السّكــابَندو

19/04/2015 - 9:19:07

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

عبد السميع بنصابر

    في العادةِ يباغتُنا كالأيامِ الماطِرة. نعبسُ فيبتَسم. تطيرُ "المَعزةُ"[1]ومعها البقرة وتبقى قدماهُ ضارِبتينِ في الوَحلِ وعيناه تتَرصّدُ حركاتِنا. ننظرُ إلى بعضنا في تذمُّر. عبثاً نُحاولُ التخلُّصَ من شبحهِ الثقيل.


- من هي أمُّكَ؟


- السكابَندو !


- من أبوك؟


- السكابَندو !


- ما اسمُك؟


- السكابَندو !


- أنتَ ضْبَعْ.. 


- أنا السكابَندو !


ويُقَهقهُ حتّى تختفي عيناهُ الصّغيرتان. ويَجري صائحاً:


- "السكابَندو.. السكابَندو"..


لا هوَ بالأبيضِ، ولا بالأسود، سُمرَتُه تُكسبُهُ جاذبيةً خاصّة، ومعَ ذلِكَ فهوَ وحيدٌ. حتّى أثناء اللّعبِ لا يفسح لهُ الرفاق المكانَ إلّا لسدّ ثغرة أو لإتمامِ عدد فريق..


سألعبُ الذّكيَّ وأُحاصِرُهُ ذاتَ مساء لأقذفها في وجهه:


- إنهم يكرهونك أيُها الأبلَه..


ويضحكُ ضحكةً طويلةً قبل أن يُجيب:


- يُحبونني.. لا أحدَ يكرهُ السكابَندو.. ويلتفتُ مبتَسماً:


- هل تكرَهُني أنت مثلاً؟


- نعم، أكرهك..


يبتًسم. أشتُمه. يضحكُ فينيخُ على صدري بثقلِه. أصفَعُهُ بقوة، وعندما أنصرِفُ تلاحِقُني ضحكتهُ وهو يصيح:


-  تعالَ، سامحتُكَ... السكابندو يُسامِحُ الجميع..


صبيٌّ غامِضٌ هذا الذي كُلّما التفتنا إليه نجدُهُ يلعبُ بالحصى، ينظُرُ إلى الأفقِ أو السّماء.


نتعمّدُ الابتعادَ فَيُلاحِقُنا بِبُطء وهُوَ يقذِفُ الحصى بِقدَمه، وعِندما يكشِفُ أمرَنا يبتسِم ثمّ يضحَكُ تلكَ الضّحكةَ الفريدة ويصيح: "السكابَندو".. 


عِندما نَلعبُ الكُرةَ كانَ يتكوّمُ قُربَ ملابسَنا بلا حَركة، كأنّهُ إحدى قِطَعِها وهو يُمسِكُ بِوجهه مُكتَفياً بالتفرّجِ.


- اسمَع أنت، مهما لبثتَ هُنا، فإنّك لن تلعَب معنا..


- اُحرُسِ الملابسَ يا ضبُع!


لا يَغضَب. لا يحْزَن. لا يَحتجّ. السّكاباندو. ذاكَ هُو. وتَتّسِعُ نظرةُ التّهميش فتلُفّ أُمّهاتِنا:
- لا تَلعبْ معَ ابن بائع الفحم !


يئسنا من التخلُّص منهُ أو كشفِ كُنهِه وسرّ ابتسامَته الغامضة. عندما تعِبنا صارتْ أفكارُنا حولهُ بدورِها سكابندو وغامضة. كلُّ شيء صارَ "سكابندو"..


ذاتَ يوم مُمطر طرقَ بابَ منزلنا، وعندما ألفيتُهُ صفَعتُهُ قبل أن يُقدّمَ لي زوجيْ حذاء سميك هامِساً:


- أهدتنيهِ خالتي وقلتُ إنّهُ سيُلائمُكَ..


ثُمّ ركضَ وقد شعرتُ به يكتمُ بُكاءهُ. لم أرَهُ يبكي أبداً...


عِندما سألتني أُمّي عمّن مدّني بالحذاءِ يومها أقنَعتُها أنني عثرتُ عليهِ قُربَ الوادي.
- احذَر أن يسرِقهُ منك ابنُ بائع الفحم..


