الخـَشـّة

14/04/2015 - 11:02:26

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

قصة : ناجـي ظاهر - كاتب فلسطيني

ابتدأت القصة ضحك بلعب. سألتنى ابنتى رماح ونحن نقترب من عيادة الطبيب:


- هل أنت واثق من أننى سأطول؟


- بالطبع ستطولين، أنت ما زلت فى الرابعة عشرة. أنا واثق من أنك سوف تطولين، قرأت عن هذا فى كتاب طبي، الإنسان يطول طوال أيام حياته لكن بتباطؤ يقل تدريجيا حتى يتوقف أو يكاد فى مرحلة متقدمة من العمر. ثم إنك لست قصيرة إلى حد مقلق.


- أبى لا تقل هذا. أنت تهتم بالكتب. لست طبيبا على أية حال. كم أحب أن أطول ولو بضع سنتيمترات، يقولون إننى جميلة لولا أننى قصيرة قليلا.


أرسل نظرة أب محب طالما أرسلتها إليها، أقول فى سري: كم أنت جميلة يا رماح. أغمض عينى أراها وهى تقف قبالة مرآة والدتها فى غرفة النوم، كان هذا قبل أيام، كانت تمشط شعرها، ما إن فتحت عينى حتى رأيتها تمشط شعرها الأسود المسترسل، كم أنت جميلة يا ابنتي، الحمد لله أنك ولدت لنا، لتضحى قمرا مقيما فى بيتنا. أتصورها ترشح نفسها ملكة للجمال فيدق قلبى بسرعة غير معتادة.


أسرح فى أفكارى تلك، تجلس هى إلى جانبى على مقعد الانتظار، لا يخرجنى من تجوالى فى عالمى الرحب الجميل سوى انفتاح باب الطبيب. رماح؟ رماح هنا؟ نرد، أنا وهى بصوت واحد: نعم رماح هنا.


يدعونا الطبيب للدخول، نعم يا رماح، تريدين أن تطولى - سيكون لك هذا. لا تقلقي. هناك أكثر من طريقة لتطولي. لا تقلقي. أرى على وجهك الجميل قلقا. لا تقلقى لديك والد كاتب مشهور وتقلقين - لا تقلقي. الآن سأجرى لك بعضا من الفحوص اللازمة، سأصور يدك، كى نفحص ونقارن بعد فترة. هناك فحوص روتينية سنجريها كى نوفر لك الإمكانية لأن تطولى كما تشائين.


يطلب الطبيب منها أن تسترخى على سرير الفحص الطبي، تسترخى هناك. يشرع فى إجراء الفحوص لها. بتوقف. يواصل. ثم يعود للفحص، يهز رأسه.


يتوجه إلى وهو يحمل بيده سماعته الطبية. هل سبق وقمتم بفحص لها؟ أبقى صامتا لا أرد أريد أن أعرف سبب السؤال، يوجد خشة فى قلبها. هل سبق وعلمت بها؟


خشة؟ فى قلبها؟ أتوه فى عالم من الصمت. لا أفوه بأية كلمة. أخشى أن يقول لى كلاما مرا لا أتحمله فأسقط من فوري. أشعر بقلبى يغادر موقعه. يخرج يبتعد بضع سنتيمترات عن صدري. أحضن قلبى بيدي، حتى لا يسقط على أرض لا ترحم. أغمض عيني. أغلق عالمى على ما حل به من خراب. لا أريد أن أسمع أكثر. لا أريد أريد لا أريد. لن أسالك أيها الطبيب المدواى المزيد. ما دام الأمر وصل إلى القلب لماذا أسالك المزيد. أرسل نظرة آسية إلى رماح، أما كان بإمكانك أن تقبلى البقاء قصيرة وتسليم أمرك لطبيعتها، أما كان بإمكانك يا روحى أن تقومى بكل ما قمت به؟ آه لو لم أوافق واصطحبك إلى الطبيب آه.


أحمل قلبى بين يدي. أمشى وتمشى فى الأرض، تمشى رماح إلى جانبي، كأنما لم يحدث شيء، وكأنما الطبيب لم يفجر قنبلة ذرية فى وجهي، أوصل رماح إلى البيت. وآخذ فى الجري، أجرى وأجرى وأجري، أردد بصوت يكاد يختنق، اجرى اجرى اجري، ودينى قوام وصلني، دا حبيب الروح مستني. نعم يا عبد الوهاب دا حبيب الروح مستني.


أركض فى الشوارع، لا أستوعب ما حصل. لا أريد أن أستوعبه. خشة فى قلبها يا دكتور؟ لم تأت الخشة إلا فى قلبها؟ خلاص انتهت رماح؟ انتهى الحلم الجميل؟ وصلنا إلى البدر فى اكتماله ليفارقنا؟ خلاص انتهت الرحلة بهذه السرعة؟ وغدا لن ترسل رماح شعرها قبالة مرآة والدتها ولن تكون بيننا- يمكن أن يحصل هذا. بهذه السرعة- بهذه السهولة يحصل الكدر. أما كان أفضل لى لو لم أرافقها إليك؟


أفتح عينى لا أرى سوى العتم. أركض فى الشارع وقلبى بين يدى لا يريد أن يعود إلى موقعه، لا أرى سوى الصحراء والقحل حولي. ها أنذا أصل إلى النهاية.


