داعش .. حاصل جمع التراث السقيم والدكتاتورية

14/04/2015 - 10:52:43

تنظيم داعش فى العراق تنظيم داعش فى العراق

د. عدنان عباس علي - كاتب وأكاديمي عراقي

في العقود القليلة الماضية، وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، صعدت الحركات الأصولية الإسلامية من نشاطها في إشاعة الفكر التكفيري، ونجحت في استقطاب المزيد من الشباب، وفي تجنيدهم لمواجهة دعاة التنوير والتقدم وأنصار العلمانية والحداثة في العالم الإسلامي عامة، وفي الأقطار العربية بنحو مخصوص.


وسرعان ما تحولت هذه الحركات الأصولية إلى حركات إرهابية، تستبيح دماء الأبرياء، وترتكب أبشع الجرائم باسم الإسلام، وترفض فكرة الدولة المدنية الحديثة بحجة أنها بدعة لا تتفق مع دولة الخلافة.


فما هي الأسباب التي تحفز الشباب على الانخراط في هذه الحركات المتطرفة، وتدفعهم على استباحة دماء الأبرياء من مسلمين وغير مسلمين، وتكفير مسلمين ينطقون بالشهادة، من قبل أن تُقطع أعناقُهم بالسيف؟ لماذا ينضمون إلى حركات تريد أن تعود بالمجتمعات الإسلامية إلى ما كانت عليه قبل حوالي 1500 سنة، وكأن عجلة التاريخ قد توقفت كلية منذ ذلك العهد؟


السبب الأول هو أن داعش وبقية الحركات الأصولية تكفر الآخرين متبعة بذلك نهجاً متعارفاً عليه في تاريخ الإسلام. فالخوارج كفروا مسلمين كانوا من صحابة الرسول الكريم. وفي العصر العباسي، اتُهم الكثيرُ من الأدباء بالكفر والزندقة. وانتقلت عدوى هذا النهج إلى بعض الفلاسفة المسلمين. فبعد قرون من ظهور الخوارج، كفر الفلاسفة المسلمون بعضهم بعضا بنحو لافت للنظر. فها هو الإمام أبو حامد الغزالي (1055ـ 1111) يكفر في مؤلفه "تهافت الفلاسفة" أعلام الفلسفة الإسلامية، ويدفع ابن رشد إلى الدفاع عن هؤلاء الفلاسفة وتبرئتهم من تهمة التكفير. وقد اتهم ابنُ رشد نفسه بالإلحاد والزندقة، لأنه كان يشتغل بالفلسفة والمنطق، ومن "تمنطق تزندق" كما قال الإمام الغزالي. وتأسيساً على هذه التهمة الظالمة، كفر بعض الفقهاء ابن رشد وأحرقوا ما ألف من كتب ومؤلفات كانت من دعامات بناء النهضة الحضارية في أوروبا. كما تشير هذه الأطراف، إلى أن عمليات التكفير امتدت حتى عصرنا الراهن. فقد جرى تكفير نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وأدونيس ونجيب محفوظ على سبيل المثال.


ومع أننا إزاء حقائق تاريخية لا يطولها الشك أبداً، فمن السهولة أن نتذرع بهذه الحقائق التاريخية، زاعمين أن الحركات التكفيرية الراهنة امتداد للحركات التكفيرية المتعارف عليها في تاريخ الإسلام. فالركون إلى هذه الحجة يحجب عنا الأسباب الحقيقة الأخرى التي تدفع بعض أبناء الجيل المعاصر إلى اعتناق التطرف مبدأً، والعنف مذهباً، وتفجير النفس طريقاً للانتصار على الآخرين.


إذا أردنا التعرف على ما يجول في ذهن هؤلاء التكفيريين، لا مندوحة لنا من أن نمعن النظر أولا في الخطاب السلفي المتداول في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والنتائج التي تترتب على هذا الخطاب بالنسبة للتعامل مع الآخرين، سواء كانوا من أبناء المذاهب الإسلامية المختلفة أو من أبناء الديانات السماوية الأخرى. وثانياً في واقع الأنظمة المتسلطة على رقاب الشعوب الإسلامية.


فمن مسلمات الأمور أن هذا الخطاب الإسلامي زعماً يمزق وحدة الشعوب ويثير الفتن الطائفية. فها هو قطب السلفية الأعظم ابن تيمية (661ـ 726 هجري) يقول في مؤلفه "مجموع الفتاوى": "... الكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك". ويتكلم عن ملكية الكافر للمال فيقول: "لم تكن أموالهم مملوكة لهم شرعاً؛ لأن الملك الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم، والشارع لم يبح لهم التصرف في الأموال إلا بشرط الإيمان". ويؤجج ابن تيمية الفتنة الطائفية تأجيجاً يعجز عنه حتى أعداء الإسلام، حين يكفر الشيعة فيقول: "إن اليهود والنصارى مفضلون عليهم". وينقل الشيخ السعودي ابن العثيمين (2001 ـ 1929) عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: "إذا رأيتُ النصراني أغمض عيني كراهة أن أرى بعيني عدوا الله".


