الشاعر الإيراني موسي بيدج : الترجمة أعلي مستويات قائمة الاحتياجات الإنسانية

14/04/2015 - 10:57:18

موسى بيدج موسى بيدج

فائزة جمالي - كاتبة ومترجمة إيرانية

موسي بيدج شاعر وباحث ومترجم إيراني، رئيس تحرير مجلة «شيراز» الفصلية التي تعني بترجمة الأدب الإيراني إلي العربية. وفضلا عن أربعة دواوين شعرية وثلاث مجموعات قصصية في مسيرته الإبداعية، ترجم إلي الفارسية نحو ثلاثين كتابا من الأدب العربي الحديث، كما ترجم ثمانية أعمال من الأدب الفارسي إلي العربية.


من الطبيعي أن يكون سؤالي الأول عن الترجمة، لماذا احتلت الاهتمام الأكبر من اهتماماته؟


ـ الترجمة بين اللغات والألسن ضرورة تاريخية استفحلت في الزمن الراهن؛ فعالمنا اليوم صغير يتسني التنقل فيه بسهولة. انتهي زمن السفر علي صهوة الجياد والجمال، والقطار والمطار، وأصبحنا نسافر علي صهوة الميديا في موقف كهذا، وعند فقدان لغة موحدة في العالمين، يأتي دور الترجمة ليقف في أعلى مستويات قائمة الاحتياجات البشرية.


وهذه الحاجة تنعكس علي اللغتين العربية والفارسية أكثر من غيرهما من اللغات؛ فالعرب والإيرانيون يشتركون في التاريخ والجغرافيا والدين. وأكثر من ذلك، اشتركوا في صناعة ثقافة كانت ومازالت هي النواة الأساسية للعيش علي مدي العهود. من ينكر حضور الشعراء الكبار من أصول إيرانية في الأدب العربي؟ أمثال أبى نواس وبشار ومهيار والطغرائي؟ ومن العلماء ابن سينا والفارابي والخوارزمي والبيروني والطبري. ومن علماء اللغة سيبويه وأبو علي الفارسي، والقائمة تطول.


- وفي المقابل؟


ـ لا أحد يستطيع أن ينكر أو يهمل وجود خمسين بالمائة من المفردات العربية في اللغة الفارسية اليوم. هذه المفردات لا غني عنها، وبدونها تصاب الفارسية بالخلل. لا أقول : إننا لا نملك مفردات تقابلها وبنفس المعنى، إنما مفرداتنا باتت تسكن في قواميس اللغة وخرجت عن التداول.


- فلماذا إذاً تباعد كلا الطرفين الآخر، وصارا ينظران إلي النصف الغربي من العالم، بحيث أصبح قدوة لهما؟


ـ هذا موضوع آخر. الصناعة والتكنولوجيا وكل شيء في العالم الحديث يحمل ماركة غربية، هم صنعوا الحضارة الحديثة والتقنيات الجديدة، فانجرفنا معها كي لا نبقي وحيدين ومنعزلين عن العالم.


- لنعد إلي الترجمة الأدبية بين العربية والفارسية فهذا هو اختصاصي متي بدأت بين اللغتين؟


ـ ليس لدي تاريخ دقيق، المعالم ليست واضحة. فمثلا يقال إن بعض الرواة كانوا- قبل ظهور الإسلام- يتجولون في نواح من الجزيرة العربية، وينقلون لحشود صغيرة من البشر بعض القصص المتداولة بين الإيرانيين لبطولات حقيقية أو وهمية، ومن نسج الخيال.. لرستم وسهراب وسياوش واسفنديار.. وفي المقابل، يقال : إن أول من ترجم كلاما من معاني القرآن الكريم إلي الفارسية كان الصحابي سلمان الفارسي. طبعا هذه الترجمة غير موجودة اليوم.


وفي العهدين الأموي والعباسي خاصة، كانت الترجمة علي قدم وساق، فالكل سمع بابن المقفع مثلا، كما يذكر ابن النديم في فهرسه أسماء لمترجمين آخرين مثل آل نوبخت وموسي بن عيسي والأسواري وغيرهم.


في منتصف القرن العشرين تقريبا، بدأ المصريون بترجمة الأدب الإيراني إلي العربية.


ـ نعم، فهم الرواد في هذا المجال: عبد الوهاب عزام، وإبراهيم الشواربي، ويحيي الخشاب، وأحمد رامي وغيرهم كثيرون ممن أجادوا في الاهتمام بأدبنا الإيراني قديما وحديثا، اهتموا بتعريب ونشر الشاهنامه وديوان حافظ ومؤلفات سعدي الشيرازي.


- وإبراهيم الدسوقي شتا الذي ترجم المثنوي لجلال الدين الرومي المولوي.


ـ نعم، وصدرت ترجمة المثنوي في ستة أجزاء عن المشروع القومي للترجمة في مصر، وعني هذا المشروع بترجمة عشرات العناوين من الكتب الأدبية الإيرانية، وهناك أسماء كثيرة وكبيرة عملت بجدّ علي ظهور هذه الترجمات.


