100 عام علي رحيل المؤسس..دموع جرجى زيدان فى دار الهلال

06/07/2014 - 12:27:55

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير : شيرين صبحي

جرجى زيدان يستحق الاحتفال به فى كل وقت، داخل مصر وخارجها، باعتباره أحد الرموز الكبرى للثقافة المصرية والعربية والإسلامية، التى صنعت ثقافتنا المعاصرة، لكن دار الهلال لديها العديد من الأسباب التى تخصها وتدفعها لهذا الاحتفال، يوضحها غالى محمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال، أهمها أن زيدان هو مؤسس هذا الكيان الإعلامى الراسخ، والمنبر التنويرى الكبير، الذى حرص ولايزال على نشر الثقافة والاستنارة وفكرة النهضة، فالرسالة الإعلامية لمؤسستنا هى ذاتها الرسالة التى صاغها جرجى فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، نؤديها بروح جديدة لتواكب العصر.


إننا نحتفل بجرجى زيدان -يضيف غالي- كضوء ساطع على طريق الاستنارة، إنه فى نظرنا زهرة يانعة، وسط صحبة من الزهور التى لا تزال متفتحة فى حديقتنا المصرية والعربية، تفوح بروائح عهد جميل من العطاء لهذه الأمة.


السفير اللبنانى خالد زيادة يعتبر جرجى زيدان عنواناً لمرحلة من مراحل النهضة العربية، وعنواناً لمؤسسة استمرت طوال هذه السنوات، وهو ما يعنى استمرارا للمعانى التى انطوت عليها، واحتفالنا به هذا العام إعلان عن عزمنا لمواصلة مشروعه التنويرى والنهضوي. يقول: إننا بحاجة أن نفكر من جديد فى الأسس التى قامت عليها النهضة العربية، وخصوصا بعد السنوات الثلاث الماضية التى مرت بها الدول العربية. نحن بحاجة إلى استعادة تجربة زيدان والجيل الذى رافقه وقدم لنا النهضة العربية، والأسس الى يمكن أن تقوم عليها النهضة الجديدة.


واعتبر أن تجربة زيدان جزء من تجربة هذا العصر، الذى شهد وصول عدد من اللبنانيين إلى مصر، وساهموا فى نهضتها ولم يفعلوا ذلك فى بلدهم، لأن الأجواء المصرية حينها خصوصا فى عهد الخديوى إسماعيل، كانت مشجعة.


فى الاحتفالية التى شارك فيها عدد من المثقفين والباحثين المصريين والعرب، وحضرها سفراء لبنان، الكويت، تونس، وممثل عن السفارة اليمنية، ليبيا، والمغرب، غاب عنها وزير الثقافة والكثير من المثقفين، حيث تصادفت مع إعلان جوائز الدولة


جرجى زيدان هذا الاسم الذى كان يداعب آذاننا حينما كنا أطفالا نستمع لأقاربنا الكبار، لقد كان منذ نعومة أظفارنا قارة واسعة مجهولة مساحتها هى سنوات عمرنا، كلما تقدم بنا العمر ازدادت معرفتنا بإنتاجه الثري، والذى يظل فيه دائما ما يلزم اكتشافه أو إعادة اكتشافه.. هكذا يؤكد د. جابر عصفور فى الكلمة التى ألقاها نيابة عنه د. أنور مغيث رئيس المجلس القومى للترجمة.


كان زيدان مفكرا من مفكرى نهضتنا العربية الحديثة -يضيف عصفور- صاحب رؤية فى التحديث تخرج من أسر الاحتفاء بالتكنيك وبعلوم الطبيعة لتمتد إلى ضرورة الاهتمام بالثقافة والوعى التاريخي. كان يمكن لجرجى أن يكتفى بأن يكون مفكرا وأديبا ومجددا فى اللغة، إلا أنه أبى إلا أن يكون صانعا للثقافة. وصناعة الثقافة هى السبيل الوحيد لتحويل التنوير من أمنية أو رؤية إلى شيء ملموس فى أيدى الناس يصل إلى قلب أرياف أمتنا العربية وصحاريها.