قُربَ الضّاية الكبيرة، أوهَمْنا السكابَندو قبلَ شهور أنَّنا نَرغَبُ في أن نسبَح ونحتاجُ زعيماً يقفزُ إلى الضّاية لنَتشجّع..


- أنا.. السكابندو، سأقفِز..


على حافّةِ الضّايَةِ المُلوثةِ وقفَ وهو ينظرُ إلى صفحتها. وقبلَ أن يقفِزَ عمدَ بعضُنا إلى الدفعِ به بقُوّة، فسقطَ السكابندو سقطةً أطارتْ على ثيابِنا رذاذ الماءِ العكِر. مُبلّلاً صعدَ على يديهِ ورُكبتيهِ كمن يفِرُّ من لهيبِ نار رهيبة. ودون أن يلْتفِتَ ركضَ السكابندو ملءَ رُكبتيه لا يلوي على شيء، وقد غطّى وجههُ بيديهِ فيما كانَ صُراخُه قد ملأ الأجواء. السكابندو لم يبتسِم. لم يُقهقِه كما توقّعنا. السكابندو يصرُخُ من ألَم غامض. السكابندو، ما الذي حصل؟


أذكُرُ أنّنا تفرقنا لحظتها وقد أجمعْنا أمرنا بيننا ألا شيءَ حدث.. لمْ نرَ السكابندو ولمْ يُلقِ بهِ أحدٌ إلى الضاية كما سيَدّعي..


بِتُّ ليلتها مرعوباً. ستنشُبُ أمي أظافرها في عُنقي لِسَببين: اللعِبُ مع ابن بائع الفحم، ثمَّ المُشاركةُ في جريمة جماعيّة...


لمْ يطرُق بائعُ الفحم بابَ منزل أحدِنا، ولزمنا الصمتَ، بله لم نعُد نذكرِ السكابندو في أحاديثنا. لقدِ اختفى. السكابندو اختفى كما لم يتوّقعْ أحدُنا.


وفجأة، وفي غيابهِ سيتلَبّسُني شعورٌ شديدٌ بالنّدم. حاولتُ مراراً أنْ أطرُدَ هذا الإحساسَ باستدعاءِ بعضِ خطاياهُ لكن دون جدوى. كانتْ ابتسامتُهُ تأتيني مُنكرَةً عليّ مكرَنا وظُلمَنا. 


لقد افتقَدتُ السكابندو أخيراً.


ذاتَ ليلة استغرقت فيها ثرثرةُ الجاراتِ أمّي، نادتْ علي وأدخَلتني إحدى غُرفِ المنزل ثم غلّقتِ الباب. داهمتْ فزعي قائلة في همس رهيب:


- ابنُ بائع الفحم أُصيبَ بمرض جلديّ خطير، ولا أحدَ يعرِفُ السبب.. إياكَ أيها الشقيّ أن تلتقيه فتُصابَ بالعدوى..


أحسستُ بطُمأنينة في بدايةِ الأمر، لكن ما لَبثَ حُزني وندمي أن تفاقما حتى صِرتُ انعزالياً وشارِداً في أغلبِ الأوقات.


ذاتَ غَفلة من أمي، تسللتُ عبر الزقاقِ المُظلِمِ الّذي يمُرّ عبر البيُوتِ الطّينية. من خلفِ دار بائع الفَحم، تسلّقتُ الجدار مُحاولاً القَفزَ حتّى أتبيّنَ حقيقةَ ما شيعَ حول السكابَندو، لكِنَّ المشهدَ الذي صَدمَ عينيّ تركني مُعلّقاً فوقَ الجدارِ بلا حراك. تحتَ قوائمِ العجولِ كانَ السكابَندو يحبو بلا بوجهة مُحاولاً اتقاءَ رفساتِها، وقد قُيّدت رجلاهُ الحافيتانِ بسلسلة حديدية متينة مشدودة إلى وَتَد ضُرِبَ تحت الجِدار الطّوبي. كانتْ ثيابهُ مُمزّقةً ومُثقلةً بقذارةِ الدّوابّ. راقبتهُ دونَ أن أتحرّك من مكاني. كانت ذراعاهُ النحيفتانِ وساقاهُ العاريتانِ مرقّطة بطفح جلديّ أحمر. لم ينتبه إلى وجودي لأنّهُ كانَ مُنهمكاً في الحركةِ وكُلّما أصابتهُ رفسةُ عجل ندّت عنهُ آهة ألم. فجأةً كدتُ أهوي إلى الأرضِ فتشبثتُ بالطوبِ. التفتَ إليّ بسُرعة فخفقَ قلبي بقوة. كانتْ عيناهُ مُبيضّتيْن، شعرتُ بهلع شديد، فقفزتُ بِسُرعة إلى الزّقاقِ كاتِماً صرخةً ضجّ بها صدري وركضتُ مُسرعاً بِلا وجهة..