ماذا بإمكانى أن أفعل أنا المهجر المعذب؟ ماذا بإمكانى أن أفعل سوى الركض، فلعلى أصل إلى حل؟ تطل الحيرة من عيني. يراها الأحباء. يتساءلون ويمضون. وماذا يفيد لو أننى أعدت أمامكم ما قاله الطبيب، هل سيتغير شيء؟ ستشفقون على؟ لا أريد الشفقة، إذا كان بإمكانكم أن تزيلوا الخشة من قلب رماح، سأتحدث أما إذا كنتم عاجزين مثلي، فلماذا أفتح دفتر قلبى وأبوح بسر حزني؟


أعود فى ساعة متأخرة من الليل، أرسل نظرة إلى وجهها وهى نائمة فى غرفتها، آه يا ملاكي، ماذا حل بك وبي؟ غدا أو بعد غد قد أبحث عنك فلا أجدك؛ لأنك غادرت إلى عالمك الآخر عالم الظلام، ماذا ترى بإمكانى أن أفعل، وهل أنا أشطر من شاعرنا المتنبي؟ المتنبى حين وقف عاجزًا أمام حالة مشابهة، فخاطب جدته قائلا: هبينى أخذت الثار فيك من العدا فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى؟ قاتل الله الحمى، وقاتل الله الخشة حين تغزو قلب من نحب وتهوى قلوبنا.


أصعد فى الليل إلى تل الصرخات، لعل أحدا يستمع إلى نداي، أصرخ يرد الصدى. ويل لهم قالوا لي: اقرع يفتح لك هذا أنا أحمل قلبى وأقرع، إلى متى سيطول هذا العذاب؟ أما آن لى أن أرتاح؟ أما آن لى أن أفيق لأجد أن ما كان لم يكن سوى وهم، كابوس مزعج مضى ومر، كما يمر الظلام على البسيطة؟


أما آن؟


يمر الليل الأول وأنا أصرخ، أعرف أن هناك من سيستمع إلى صراخي، والله إننى أعرف لكن إلى متى سأنتظر؟ وما المطلوب مني؟ ما المطلوب منى لأخرج بأقل ما يمكننى من خسارة، كما فعلت دائما؟ أنا الرجل المهجر، أعرف حين أشعر بالخسارة أننى يجب أن أدفع نصيبى فيها. قد يكون هذا النصيب من المعرفة موروثا. أبى حينما أدرك أن الخسارة طرقت أبوابه، وأن اليهود جاؤوا بدباباتهم وطائراتهم ليستعيدوا أرض الميعاد من سكانها الأوباش العرب، سلم أمره، ومضى يضرب فى أرض الله الضيقة؛ هاربًا من اليهود. لم أكن حينها ولدت، لهذا لم أره، أما اليوم وقد أضحيت كاتبًا وذا خيال خصب كما يقول معظم المحبين وهم ليسوا قلة، فبإمكانى أن أتصور أبى وهو يمسك بيد أخى الأكبر ويستحثه قائلا: هيا يا ولدى لننجو بجلدنا، البلدة ذهبت على الأقل نبقى نحن حتى لا يضيع الحلم ويتلاشى فى عتمه. لا لن أخسر المعركة يا أبي. سأبذل مثلما بذلت، سأحمل رماحًا بأسناني، سأطير بها إلى عوالم لا مرض فيها ولا احتمالات موت، لن أدع الموت يأخذها منى كما أخذوا منك بلدتك، سأطير بها. لكن أين ستطير يا ولدي؟ السماء ضيقة. سأطير يا أبى هذا الضيق فى سمائنا سيكون كافيا لأن أحلق بها وأطير عاليا. لا تطر يا ولدي، الأفضل لك أن تواصل صراخك على تلك.


أعود فى الليل التالي. حاملا قلبى وحزني، أعود إلى الصراخ، لا أحد يرد، فى الليل الثالث، أواصل الصراخ، يـُطل جنى من سدف العتم، لقد أقلقتني. السمك نام فى البحر وأنت لم تنم؟ ماذا تريد؟ الخشة فى قلب رماحك تصيب ثلاثة أرباع الأطفال، عندما تطول ابنتك وتكبر قليلا ستذهب الخشة وستولى آثارها، نم الآن ودعنى أنام، ثلاثة ليال وأنا لا أنام.


تنتابنى سكتة من نفذ بجلده، من أدرك أن الخسارة المحتمة باتت وراءه وليس أمامه، يعود قلبى إلى موقعه بين أضلعي، أمشى بسرعة أسرع أكثر فأكثر تنبت لى أجنحة فأطير باتجاه البيت، أقف على شباك غرفة رماح، أرسل إليها نظرة استطلاع. أراها تبتسم، ما أجمل البيت بلا خوف أو مرض.