- هنا نصل إلي سؤال مهم بالنسبة للقارىء العربي. ماذا ترجم الإيرانييون من الأدب العربي قديما وحديثا؟


ـ بالنسبة للقديم تُرجمت المعلقات أكثر من مرة. كما تُرجم ديوان المتنبي ورسالة الغفران لأبي العلاء، وترجم أبو نواس، وابن الفارض وابن عربي، والجاحظ، والموشحات الأندلسية.


- لكنك كرست جهودك علي الترجمة من الأدب الحديث. هل تراه أكثر أهمية من القديم؟


ـ لا أقيّم الأمور هكذا؛ فلكلٍ دوره وأهميته. لكن المشكلة تكمن في أن من سبقونا كان عليهم أن يترجموا الأدب القديم كله، وهذا لم يحدث. وقد بدأت برواد الأدب الحديث، ومعي بعض الزملاء. ولا يخفي أن جيل الرواد قد أصبح من القديم أيضا.


- كم عدد الإيرانيين الذين يترجمون من الأدب العربي الحديث اليوم؟


ـ أظنهم يُعدون بأصابع اليدين أو أقل! لعدد قليل جداً لا يواكب حدثاً يسمّي الأدب العربي الحديث.


- فأين تكمن المشكلة؟


ـ يمكن إرجاعها إلي عدة أسباب، منها صعوبة إتقان اللغة العربية؛ فالعربية لغة صعبة مقارنة باللغة الفارسية التي ليس فيها المذكر والمؤنث والتثنية والرفع والنصب والجر والاشتقاق وغيرها.


- ألا يمكن أن يكون الانبهار بالغرب سببا آخر؟


ـ بالطبع، وهذا موضوع نتلمسه عند العرب أيضا. هل يستوي الذين يترجمون من الآداب الغربية بالذين يترجمون من الأدب الشرقي، كماً وعدداً؟ مؤكد لا!


- هل يمكن أن تلخص لنا صورة الترجمة من الأدب العربي الحديث في إيران؟


ـ هناك أسماء متداولة في الوسط الثقافي الإيراني، تعرف عليها القارىء من خلال ترجمة الكثير من أعمالهم، منهم جبران خليل جبران الذي ترجمت جميع أعماله من اللغتين الإنجليزية والعربية، فكتابه (النبي) ترجم أكثر من عشرين مرة، ووصلت بعض طبعاته إلي الخمسين! طبعا هذا الكتاب ظاهرة فريدة لم تتكرر مع غيره.


- ما سبب الاعتناء بكتابات جبران؟


ـ لا شك أن جبران يخاطب الروح المعذبة في صخيب العالم، برومانسيته وخياله الميال نحو الفطرة الإنسانية، وهذا ما يجعل كلامه محببا للناس.


- فماذا عن الآخرين؟


ـ جرجي زيدان ترجمت رواياته التاريخية جميعها، فقد اهتم خريجو المدارس الدينية بكتاباته أكثر من غيرهم.


نجيب محفوظ، ترجمت روايته (اللص والكلاب) قبل الثورة الإيرانية، وبعد فوزه بنوبل تُرجمت له الكثير من الروايات والقصص، نحو عشرين عملا منها (زقاق المدق)، و(ثرثرة فوق النيل)، و(يوم قتل الرئيس)، و(ميرامار).


نزار قباني أيضا ترجم له أكثر من عشرين كتابا، كما تُرجم لمحمود درويش الكثير من أعماله. هؤلاء أشهر الأدباء العرب في بلادنا، ويأتي بعدهم أدونيس، وغادة السمان، وسعاد الصباح.


- كم يبلغ - تقريبا - عدد الكتب التي ترجمت لكتاب وشعراء عرب آخرين؟


ـ يتجاوز عدد الكتب المترجمة من الأدب العربي الحديث إلي الفارسية ثلاثمائة كتابا، شعرا ونثرا، تتوزع بين أدباء مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق والسودان والكويت.


- وكم رصيدك منها؟


ـ حوالي ثلاثين كتابا يغلب فيها طابع الشعر علي النثر، تتشكل من أنطولوجيات ومجاميع شعرية. ومن الشعراء المصريين الذي ترجمت بعض قصائدهم صلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد عفيفي مطر، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وحلمي سالم، وعزمي عبد الوهاب، ورفعت سلام، ومحمد آدم.


ترجمت كتابا مهما عنوانه (مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي) للباحثة المصرية مكارم الغمري التي لا أعرف عنها شيئا.


- سؤال أخير...


ـ لا داعي لسؤال أخير! فالإجابة واضحة: لنتواصل، ونتعارف، ونتحاور، ونتشاور، ويحبّ بعضنا بعضا، ونتقاسم تجاربنا الثقافية، لنخلق أدبا إنسانياً وكونياً يأتي بالخير والصلاح للجميع.