كاتب ياسين .. جرح اللغة

14/04/2015 - 11:03:45

كاتب ياسين كاتب ياسين

آمال فلاح – كاتبة جزائرية

ذات يوم من عام 1936، اخترقت كلمات الأب ـ كان وكيلا قضائيا بشمال شرق الجزائر ـ مسامع الطفل ابن السابعة، وقد خرج للتو من المدرسة القرآنية، ليدخل فم الذئب (المدرسة الاستعمارية):


 "اللغة الفرنسية هى الملكة. عليك بإجادتها حد الإتقان، لكى يتسنى لك أن تصبح سيدا عليها. وهنا فقط يكون فى مقدورك أن تعود من حيث أتيت".


بعد عشرين عاما من رحيل الأب، تولى الطفل عرش الكتابة باللغة الفرنسية، وأصبح رامبو العصر الجديد، لكنه لم ينس أبدا كم كان عصيا عليه أن يتحكم فى تلك اللغة، وأن يسبر أغوارها، وهو يعيش واقعا مختلفا، أليما.


مدينته تدعى ـ آنذاك ـ لافاييت، كانت تعيش زمن المجاعة والتيفوس، لتغرق بعدها فى زمن الموت. وقتها، كان العالم يحتفل بنهاية ثانى حرب مدمرة شهدها القرن العشرون. لكن الاحتفالات تحولت جحيما فى سطيف وقالمة وخراطة: مجزرة انتهت بسجن كاتب ياسين وطرده من الثانوية، وسقوط أمه فى الجنون.


وتغير مسار حياته. التزم بالنضال، ومارس الصحافة، ثم اشتغل عاملا بالميناء قبل أن يغادر إلى فرنسا، ويصادق برتولد بريخت، وينشر (الجثة المطوقة) عام 1954، ثم رائعته (نجمة) عام 1956 لكن كلمات الأب لم تبرح أبدا ذاكرته:


ـ "يمكن أن تغدو ضحية للغة، فلديها منطقها الخاص، ومن السهل جدا الغرق فيها، لكن كم هو شاق أن نغتصب اللغة".


الإشكالية إذن هنا، فى تفجير التراكيب، فى شحنها بإيحاءات تخصنا وحدنا، فى المزج بين أجناس أدبية متباعدة بمرونة فائقة، فى كسر اللغة.


يقول أراجون: "إن سحر اللغة يأتى من الطلاق الحاصل بين المفردات، من تناقضات الكلمات". ولم يكن لياسين أى خيار إلا تفجير هذه اللغة الدخيلة لإثبات وجوده.


الصدمة التى عاشها ياسين فى مراهقته، وعاشها معه جيل كامل من الجزائريين أثناء مجازر مايو 1945، على يد الاحتلال الفرنسي، ظلت جرحا غائرا فى الذاكرة. شاهد ياسين أقرباء له يسقطون، ورأى نفسه وأقرانه يحشرون فى السجون، يضربون ويعذبون، واكتشف أن القيم التى تعلمها فى المدرسة تتفتت وتتلاشى.


الصدمة جعلت عصب الإبداع لديه يتمحور حول الذات المقهورة، واللغة المغتصبة، لدرجة جعلت بعض معاصريه يأسفون على امتلاكه ـ هو الجزائرى ـ ناصية لغتهم الفرنسية: "إنه لمن المؤسف أن يكون رامبو الفرنسية أجنبيا". لكن رامبو الجزائرى نشر رواياته فى أعرق دار فرنسية للنشر (لوسوي)، وأخرج أعماله المسرحية أهم المخرجين الفرنسيين من أمثال مارى سيرو ومارسيل ماريشال.


فى حوار أجرى مع كاتب ياسين عام 1971، عندما اتخذ قرار التوقف عن الكتابة بالفرنسية، قال:


"كانت هذه اللغة هى الأداة الوحيدة المتوفرة لدي، لأقول للفرنسيين بلغتهم إننا لسنا فرنسيين. أما الآن، وقد تم ذلك، فأنا لم أعد بحاجة إلى هذه اللغة، رغم أنى أعتبرها غنيمة حرب".


يقول صديقه على زعموم بصدد هذه القضية: "ياسين فى الأصل ليس أديبا، ياسين مناضل استعمل الأدب عندما استلزم الأمر ذلك، واستعمل المسرح عندما وجب استعماله، ومن لم يفهم ذلك لا يمكنه أن يفهم لماذا كان روائيا تارة، وشاعرا مرة أخرى، ورجل مسرح، ومساندا لحقوق المرأة، ومطالبا باللغة الأمازيغية قبل الربيع الأمازيغي".


بالفعل، عندما كانت الرواية الجزائرية مرادفة لألبير كامو فى أذهان الفرنسيين، أراد ياسين أن يثبت لهم أن جزائريا لم يتجاوز السادسة والعشرين، ولم يرتد مدرجات الجامعة، باستطاعته منافسة عظماء كتابهم، ونقل مواجع شعبه إلى أمة لا تعتبرهم مواطنين.


حين انزاح كابوس الاستعمار عن صدر البلد، بدأ ياسين رحلة البحث عن أحسن شكل تعبيرى يخاطب عبره هؤلاء الذين لا يعتبرهم أحد مواطنين. حلم قديم منعه الاستعمار أن يحققه؛ فالقراءة كانت حكرا على الأقلية، والمسرح فى هذه الحالة أجدى وسيلة للنضال: "فى السجن اكتشفت أهم شيئين.. الشعر والثورة، كان عمرى آنذاك ستة عشر عاما".


لم يرتبط النضال عند ياسين ببقعة محددة اسمها الوطن، فقد كان يهتز غيظا أمام أى ظلم يحدث فى إفريقيا أو أمريكا اللاتينية وفلسطين، وأصدقاؤه كان اسمهم سارتر وأراجون وبوريس فيان، كما كان اسمهم الجنرال جياب ـ بطل معركة ديان بيان فو ـ وجيفارا، والعمال اليدويين، وكذا المهمشين، والكثير الكثير من الطلبة.


وقد توفى كاتب ياسين يوم 28 أكتوبر 1989، فهل كانت مصادفة أن يوارى جثمانه ذات فاتح نوفمبر، بعد 35 عاما من اليوم نفسه الذى شهد اندلاع الثورة التى كنست فرنسا عن أرض الجزائر؟