دين الدولة ودين أبوهم

08/07/2014 - 10:17:06

بقلم: طارق سعدالدين

حساسية شديدة بين كثير من المثقفين والدين, وخلط شديد بين الصراع مع جماعات الإسلام السياسى وبين الدين الإسلامى ذاته, د. جابر عصفور كتب مقالاً فى الأهرام عن (صراعات الخطابات الدينية) إنتهى فيه إلى أن عدد من علماء الأزهر وشيوخه مثل رفاعه الطهطاوى ومحمد عبده والشيخ شلتوت ود. أحمد الطيب كانوا من التنويريين الذين ينادوا بفصل الدين عن الدولة, وقد تصدى للرد عليه د. عباس شومان من شيوخ الأزهر والذى بين له فساد ما ذهب إليه من إستنتاجات بالحجج والأدلة من كتب المشايخ الذين ذكرهم د. جابر عصفور.


فالطهطاوى فى كتابيه (تلخيص الإبريز فى تلخيص باريز) و(مناهج الألباب) إنتقد شيوع العلمانية وتهميش الدين المسيحى فى فرنسا.


أما الشيخ محمد عبده فعندما رفض الدولة الدينية فى أوروبا فقد قدم بديلاً لها وهو السلطة المدنية الإسلامية وقال" الإسلام لم يعرف تلك السلطة الدينية التى عرفتها اوروبا, فليس فى الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة, وهى سلطة خولها الله لكل المسلمين, والأمة هى التى تولى الحاكم, وهى صاحبة الحق فى السيطرة عليه, وهى تخلعه متى رأت فى ذلك مصلحتها, فهو حاكم مدنى من جميع الوجوه, ولا يجوز لصحيح النظر ان يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج ( ثيوكراتيك) أى سلطان إلهى, بل إن قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من الأساس هو أصل من أجل أصول الإسلام".


وعن علاقة الإسلام بالسلطة والتشريع يقول محمد عبده" إن الإسلام دين وشرع، فهو قد وضع حدودًا ورسم حقوقًا، ولا تكتمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضى بالحق، وصون نظام الجماعة، فالإسلام لم يدع ما لقيصر لقيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله، ويأخذ على يديه فى عمله فكان الإسلام كمالاً للشخص ، وألفة فى البيت، ونظامًا للملك امتازت به الأمم التى دخلت فيه عن سواها ممن لم تدخل فيه".


وفى نفس السياق المطالب بفصل الدين عن الدولة طالبت مذيعة الفضائية المصرية بسنت حسن  فى أحد برامجها رئيس الجمهورية بأن يتوكل على الله ويعلنها علمانية, وهو مانشره النشطاء على مواقع التواصل الإجتماعى ليثيروا الكثير من الجدل بين المؤيدين لها واللاعنين لما تقوله.


حجة الداعين إلى فصل الدين عن الدولة هو ان مفهوم الدولة الحديثة يقوم على المواطنة, لأن الدولة يمكن ان تكون خليطاً من اتباع ديانات مختلفة لذلك لايجب فرض تعاليم دين لايؤمنون به عليهم, وحرمانهم من ممارسة شعائرهم, أو ممارسة التمييز عليهم بسبب دينهم, لذلك على الدولة أن تكون محايدة بالنسبة لكل الأديان بما فيها الملحدون أو الذين لايؤمنون بدين معين.


ولكن الواقع يقول أن أشد الدول فى الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة كالولايات المتحده وأوروبا تفخر بمسيحيتها, فحزب الشعب الأوروبى والمكون من 70 حزب مسيحى من 40 دولة هو الذى يشكل الأغلبية فى البرلمان الأوروبى ومنذ عام 2002, كما وأن كل من ألمانيا وفرنسا تقفان ضد إنضمام تركيا المسلمة للإتحاد الأوروبى لأن هذا الإتحاد فى رأيهم يجب أن يظل محافظاً على قيمه كنادى مسيحى, وفى ألمانيا مازال الحزب المسيحى الديمقراطى ورئيسته هى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل محافظاً على الأغلبية البرلمانية منذ عام 2005 , وقد قالت فى مؤتمر علنى لها " فى المانيا لانعانى من وفرة الإسلام ولكن نعانى من نقص فى المسيحية" كان ذلك فى معرض تعليقها على فشل تجربة التعددية الحضارية فى ألمانيا.


وقد رأينا جورج بوش الإبن وهو المسيحى المتعصب يصف حربه على العراق بالحرب الصليبية, ورغم أن أمريكا راعية الحريات الدينية فى العالم, والتى تفخر بأنه لايوجد تمييز بين مواطنيها بسبب الدين لم يختار مواطنوها رئيساً يهودياً طوال تاريخها الممتد لأكثر من 130 عاماً رغم النفوذ الإقتصادى والسياسى والإعلامى الكبير جداً لليهود هناك, فالرئيس الأمريكى يجب أن يكون مسيحياً بروتستانتى مثل الأغلبيه هناك, والإستثاء الوحيد كان المسيحى الكاثوليكى جون كيندى ( تولى الرئاسة من يناير 1961حتى نوفمبر 1963).


إذن فصل الدين عن الدولة صعب حتى فى اعرق الدول العلمانية لأنه مرتبط بقضايا المجتمع الإجتماعية والثقافية والأخلاقية, وقد تغلبت الدول الغربية على علمانية الدولة ونفس الوقت المحافظة على قيمها المسيحية بتضمين الكثير من هذه القيم فى قوانينها الوضعية, وعلى حد علمى مازال فى الدستور المصرى المواد التى تقول إن الإسلام هو دين الدولة, وانه المصدر الرئيسى للتشريع, أما دعاة إقصاء الدين عموماً من الحياة العامه فلا أجد سوى كلمات الشاعر جمال بخيت للرد عليهم (دين أبوكم أسمه أيه).