الشاعر اللبنانى شربل داغر تناول وجها قلما يتناوله دارسو جرجي، وهو النقد الشعري، فتوقف عند عدد من المقالات المنشورة عام 1905 التى أثارت حينها عددا من النقاشات؛ الأول حول الشعر العصري، والثانى حول الشعر المنثور. المدهش فى رأى "داغر" هو الوعى الأدبى لجرجى خاصة فى أمور جديدة فى الشعر ومدى قراءته الجديدة لهذا الشعر، حيث ينطلق من مفهومين وهما التمدن والاعتقاد، حيث يعتبر الشعر العصرى يوافق العمران والتمدن ويلبى حاجات الارتقاء. العجيب أنه يقترب لأول مرة لتصنيف أنواع الشعر العصرى وهى تجربة رائدة.


المهم أنه يفحص اللحظة الأخيرة فى الشعر العصرى نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، ويتوقف كثيرا عند خليل مطران. وينشر فى الهلال أول قصيدة من الشعر المنثور لأمين الريحانى عام 1905، ويتعامل بانفتاح مع الشعر المنثور، هذا الانفتاح الذى لن نجده بعد عقود مع عدد من الباحثين.


شربل داغر يعتبر أن زيدان هو هلال النهضة، فهو الأقدر بين رجالات النهضة فى أيامنا هذه. ولغته اليوم أليفة بيننا، لكن لو عدنا للغة المعاصرين له سنجدها بعيدة عنا، وكان دائماً يتحدث عن التهذيب، والتوجه إلى الفئات العريضة.


مازال محمد الشافعي، رئيس تحرير مجلة الهلال، يتساءل: لماذا يأخذ النقاد موقفا سلبيا من روايات جرجي، ويتعاملون معها بالآليات النقدية الحديثة، بالرغم من أنه فى وقته يعتبر رائدا للرواية العربية وليس فقط الرواية التاريخية؟


يؤكد أن الاحتفاء بجرجى زيدان يجعلنا نتوقف أمام سبيكة الهوية المصرية التى يمثل زيدان علامة بارزة فيها رغم أصوله اللبنانية، فقد كان عروبى الهوى إسلامى الثقافة، لذا سارع المصريون لطرد من يحاول أن يختصر الهوية فى رافد واحد.


"أخيرا هناك احتفالية لجرجى زيدان فى مصر".. لم يكن هذا أكثر ما دعى الأديبة سلوى بكر للتعجب، فنحن المصريين نميل إلى الطقوس، نتعامل مع الثقافة بعقلية ضيقة وطقسية، حيث لا نتساءل حول الجدوى الثقافية ولذلك يقتصر الدور الثقافى على عقد المؤتمرات والمهرجانات التى لا تضيف إلى المنظومة الثقافية شيئاً.


سلوى تقدم شهادة شخصية عن تأثير جرجى فى جيلها، فالشوام فى مصر كانت لديهم نزعة عملية إلى حد كبير جدا، أفاد الثقافة العربية. هذه النزعة لم تكن لدى المصريين الذين يعملون بالزراعة، عكس أهل الشام المشتغلين بالتجارة والناقلين للحضارة الثقافية.


مجلة الهلال على مدى تاريخها، خصوصا عندما يقف على رأسها مثقفون كبار -تضيف سلوى- لعبت دورا فى وجه الثقافات الماضوية وكانت تدحض كل ما أشاعه الإسلام السياسى فى مصر. علينا أن نعيد النظر حتى فى كتابات محمد عبده التى هى المصدر الرئيسى لكل أفكار الإسلام السياسى الذى نعانى من وجوده الآن.


