حكاية ثـورة قُدّت على عجـل وسُرقت على مهل

14/04/2015 - 11:08:08

جنازة محمد البراهمى جنازة محمد البراهمى

عبد الجليل معالي - كاتب صحفي تونسي

الجمعة 11 فبراير 2011، بعد منتصف النهار بقليل اتجهتُ بصحبة صديق صحفي إلى مقر السفارة المصرية بالعاصمة التونسية، لنصيح مع زمرة قليلة، وقتئذ، للمطالبة برحيل حسني مبارك. كان ضربا من مساندة الثورة التونسية لـ"نظيرتها" المصرية، وهي مساندة سنوجهها لاحقا لمساندة ثورة ليبية ستنطلق بعد أيام.


بعد وقت قليل من وصولنا مقر السفارة، وصلت مسيرة ضخمة دعا لها الاتحاد العام التونسي للشغل (ممثلا في هياكله الوسطى لأن مركزيّته كانت آنذاك تترنح مثقلة بالعبء القديم). كبر الجمع وارتفعت الهتافات، وازداد تبعا لذلك حجم الوجود الأمني، حماية للسفارة ودرءا لكل انفلات ممكن.


فجأة وصلت مجموعة صغيرة من الشباب يحملون أعلاما سوداء ويصيحون "الشعب يريد الخلافة". كانت المسيرة والشباب والأعلام والشعارات، كلها، نشازا في المشهد القائم في مكان قريب من شارع محمد الخامس. كانت لحظة فارقة، يومئذ، إذ رأينا للمرة الأولى وعن كثب مسيرة سلفية، تجاهر بشعاراتها في وضح النهار.


"اندلع" لاحقا نقاش بين سيدة نقابية اعتبرت أن الثورة، كما الثورات جميعها، لم تقم من أجل شعار "الشعب يريد الخلافة"، ورجل يبدو عليه الثراء الحديث يدافع عن فكرة الديمقراطية التي تتيح للجميع التعبير عن أفكارهم.


بعدها بأيام هاجمت مجموعة من الشباب السلفي المعبد اليهودي في "شارع الحرية" في العاصمة، وكانوا يهتفون "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود". كان الملمح السلفي يطل بوجهه بخجل، وبنسق بطيء ومنتظم، ثم رفع من نسقه فأصبح يكتسح الساحات والشوارع التي كانت تضجّ بشعارات شبابية ثورية، لا علاقة لها بـ"الشعب يريد الخلافة" وما جاورها من صيحات. وكان شعار "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق"، شعارا سياسيا بامتياز، اختزل إدانة عارمة لمنوال سياسي "نوفمبري" فاشل (إحالة على انقلاب 7 نوفمبر 1987 الذي قام به بن علي على بورقيبة)، لكن ذلك الشعار الذي أنتج أولادا وشعارات فرعية، وعاش طويلا بمفرده قائدا لكل المسيرات النهارية والليلية في سيدي بوزيد والقصرين وغيرهما، وفي العاصمة وتخومها، أصبح يرفق بشعارات ظهرت فجأة كنتوء.


من ثمة تبين أن الثورة في تونس، قد تنتج ثمارا مرّة، وأن الواصلين الجدد جاءوا بهرائهم ولغوهم. وبدأ منسوب الإسلاموية يزداد علوّا مع اقتراب الانتخابات، وتحول إلى اعتداءات على الفنانين والسياسيين والتظاهرات والأحزاب وحتى مقرات بعض القنوات التليفزيونية، وبدأ المجتمع يتوجس خيفة من المد المتصاعد، لكن الحوار الذي أشرنا له بين النقابية والرجل حديث الثراء تواصل وتحول إلى حوار مجتمعي سياسي وصل البرامج التليفزيونية، وأصبح معتملا بين أطراف مدنية ويسارية ترى أن النموذج المجتمعي التونسي الذي قُدّ على مدار عقود، مهدد بالتقويض، وبين أطراف أخرى ترى أن للسلفيين التونسيين "الحق في التعبير"، وتبين لاحقا أن أغلبهم من الإخوان وما جاورهم، ممن يرونَ في شباب غضّ قليل التجربة خزانا انتخابيا قد يصلح لاحقا.


بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي أفضت إلى فوز حركة النهضة الإسلامية بأغلب المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي، (دعا له للمفارقة اعتصام القصبة 2 ولم يتحمس له الإسلاميون كثيرا) ازدادت الأصوات السلفية التكفيرية المتشددة علوا وجلبة، واتخذت لها مدارا أكثر رعبا، بأن استنجدت تلك الأصوات بأصوات أعلى، واستنفرت دعاة وشيوخا على شاكلة محمد حسان والعريفي وآخرين. المصري محمد حسان جاء إلى تونس في 30 أبريل 2013 وجاب أغلب مدنها وألقى خطبة ملهبة في جامع عقبة بن نافع في مدينة القيروان، وفي غيرها.


زيارة محمد حسان إلى تونس، كما زيارة محمد عبدالرحمن العريفي، أثارت موجة عارمة من الاستياء والامتعاض من أوساط سياسية وثقافية ومدنية، وحبّرت البيانات المنددة بزيارات شيوخ جاءوا لإلقاء خطب ودروس عن الحجاب وضرورة منع الاختلاط وختان البنات. في المقابل استنفرت جمعيات ومنظمات جهودها وأموالها وعدتها وعتادها وإعلامها، لاستقبال الدعاة هؤلاء. المثير أن محمد حسان وصل مطار تونس قرطاج الدولي، يوم الثلاثاء 30 أبريل 2013 واستقبل استقبالا شرفيا (شبه رسمي) من قبل نائبي الشعب في المجلس الوطني التأسيسي عن حركة النهضة الحبيب اللوز والصادق شورو (كانا يعَدّان دائما من صقور حركة النهضة).


