عادة يستعمل في الحروب ليسمع كل الناس التحذيرات والأوامر. ليل طويل من أجل قضية خاسرة، لكن من يدري. يمر السكارى في منتصف الليل في الدرب فأطل عليهم وأشيعهم في تساقطهم المتكرر نحو بيوتهم ثم أعود لمقعدي الخشبي. هؤلاء لا يهمهم سيدي قدر، يصنعونه بالخمر والويسكي كل ليلة ثم يفيقون على الخواء بعد الظهر، حياة الملوك بلا سلطان.


توقف الزمن وسكتت المدينة ونامت السيارات في المرائب وسمع شخير الحراس إلا من نباح كلابهم المتقطع. هبت ريح باردة فالتحفت مئزرا وانكمشت في مكاني. أحسست بالنوم ناعما يحوم حول جفوني فلعنت الشيطان وصفعت خدي وجبهتي. ساعتان أو ساعة ونصف ويحل الفجر. قيل هو أحيانا بين خيط الليل الأسود وخيط الفجر الأزرق. كئوس القهوة الأخيرة باردة لا مفعول لها. النوم يجر جفوني نحو الأسفل ولساني أثقل من جبل. لكن عنادي أقوى من ذلك.


سمعت صوت ديكة تتجاوب فيما بينها من أماكن متعددة من المدينة، اقترب الفجر، هذه ساعة سيدنا قدر. طلب واحد بجملة قصيرة مركزة. سمعت خطوات سريعة في الدرب فأطللت عليه فوجدت مؤذن مسجد الحي يهرول كالخائف. رجعت إلى مكاني واتجهت نحو السماء وأنا كلي عزم وإصرار وانتظار. لكن في لحظة قصيرة جدا، سقطت كأس القهوة من يدي، هل نسيت أم غفوت؟ ثم امتلأ شرق المدينة نورا، ظننته سيدي قدر، لكن تبعته صفرة الشمس قبل ظهور قرصها الهائل الذي حين احتل الأفق بدا لي أن سيدي قدر قد غدر بي وفتح سماءه في لحظة سقوط الكأس من يدي.


منذ تلك اللحظة عم المكان هدوء غريب، لا أسمع شيئا، أرى الأشياء تتحرك أمامي دون صوت، سيارات الصباح، المنظفون، بائع الحليب وزعيقه، فرّاشة الخضر والفواكه في الدرب، لغط الناس وصياحهم، لا شيء، الصمت فقط. صعدت أختي تحرك شفتيها ويديها كأنها تقول شيئا، فرددت "ماذا تقولين؟" فأعادت حركات الفم واليدين ثم قلت لها مرة أخرى "ماذا تقولين؟" وإذا بها تلقي ما بيدها وتجري غاضبة نحو الطابق السفلي. تبعتها لأفهم، فوجدت أمي وأختي الكبرى وأخويّ كل واحد منهم يتجه إلي بإشارة من فمه أو يده دون أن أتبين شيئا، فصرخت في وجوههم "ماذا تقولون؟ أنا لا أسمعكم!" ثم ركبت وجوههم غرابة عجيبة رافقها حنان غير معهود. التفوا حولي ثم أخذوا يتبادلون الإشارات من الأفواه والأيادي والرءوس وهم يربتون على كتفي يهدئون من روعي وأنا لا أسمع شيئا من ذلك. صرخت متعجبا "هل تظنون أني أحمق حين انتظرت سيدي قدر؟، أنا لست أحمق" فانتبه أخي الكبير إلى محفظة أختي الصغيرة وأخرج منها سبورة صغيرة وكتب عليها بسرعة "أنت لست أحمق، أنت أصم فقط".