زيدان لم يكن رائدا للرواية التاريخية، بل لفكرة بالغة الأهمية هى أن التاريخ العربى يمكن أن يكون مادة ثرية للكتابة، يستخدم التاريخ كمسرح لشخصياته الروائية، لكنه لا يطرح أسئلة التاريخ. مؤكدة أن جرجى زيدان استطاع أن يجسد فكرة القومية العربية بشكل ملموس ومحسوس، فهو أول من رسخ لها ثقافياً، عكس عبد الناصر الذى تعامل مع القومية العربية كمشروع عاطفي.


وتطرقت سلوى إلى تعرض جرجى للطرد من الجامعة المصرية، بسبب رشيد رضا، وهو ما دعاها أن تطلب من الدكتور جابر عصفور مراجعة ما كتبه عن رشيد إذ اعتبره أحد رموز التنوير، بينما الحقيقى أن "رشيد" كان من المتشددين دينياً. سلوى انتقدت عدم تدريس رواية واحدة من رواياته على مدى العهود المختلفة، فى المدارس والجامعات. وتمنت على دار الهلال أن تقيم متحفا لجرجى زيدان فى مبنى الدار القديم.


مسيحى يكتب عن تاريخ المسلمين، كانت تلك هى الإشكالية، كما يوضح عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث، لكن من واقع كتابات جرجى زيدان، يتضح أن سبب اختياره للكتابة عن تاريخ المسلمين، كمن يريد أن يدرأ الشبهة عن نفسه، حتى أن اختيار الهلال رمزا، جاء تيمنا بالهلال العثماني، حيث كان لا يريد أن يتصادم مع هذه السلطة الموجودة، بيت شعر عند نشره لمجلة الهلال يقول "ما كان عصفور يزاحم باشقا.. إلا بخفته وقلة عقله".


فى موسوعة "تاريخ التمدن الإسلامي" كان يمثل المؤرخ والباحث المحترف، بمعنى أنه يذكر وقائع، ويدون التاريخ الميلادى والهجري. عاصم الدسوقى يؤكد عدم وجود مشاكل فيما كتبه تتعلق بالتاريخ، لكن الإشكالية كلها فى رواياته التاريخية لأنه تعامل بمنطق الأديب، وعرض للصراع على السلطة ودور النساء فى تغيير أحداث التاريخ، فأثار اللغط حوله.


يؤكد أن جرجى لم يمسس التاريخ الإسلامى بسوء، بل كان يقول إن تاريخ الإسلام حلقة موصلة بين الشرق والغرب. وعندما تم منعه من التدريس فى الجامعة، تحدث مع سلامة موسى عن مشاعره، قائلا: "لا بأس أن ننتقد المسيحية لأن المسيحيين قد ألفوا نقد ديانتهم، أما المسلمون فيجب أن نتوقاهم، لأنهم لم يألفوا النقد".


من جانبه تناول الروائى يوسف القعيد المسكوت عنه بالنسبة لجرجى زيدان، ففى التسعينيات - كانت المعركة بين الدولة والإسلاميين على أشدها- قررت الدار إعادة طبع روايات جرجى التاريخية، فطلب من نقاد الأدب كتابة مقدمات جديدة، لكن بعضهم رفض وقال إن زيدان يركز فى رواياته على المناطق الشائكة فى تاريخ الإسلام.


وأشار القعيد إلى أن ضيقى الأفق اعتبروا زيدان معاديا للإسلام وكانوا سبباً فى منعه من التدريس فى الجامعة المصرية، معتبرا أن الجامعات المصرية تتخذ موقفاً عدائياً من روايات وكتابات جرجى زيدان، لا لشيء غير أنه مسيحى كتب عن تاريخ الإسلام 23 كتابا. وكنت أتصور أن تقيم هذه الاحتفالية مصالحة جادة بين الجامعة المصرية وجرجى زيدان.


