حدث في شارع المقاومة

19/04/2015 - 9:17:27

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

زهور كرام

   كومة من الأزبال، إن أتى الريح حملها هواء. أخرجتُ رأسي من النافذة أكثر، لعلي ألمح ظله. التقط بصري كومة ثانية، وثالثة على امتداد الرصيف الموازي للمعهد الزراعي.


   ـ أين هو؟


بحثت عنه يمينا وشمالا.


ها هو قادم، جسد يجر ثقلا من السنوات. حرتُ في منحه عمرا. هو مُشرف على الانسحاب. هيئته تؤكد ذلك. هل ما زال يُبصر الألوان، ولون قبعته يحتضر؟ "قبعة مسيو روبير". قال لي يوما حين سألته عنها. "ملي خذينا الاستقلال رجع مسيو روبير لبلاده.. كنت كنعمل عندو في الحديقة". نزعها من رأسه. قلَبها بين يديه. "هذا ما ورثو عنو" أضاف. وبزغت ابتسامة مرهقة من وجنتيه. كأنه حارب جيوشا.  أخرجها ابتسامة حيَرني أمرها. كلما احتويتها بعيني، خفتُ بريقها.


ها هو قادم.


ينحني بكل قواه. يجمع ما راكمه بيده.


  أرى قدميه تزحف. أرى الأصبع الكبير من رجله اليسرى، يخرج من الحذاء المربوطة أطرافه بخيط كتان.


لم يرفع رأسه.


اعتاد أن يرفع رأسه، ويلقي علي التحية كلما اقترب أمام باب المعهد.


بيني وبينه سر مكشوف.


  هذه المرة، تابعت انحناءه. يملأ السلة ثم ينهض. يرمي ما بداخل السلة في صندوق القمامة ثم يجلس. ينهض.. يحاول.. يحتمي بحجرة ثم يقف نصف منحن. سقطت القبعة. رفع يده. تحسس عري رأسه. ارتعش. شعر بالبرد.


   من النافذة أطل على رأسه العاري. تدحرجت القبعة وسط الطريق. خطا. التفت يمينا وشمالا. عبر الطريق. قبل أن تمتد يده إليها. كانت سيارة أسرع من خطوه. تراجع. استوت القبعة مع الطريق. خطا مرة ثانية، التفت يمينا وشمالا. اقترب منها.  كانت شبه ميتة. كانت تحتضر. انحنى. التقطها ويده ترتعش. رجع إلى الوراء.  جلس أمام باب المعهد. قلبها. مسحها. أعادها إلى هيئتها، ثم غطى عري رأسه. فبدا لي  كما رأيته أول مرة.


رن الهاتف. أسرعت أرد.


عندما عدت لمحت الشارع وقد تخلص من القمامة.


  هذا الصباح أخرجت رأسي من النافذة.  فتشت عنه يمينا ويسارا.


  سأنجح اليوم في ضبط الابتسامة. سأهديه حذاء. لم أناقش السعر. اخترته، وطلبت من البائع أن يلفه في صندوق كرتوني ملون. سأقول له: حذاء لك. حذاء جديد. لم يرتده غيرك من قبلك. ارتده واقبر الآخر. سيرتاح إصبعك.


  ما زالت أزبال هذا الصباح تلون الرصيف. أرى سيارة  مدير المعهد تخترق الباب. 


من النافذة أبحث عنه.


  ربما أخذ عطلة. أو ظرف خاص عطَل مجيئه. ربما انصرف يصرف الماندا.


بقي الحذاء ينتظر.


تراكمت الأزبال.


صباح آخر، وحارس المعهد أراه يغلق الباب بعد دخول سيارة المدير.


أخذت نفسي. حملت الحذاء وذهبت أسأل في البلدية.


-اسمه؟


- لا أعرف. كل ما أعرف، أنه يجمع القمامة في الشارع حيث يوجد بيتي.


- أين تقيمين؟


- شارع المقاومة.


آه، تقصدين بامحمد.. مات ليلة البارحة.