طلعت حرب وكتاب تحرير المرأة (3)

16/04/2015 - 9:31:31

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

      لا تكاد تمضى مع طلعت حرب فى كتابه حتى ترى بوضوح أنه كان من المتوجسين من مغبّة الاقتداء بالغرب والغربيين، وهو توجس يفترض أن المقتدى لا يميز بين الحسن الذى يقتدى به، وبين الردىء الذى يجب أن يعف عنه، وهو افتراض ينطوى على عدم ثقة فى قدرة الناس على التمييز.. ويكشف من ثم عن الهواجس التى دفعت معظم الناس، حتى المثقفين، إلى مقاومة دعوة قاسم أمين.


       ومع أن طلعت حرب أبدى فى التقديم أنه يدعو إلى مثل دعوته، إلاَّ أن المتابع لكتابه يرى بوضوح أنه رغم ما بذله من جهد فى البحث, ظل على توجسه، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى.. فهو يسلم فى البداية بأنه لا ينبغى أن تكون المرأة متخلفة، وأن ذلك التسليم يوجب التربية فى العلم والأدب لمداواة الحالة الحاضرة، والتى يقر بأنها ليست على ما يرام، وأنها تحتاج إلى مداواة,  ثم لا يجد صعوبة فى الإبانة عن عناصر التربية الصحيحة التى يراها فى ثلاثة أضلاع تدور حول  الرضاعة، وتقويم الأخلاق، وتربية العقول بالمعارف والعلوم.. فإذا ما أدلى بدلوه فى حديث طويل عن رؤيته لكيفية هذه التربية، انتقل إلى الحجاب، فأبدى أنه العفة والأمانة والحياء، وأنه أعظم قائد للعفة، ولكن ما هو الحجاب الشرعى الذى يأمر به الدين، وهل هو الحجاب «الحالى» الذى لا شك أنه بدعة لم يأمر بها دين ولم يقل بها شرع، أم أنه شيء آخر؟


     طفق طلعت حرب يسوق بحثًا طويلاً فى قراءة آيات القرآن، والأحاديث النبوية، وما أثر عن الصحابة والتابعين.. ولن تجد صعوبة فى استظهار أن طلعت حرب من المحافظين، ولابأس فى ذلك، ولكنك ستفاجأ بأن الرائد الاقتصادى الكبير، مؤسس بنك مصر، ومصر للطيران، ومنشئ شركة مصر لصناعة السينما التى بنت ستوديو مصر ـ والعديد من الشركات التى قامت عليها النهضة الاقتصادية، قد جاوز الحجاب الذى لا يختلف أحد على وجوبه، إلى النقاب أو ما يشبه النقاب.. وأنه لم يتخلص من فكرة أن وجه المرأة «فتنة»، وأن وظيفتها منزلية داخل البيت، ولا تخرج منه إلاَّ للضرورة، وأن تكليفها «بالتبرقع» أقل ضررًا لأن أغلب الفتنة من النساء، ثم يصرح بأن النساء «قد نلن نصيبهن من هذا التفريط فى أمور الدين، وبرزن ـ على حد قوله ـ من خدورهن، وصرن ولاَّجات طوافات فى الشوارع والمتنزهات، متبرجات متزينات، يبدو منهن من الإشارات والحركات فى الطرق ما يأنف منه الذوق السليم, ولعمر الحق ما هذه الأمور من التى نراها إلاَّ مخالفة كلها للدين ولصريح القرآن الكريم القاضى بغض البصر وبعدم التبرج وعدم إبداء الزينة, ولكن ماذا نقول والغيرة على الشرع قد انعدمت أو كادت والفضيلة ذهبت وذهب رجالها والآداب اندرست ومات ذووها!»


     لست بحاجة من بعد إلى أن تأمل من طلعت حرب دفاعًا حقيقيا عن حقوق حواء، ولا إنصافًا حقيقيًّا ـ رغم العبارات الواعدة ـ لقاسم أمين.. فقد أفصح فى صراحة عن أنه يرى الحجاب «الحالى» غير شرعى، وأن النساء ـ آنذاك ـ لسن محتجبات، بل هن فى الحقيقة متبرجات مفسدات.. وأن الواجب هو «النقاب» الشرعى الذى يشترط فيه أن لا تبدو من وجه المرأة  إلاَّ العين الواحدة أو العينان كما قرر المفسرون!


     إذاً، فقد انحاز طلعت حرب إلى «النقاب»، تحت ظن أن النقاب بهذا الوصف ـ هو الحجاب الشرعى، ومع سكوت حواء عن التصدى لهذا المنطق، مع أن القضية تمس كرامتها الإنسانية، وتحمل خطأ النظر إلى النساء على أنهن محض عورات مثيرة للفتنة، ومن اللافت أن من أكبر من تصدوا لهذا النظر, ودفعوه بالحجة والمنطق والبرهان والدليل الشرعى, هو خريج الأزهر الشريف، وإمامه الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى، الذى تعرض ـ رحمه الله ـ إلى الكثير من الإعنات والتطاول، لمجرد أنه نصح صبية فى سن العاشرة بأنه لا حاجة بها إلى النقاب وهى تلميذة صغيرة فى مدرسة للبنات، تزامل بنات مثلها, وتتلقى العلم عن مدرسات، ولا يوجد من ثم ما يدعوها للنقاب الذى شارك بعد هذه الواقعة فى جهود مثمرة لإيضاح أنه فى الحقيقة محض عادة، وليس فريضة أو عبادة، ولذلك حديث آمل أن أعود إليه.


                ( يتبع )