روايات جرجى الآن غير موجودة، لكنها فقط طبعات لبنانية فاخرة، يتمنى "القعيد" أن تجرى محاولة لإعداد بعضها للأطفال لأنها شديدة الأهمية سبقت زمانها. لكن يؤخذ عليه كروائى أنه قام بعمل مشروع كامل لتدوين تاريخ الإسلام فى عدد من الروايات فجاءت الشخصيات متشابهة. وعندما توفى فى 1914 كان نفس العام الذى صدرت فيه رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، التى نتجاوز كثيرا عندما نقول إنها الرواية الأولى.


لا يعتقد القعيد، أن زيدان كتب أو فكر كمسيحي، بقدر ما كان جزءاً وابناً لهذه الحضارة، خدم الإسلام أكثر من الكثيرين، فلم يعاصر هذه الأجواء التى نعيشها الآن. حاول أن يستخرج أجمل وأنصع ما فى التجربة الإسلامية، كانت أعماله أول نصوص تظهر فيها المرأة كبطلة، بينما كان الآخرون يكتبون من منطلق مركزية الرجل فهو دائما الفاعل بينما المرأة مفعول بها.


التركيبة الثقافية لجرجى زيدان عملية بالأساس، كما يوضح الناقد والمترجم ربيع مفتاح، حيث كان لا يؤمن إلا بكل ما يأتى بخير على الناس، وكان عاشقا للتاريخ واعتبر الرواية وسيلة تقنية لتوصيل المعنى التاريخي، فى إحدى المرات قال إنه يخاف على "الهلال" من هذه الروايات، لأنه يؤمن إن لم يعد الأدب بالنفع على الآخرين فلا قيمة له. وإن كان الكثيرون يأخذون عليه أنه ركز على فترات النزاع ليكتب عنها، فهذا لا يعيبه لأن الأمر ليس مجرد تجميل للتاريخ.


من جانبه يؤكد د. أنطوان أبو زيد أن جرجى كان مصلحا اجتماعيا لأن كل كتاب النهضة كانوا مشاركين فى صناعة الفكر الاجتماعى، وكانوا متنورين ضد رجال الدين.


جرجى زيدان يستحق أن نحتفى به فى أى وقت، كما يؤكد الكاتب حلمى النمنم، رئيس مجلس إدارة دار الهلال الأسبق، والجماعة الوطنية المصرية والمثقفون العرب، أحوج ما تكون إلى تذكره واستعادته. فلم يظلم أحد مثل جرجي، حيث نهاجمه كثيراً لأنه عمل مترجما بالجيش البريطانى، وننسى اللحظة التى جاء فيها إلى مصر، وهى لحظة انتكاسة المشروع المصري، حيث بدأت صفحة الاحتلال البريطانى والأوربى للمنطقة العربية. أما الدولة العثمانية فقد تحولت إلى الموت الطبيعي، جرجى دفع ثمن الهزيمة والقهر والتخلفى وقام بدور الريادة.


وتطرق إلى الحملة التى ثارت فى الصحافة وكان يقف خلفها رشيد رضا، حتى لا يدرس زيدان فى الجامعة، وانبرى مصطفى لطفى المنفلوطى للدفاع عنه لكن لم يجد الدفاع، رفضوا الشامى العربي، ثم جاءوا بمستشرق أوربى مسيحى لتدريس التاريخ ولم يجدوا غضاضة فى ذلك. حتى هذه اللحظة من يقرأ محاضرات جرجى زيدان يجده مسلماً حقيقىاً فى كتاباته ومصرىاً وطنىاً حتى النخاع، بالرغم من أن الكثيرين قالوا أنه يدس السم فى العسل، إلا إنه فتح مجالا جديدا للكتابة عن الإسلام. ففى التراث الإسلامى دائما نجد التركيز على الفتوحات، وهو ما كان يعترض عليه زيدان، لكن تدريس التاريخ إلى اليوم يسير على النهج الذى انتقده جرجى زيدان.