يومٌ من أيّامِنا الماطِرةَ يجمَعُ الصّغارَ من جديد بعدَ شُهور. السّماءُ تُمطرُ، والذئبُ يُقيمُ عُرسَهُ[2]خلفَ الغابةِ الكبيرة..


السّكابندو مات.. مات السّكابَندو..


كيف سأذكُرُ من حملَ إلينا الخبرَ لحظتها، وقد نسيتُ يومئذ الوحلَ الذي كانَ يُعيقُ جريي. كُنتُ أركُض إلى القريةِ وقد رشح جسمي بعرَق كثير رغم المَطر والبرد.


هل ماتَ السكابَندو؟ لماذا مات؟ هل ماتَ السكـابندو؟ مـ ا ت الـ سـ كـ...؟


كان حشدٌ من النّاسِ قد اجتمَعَ أمامَ منزل بائع الفحم. تلقّتني أمّي بيديها عندَ البابِ ثمَّ أبعدتني..
- هلْ جُنِنت؟ إنهُ الطّاعون.. ستموتُ إن دخلت.. ابتَعِد أيُها الشقيّ...


في غَفلة مِنها، تسلّلتُ إلى الزّقاقِ الضيّق لأتسلّقَ الجِدار الخلفيّ لمنزِلِ بائع الفَحم...


كانَ السكابَندو مُمدّداً على بطنهِ، وقَدِ انغرَسَ فأسٌ في رأسهِ جعلهُ مُثبّتاً على الأرض. وكانتِ العجولُ قد تراجعتْ إلى إحدى زوايا الزريبة وتكدّست بها مُبتَعِدةً عنِ الدّمِ الأحمرِ الذي اختلطَ بالرّوثِ والوحل. لبِثتُ أحملقُ في جُثّةِ السكابَندو وقدْ لفتَت انتباهي انثناءَةُ أنامله مُشكّلةً قبضة صغيرة. تساءَلتُ إن كانَ لا يزالُ يذكُرُني. قَدْ يكونُ سعيداً الآن بالجلبةِ التي أحدثها لأول مرة في حياته. عندما أطلتُ التأمّلَ في جسمهِ خُيّلَ إليّ أنّهُ دَخلَ عالمَ الكِبارِ لأنّ سكونَهُ استفِزَّ طفولتي لحظتَها. شعَرتُ بالحسد. هل يُمكِنُهُ الآنَ أن يَقبلَ صداقَتي؟


في اللّيلِ كانت أمّي تحكي للجاراتِ عنِ الطّاعونِ والعدوى عشراتِ المرّاتِ، ثم تختمُ كلامها قائلةً:


لكِن الحَمدُ للّهِ على لُطفه، بائعُ الفحم أَنهى خَوفنا، لولاهُ لهلكَ أبناؤنا..


تَذكّرتُ فأس بائع الفَحم. تذكّرتُ السّكابَندو وانثِناءَةَ أنامِلهِ الدّقيقة وسكونِهِ الغامِض، فندّت عنّي شهقَةٌ بُكاء. التفَتت إليّ أُمّي فَزِعةً:


ما بِكَ؟ ما بِكَ يا حَبيبي؟


 صِحتُ قبلَ أن أُجهشَ بِالبُكاء:


أكرَهُ السكابَندو يا أُمّي.. أكرَهُ السكابَندو..