ممثل حزب مدني ممثل في المجلس الوطني التأسيسي بأغلبية مريحة، يستقبلُ شيخا أثارت زيارته، منذ إعلانها، جدلا مجتمعيا وسياسيا واسعا، يعني أن ذلك الحزب "السياسي" يرى في الأمر أبعد مما هو ديني، هنا تماما يوظف الدين والداعية وخطبه في خدمة السياسة، وهنا تماما أيضا يكون الداعية في خدمة الحزب، عبر خطب دينية "صرفة".


النموذج المجتمعي التونسي الذي تشكل عبر قرون، فأنتج نمط حياة وسلوكا حداثيا ومنفتحا ومتسامحا ومتشبثا بهويته في آن. نموذج تجد فيه تراث الزيتونة (الجامع والجامعة) وأفق المدرسة الصادقية، وتجد فيه الشيخ ابن عرفة القيرواني وابن رشيق والشيخ النفزاوي والشيخ الفاضل بن عاشور (لا يعرف هؤلاء الدعاة ومريدوهم أن ابن عاشور الزيتوني ترأس المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة الشغيلة ذات النظرة الاشتراكية) والطاهر الحداد والشابي وغيرهم. لم تكن ثمة مشكلة بين "الزواتنة" و"الصادقيين"، بل تجد الكثير من رجالات تونس وأقطابها ممن جمعوا التعليمين والنظرتين. النموذج المجتمعي التونسي يفخر ببورقيبة وبغريمه صالح بن يوسف، وبجورج وسارج وعدة مناضلين من أصل يهودي أسهموا في تأصيل الفكر الشيوعي الاشتراكي في تونس. النموذج الذي انبنى على مجلة الأحوال الشخصية وحقوق المرأة وإجبارية التعليم ومجانيته وعلى تجاوز القبلية وإلغاء الأحباس والأوقاف، لا يمثل تربة ملائمة لاستقبال لغو هؤلاء ولا هرائهم.


نموذج المرأة التي ترى أن مسيرة الشباب السلفي- يوم تنحّي حسني مبارك - تمثل خطرا يتقدم بتؤدة على البلاد، ونموذج الرجل الذي كان يذود عن حرية التعبير، اختزلا نقاشا واسعا طبع الفضاء العام بكل ما في الكلمة من تجاذب. تنبه بعض السياسيين والمثقفين إلى أن الشباب المتأسلم بدأ يتخذ له تعبيرات عنيفة في حرية تعبيره، وتنبهوا إلى أن المسجد أصبح يجتاح الدولة، وأن التشنج طفق يتجاوز أبعاده المفهومة في سياق ثوري لم يتح له أن يستقر. في الجهة المقابلة، رأى ساسة، برزت أسماؤهم فجأة، أن هؤلاء شباب البلاد ويجب أن نصبر عليهم، بل ذهب البعض أبعد من ذلك بأن اعتبر أن هؤلاء يذكرونه بشبابه، وكان غلوّ الشباب يصّاعد باطراد؛ تكفير وتكسير وتهديد وتخوين ووصم بالعار، ثم اعتداء على المقامات الصوفية (رأس المال الرمزي للبلاد وتاريخها) وصل أقصاه ومنتهاه، مع لحظة اغتيال شكري بلعيد، يوم 6 فبراير عام 2013، وشكري بلعيد اغتيل قبل ذلك، رمزيا، مرات عديدة في المساجد والحلقات الدعوية، بأن كُفّر وأُهدرَ دمه.


حادثة الاغتيال كانت امتحانا لفريقين: فريق قال إن الإرهاب يبدأ من خطبة متشنجة محرضة شاحنة غاضبة مكفّرة، وآخر علّل الأمر وبرره بأنه مؤامرة لتقويض المسار السياسي. شكري بلعيد كان محاميا يرافع مجانا - عن الشباب السلفي الذي يتم إيقافه زمن بن علي، عندما كان أغلب محامي الإخوان يتحاشون ذلك.


الثورة التونسية، التي انطلقت من أحياء سيدي بوزيد، وترعرعت في أحياء القصرين ثم انسابت نحو بقية البلاد، بقيادات "بُرهية" أمّنها شباب مغمور غير معروف، لم تكن في حساباته قضايا الحجاب أو النقاب أو منع الاختلاط. والنموذج المجتمعي التونسي كان يرنو إلى تحسين هناته لا تبديد مكاسبه.


اليوم، تجد تلك المرأة النقابية التي حذرت مبكرا من خطر "الشعب يريد الخلافة"، ممثلة في قوى مدنية وسياسية عديدة، على تنافرها، تحذر دائما من الإرهاب والتكفير وتعيده إلى أصله ومنطلقه. ويجد الرجل حديث الثراء الذي كان يذود عن "حرية التعبير" نفسه في قوى أخرى، تبرر الإرهاب بأنه مؤامرة من صنع مخابرات أجنبية أو من قبل قوى محلية لم تعترف بالشرعية.


الذاكرة الجمعية لن تنسى أنه في لحظة استقبال أحد الدعاة (لعله محمد حسان) في مطار قرطاج تقدمت سيدة تونسية أخرى بمفردها لتصيح وسط جمهور من الشباب السلفي: "قتالين أولادنا، سراقين بلادنا"، ولن تنسى الذاكرة أن شعارها المنفرد قوبل يومئذ بــ"موتوا بغيظكم".


رحم الله الشهيد محمد البراهمي، المغدور يوم عيد الجمهورية 25 يوليو 2013، الذي قال قبل أيام قليلة من اغتياله ما مفاده أن تونس "واقعة تحت احتلال التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأن على القوى الديمقراطية إعلان حرب تحريرها."...