الغريب فى وجهة نظر النمنم، أن جرجى مازال يهاجم على مستوى الكتاب والنخبة. يقول: فى 2011 كنت رئيسا لمجلس إدارة دار الهلال، وفى مايو 2011 استشعرت أن المجلس العسكرى يسلمنا تسليم مفتاح للإسلاميين، وكتبت هذا الكلام، وأصدرنا طبعة من روايات تاريخ الإسلام، ونفدت بالكامل فى 48 ساعة. وهو ما يؤكد أن هناك احتياجاً لجرجى على المستوى الشعبى وعلينا أن نمسك بهذه اللحظة، ومن أجل بناء الدولة المدنية الوطنية علينا أن نبدأ بناءها ثقافيا بجرجى زيدان وطه حسين ومنصور فهمى وغيرهم.


إن الفكر التحديثى العربى استوطن، أول ما استوطن، مصر وبلاد الشام او القاهرة وبيروت بشكل خاص، كما يوضح د. محمود حداد، أستاذ التاريخ بجامعة البلمند اللبنانية، وظل محور القاهرة - بيروت الثقافى هو الفاعل الرئيس الذى رفد باقى المحاور الثقافية العربية. ففى حين ارتكز الفاعل المصرى على الدولة المصرية، كان ارتكاز الفاعل اللبنانى على المجتمع المدنى والمؤسسات التعليمية من وطنية وأجنبية تبشيرية.


واختلفت الفترة الثانية للنهضة الثقافية أو للاتجاه الليبرالى بعد الاحتلال البريطانى لمصر فى 1882، عن المرحلة الأولى لأن قسماً من الفاعل اللبنانى انتقل إلى مصر، وشكلت هجرة المثقفين «الشوام» إلى الكنانة وقيامهم بالمساهمة فى دورة التأليف سواء فى الصحف أو الكتب أو المجلات ظاهرة يجب التوقف عندها بعض الشىء، فالكثير منهم مثلوا ريادة فكرية وفردية فى آن. فقد نزلوا مصر وليس معهم سوى أفكارهم وجدهم ونشاطهم فإذا بهم ينشئون مؤسسات ثقافية تستمر عشرات السنين. وليست أسماء كأسماء بشارة تقلا وفرح أنطون وجرجى زيدان ويعقوب صروف ورشيد رضا غائبة عن أى بحث يتعلق بتلك الفترة الزمنية، ويعتبر د.حداد أن أحد أهم العوامل الذى ساهم فى النهضة كان روح المبادرة والمسئولية الفردية التى تحلى بها الرواد الأوائل الذين أخذوا على عاتقهم إصدار الصحف والمجلات الثقافية بصورة مستقلة عن دعم مؤسسات الدولة. وكان جرجى زيدان من بينهم إذ إنه اعتمد على نفسه وأصبح مؤسسة بذاتها.


لم يكن الوجود الأوروبى فى عالمنا العربى مشجعاً للحداثة فقد أيقظت أوروبا فينا الرغبة فى اعتبارها نموذجاً، لكنها حاولت التأكيد على هوية ما قبل الحداثة بسبب رغبتها فى استمرار سيطرتها علينا.جرجى زيدان كان ذا وضع خاص. فمع أنه تعاون إدارياً مع الإدارة الإنجليزية فى مصر والسودان فى بداية هجرته، فإنه كان عثمانى النزعة السياسية فى وقت كثر فيه الحديث عن احتمال استقلال الولايات العربية عن الدولة العثمانية ولم ينح منحى يعقوب صروف وفارس نمر اللذين كانا ينطقان باسم الاحتلال فى صحيفة «المقطم». كما أن زيدان كان فى الوقت نفسه عروبياً من الناحية الثقافية. ومع أنه كان معجباً بالغرب كما يظهر على صفحات «الهلال»، إلا أنه اختار التركيز على إحياء الثقافة العربية من خلال رواياته التى تمحورت حول التاريخين العربى والإسلامى.