وبعيداً عما إذا كان الإمام ابن حنبل قد قال ما ينسبه إليه ابن العثيمين من كلام لا يتفق البتة مع ما خلف هذا الإمام الجليل من آراء متسامحة في التعامل مع غير المسلم، فإن هذه الأقوال المخالفة كلية للتسامح والمحبة اللتين دعانا إليها القرآن الكريم هي الخطاب السلفي، المتداول في الكثير من المكتبات، هي التراث الذي يعتمد عليه التكفيريون حينما يهجرون أو يقتلون المسيحيين والإيزيديين وأبناء الطوائف الإسلامية الأخرى.


المؤسف حقاً، هو أننا لا نريد أن نعترف أن تراثنا ينطوي - مثله في ذلك مثل تراث أية أمة أخرى - على تراث إنساني جادت به قريحة عمالقة من عمالقة الفكر الإنساني، وعلى تراث سقيم يفضي في نهاية المطاف إلى ممارسة العنف وقتل الأبرياء.


وإذا كنا نفتقد الأسلوب الصحيح للتمييز بين التراث الصحيح والتراث السقيم المخالف لروح العقيدة السمحاء، أيحق لنا والحالة هذه، أن نلوم التكفيريين المعاصرين، حين يقرؤون هذا الخطاب ويلتزمون بتنفيذه؟ أو عندما يتلوه عليهم هذا الخطيب أو ذاك في الجامع، مطالباً إياهم بالتقيد به حرفياً، والتسليم بصحته كلية؟


إن هؤلاء الشيوخ يلهبون المساجد بخطب نارية معادية للتقدم والديمقراطية، باعتبار الحداثة والديمقراطية بدع تخالف مبادئ الإسلام الحق.


العامل الثاني لنشأة التطرف يكمن في الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة ظلماً وجوراً، ولأكثر من عقد كامل على العراق. هذا الحصار الذي ما كان له مثيل في التاريخ، استفز الشباب في الأقطار العربية خاصة والبلدان الإسلامية عامة، ودفعهم لأن يروا في الغرب عامة وأمريكا خاصة، العدو الأول، لا سيما أن هذا الغرب يقدم دعماً غير محدود لإسرائيل ويساند سياساتها الاستيطانية في فلسطين.


السبب الثالث هو أن الحكومات في الدول الإسلامية خانعة للولايات المتحدة، وتمارس أقسى أنواع الظلم بحق شعوبها، لا لشيء إلا للبقاء في السلطة، وتمكين الولايات المتحدة من تعزيز هيمنتها على الشعوب العربية.


إن الأنظمة الدكتاتورية في الأقطار العربية تركت الكثير من الشبان يستهزئون بهوياتهم الوطنية، باعتبارها هويات مصطنعة تتعارض مع الهوية الإسلامية، المرتبطة بمشروع الخلافة الإسلامية. كما استخدمت هذه الحكومات أبشع الأساليب القمعية مع الشبان الذين يفكرون أو يطالبون بالإصلاح، وأفرطت في القمع والتعذيب والقهر والظلم، وغيبت المعتقلين أو اغتالتهم في السجون.


من هنا، ليس غريباً أن يعتقد هؤلاء الشبان أن الكفاح المسلح والإرهاب هي الأساليب الناجعة في التعامل مع هذه الحكومات الخانعة أمام الغرب، المتعجرفة في تعاملها مع شعوبها. ولأن داعش وما سواها من تنظيمات تكفيرية هي التي تتيح الفرصة لمن يفكر في تغيير الأحوال بقوة السلاح، لذا غدا هؤلاء الشبان يشعرون بنحو تلقائي بأن هذه التنظيمات هي الحركات الحاضنة لهم.


ولا غرو، أن الشبان الذين اكتووا بقمع الأنظمة الدكتاتورية، وشاهدوا ما يرتكبه الكيان الصهيوني من جرائم بحق الأطفال والنساء العزل من أبناء فلسطين، وفي غزة بنحو مخصوص، ليس بمباركة أمريكية فقط، بل وبمباركة مبطنة من قبل أنظمة عربية، سيشعرون أن تصرفات التكفيريين وجرائمهم بحق المدنيين الأبرياء، هي الانتقام العادل ضد الأنظمة القمعية العميلة لأمريكا.


إننا ها هنا إزاء مواقف رعناء، بكل تأكيد، فالواجب يفرض على كل مخلص أن يحشد كافة القوى لدعم الشعب الفلسطيني، وليس لتصعيد العمليات الانتحارية في العراق وسوريا وليبيا ومصر وغيرها من بلدان عربية.


من ناحية أخرى، فإن التصدي للحركات التكفيرية يفترض التصدي للتراث السقيم الداعي إلى الخرافات والتخلف، والتزام القيادات السياسة المخلصة بمقاومة الظلم والاستبداد، وفضح الوعود الكاذبة، والخطابات الفارغة، المبشرة بمستقبل مشرق، وبتحرير فلسطين بالسلاح الغربي والدولار الأمريكي.