وينتقد د. حداد هذا السبيل من الكتب والدراسات التى تتحدث حصريا عن الجانب الثقافى المتعلق بالحداثة العربية وكأن التطور الفكرى لمجتمع ما مستقل تماماً عن بنيته الاقتصادية والسياسية، فإذا كنا نقارن أنفسنا بأوروبا ثقافياً فإن علينا معرفة أن التطور الحداثوى الأوروبى بنى على تطور حداثوى أيضاً فى البنية السياسية - الاجتماعية، ولايمكن بناء ثقافة حديثة تماماً وفى مختلف الوجوه مع الإبقاء على الكثير من دعائم البنية السياسية - الاقتصادية التقليدية. لهذا السبب تظل حداثتنا ناقصة وفى أكثر من مجال.


كان لاختيار الهلال اسماً للمجلة دلالة سياسية واضحة لدى جرجى زيدان على الانتماء وعلى خيار الهوية التى تتعدى الإطار المصرى أو المشرقى العربى كما تشير د. سعاد سليم فاختيار هذا الرمز الإسلامى من قبل صحفى يعبر بشكل أساسى عن تعلقه بالإطار والانتماء العثمانى وسعية للتوصل إلى أوسع جمهور ممكن من القراء بمعزل عن الانتماء الدينى ومحاولة لإيجاد الأسس لثقافة تاريخية وسياسية مشتركة. إن تسمية الهلال تعبر فى الوقت ذاته عن شمولية المعرفة والتحديات السياسية التى بالنهاية تهدف إلى إنشاء وطن.


عبر هذه الثقافة كان يهدف زيدان إلى تهيئة الأجواء لنشأة أوطان الشرق الأوسط وبلورة شخصية المواطن المثقف والمسئول.


المعروف عن جرجى زيدان أنه تبنى الموقف الغربى من الاستعمار على انه وسيلة لإدخال الحضارة الغربية إلى الشرق، فهو يعتبر أن عدم النضوج السياسى لدى العرب وضرورة فرض سلطة الخديوى وحماية الأجانب والأقليات هى المبرر للاحتلال البريطاني. لكنه فى الوقت ذاته يؤيد قضية المصريين وأحقيتها فى المطالبة باستقلال مصر، إلا أنه يفضل اعتماد الاعتدال فى النضال من أجل الاستقلال.


كان جرجى زيدان - تضيف د. سعاد - يرى أن الأمة المتطورة والواعية تستطيع أن تحكم ذاتها بذاتها وتطالب باستقلالها. فكان يرى أنه من الجهالة أن تتصدى دولة فتية ضعيفة لدولة عظمى أقوى منها عسكرياً.


لم يكن جرجى زيدان متحمساً لفكرة الاستقلال السياسى أو حتي لفكرة إنجاز دستور للبلاد. ما كان يهمه هو الاستقلال الأدبى والفكرى والاستقلال في العمل. قبل إنجاز المطالب السياسية كان يسعى إلي تقوية الأمة عبر إنمائها معنوياً ومادياً. يجب انتزاع الشعب من الفقر الذى كان يعيش فيه ومن ثم الاتجاه نحو الحرية.


جرجى زيدان في كتاباته يقابل بيت ثورات الهند والمهدى في السودان والثورة العرابية ويعتبر أن هذه الثورات غير مجدية وخطيرة لأنها عبثية وعنيفة لا تؤدى إلا إلى إفقار الشعوب. فيجب قبل المطالبة بالاستقلال والتصدى للدول العظمى أن يتخلص الشرق من الجمود الفكرى ومن الجهل والتقاليد العقيمة، وبذلك يكون جرجى زيدان اجتهد ليكون الهلال الوسط بين الشرق والغرب الوسط بين التقاليد والتطور.



آخر الأخبار