مؤتمر المانحين للشعب السوري أكبر دليل الكويت .. كيف تكون لاعبا دوليا مؤثرا

08/04/2015 - 2:22:24

سامح شكري : اتفاق بين مصر والكويت علي الحل السلمى والتدخل الانساني سامح شكري : اتفاق بين مصر والكويت علي الحل السلمى والتدخل الانساني

رسالة الكويت يكتبها : أحمد أيوب

عندما تهبط في مطار الكويت أو تسير في شوارع عاصمتها الزرقاء كماء الخليج تشعر بهدوء، فكل شيء يسير حولك له نظام لا يتجاوزه، حتي العواصف الترابية التي تتعرض لها البلاد أحيانا وأغلبها في شهر أبريل يتعاملون معها بهدوء لأنهم يعرفون مسبقا كيف يستقبلونها ويتجنبون خطرها، العواصف السياسية في الكويت كما العواصف الترابية قد تكون عنيفة وساخنة لكنها لا تؤثر في بنية البلاد ولا كيانها الأساسي ولا تفسد علي أهلها الهدوء الذي يتميزون به، فالخلاف ممكن لكنه ليس مسموحا له أن يصل إلي حد الاختلاف أو الشقاق الذي يهدد التجربة الديمقراطية التي اختارت الكويت أن تخوضها بكل تقلباتها وعواصفها، فربما علمتهم خبرات الزمان والمحن وما يجري حولهم أنه لا سبيل للعيش إلا بالتوافق وحب الوطن الذي وإن صغرت مساحته لكن يكفي أنه يحتويهم جميعا، فالكويت دولة صغيرة المساحة، تقترب من 18 ألف كيلو متر مربع، لكنها كبيرة في التأثير كثيرة في الخير الذي يجني ثماره كل أهلها، وكلمة السر هي اتفاقهم جميعا أن دولتهم لابد أن تكون أكبر من خلافاتهم واستقرارها مقدم علي صراعاتهم، في الكويت لا تسأل عن ديانة أو طائفة، فالجميع يعيشون تحت سماء الوطن، تتجلي بينهم فكرة المواطنة التي يتمتع بها أكثر 3،3 مليون مواطن ثلثهم تقريبا كويتيون والبقية وافدون أجانب، كلهم يسكنون تلك الدولة العربية بلا تفرقة، تعرف فقط بالأرقام الرسمية أن نحو 85 في المائة من سكانها مسلمون والبقية ما بين مسيحيين وهنود، لكن لا تستطيع في الشارع أو علي المقهي أو في مكان عام أو ديوان حكومي أن تعرف ديانة أو طائفة أحد، فهذا من المحظورات الكويتية التي تستهدف الحفاظ علي النسيج الوطني في بلد يعلم أهله أنه إن تمكنت منه الطائفية فسوف يتمزق لا محالة.


في مجلس الأمة يظهر جليا بين أغلبية الأعضاء معني الوطن وكيف يتجنب أهله أن يتنازعوا فيفشلوا وتذهب دولتهم، فالمعارضة قوية وتقف للحكومة بالمرصاد لكن أغلبها لا يقبل أن تكون معارضة، خارجة عن حدود الوطن وسلامته، وفي الوقت نفسه تصر السلطة الحاكمة علي احترام إرادة البرلمان مهما اختلف معها طالما أن أغلبيته اتفقت علي موقف، كم من وزير سقط برلمانيا وسحبت منه الثقة لكن دون غضب من جانب السلطة الحاكمة، فمن التزم بالديمقراطية لن يئن من نتائجها ومن تحمل أمانة الوزارة عليه أن يتوقع غدرها ويعمل حساب السقوط في أي لحظة، تلك قاعدة اتفق عليها كل أهل السلطة والسياسة في دولة الكويت منذ قرروا إقامة حياة برلمانية حية وحقيقية وليست وهمية، وساعد علي ذلك أن قيادة الكويت ممثلة في أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد ليست لديها أولويات سوي مصلحة البلاد وأن تبقي محتفظة بتماسكها، ولهذا تسمع كثيرا علي المقاهي وفي أماكن عدة من كويتيين وغيرهم عن القانون الذي يطبق علي الجميع وإن كانوا من الأسرة الأميرية، بل وتسمع أيضا قصصا عن مسئولين كبار أقصوا من مواقعهم بسبب أخطاء ظنوها بسيطة لكن لم يقبلها أمير البلاد لأنها تتجاوز القانون، بالتأكيد لا يحدث هذا بسهولة وإنما لقناعة من قيادة البلاد أن هذا هو السبيل لنجاح الدولة في تخطي الصعاب والوصول إلي مربع التأثير الإقليمي والدولي، ويلخص هذه المعادلة وزير الإعلام الكويتي الشيخ سلمان الحمود بأن الكويت بكل مكوناتها السياسية وشعبها تعتمد سياسة تجنب ما يمكن أن يؤدي إلي خلاف والتركيز دائما علي نقاط التوافق، هذا ليس مجرد أسلوب تعامل في السياسة الخارجية التي يجيدها الأمير صباح الأحمد بخبرة تفوق نصف قرن قضاها في العمل الدبلوماسي، منذ 1963، وإنما استطاع أن ينقلها إلي الساحة السياسية الداخلية، فما بين السلطة الحاكمة والحكومة والمعارضة ثوابت غير مكتوبة لكنها أصبحت عرفاً أشد الزاما للجميع من الدستور ولا يقبلون تخطيها، وهي مصلحة الكويت وأمنها القومي وحماية مواطنيها، فرغم الخلافات التي تشتد حول قضايا وملفات عديدة إلا أن الجميع وضعوا ثقتهم في أمير البلاد وفوضوه فيما يخص الملفات الحاسمة والمرتبطة بقضايا الوطن وأمنه وعلاقاته الخارجية، وهذا هو سر نجاح الكويت ليس فقط اقتصاديا بأن احتلت مرتبة متقدمة عالمياً في نصيب الفرد من الناتج القومي والذي تخطي 40 ألف دولار، وإنما أيضا دوليا من خلال قدرتها علي تحقيق خطوات متصاعدة لتثبيت أقدامها كلاعب مهم في الدبلوماسية الإقليمية والدولية، فرصيد الكويت من النجاحات الدولية ليس قليلاً، وخاصة ما يتعلق بالجوانب الإنسانية والتي كانت سبباً في منح أميرها لقب «أمير الإنسانية» وأعتبار الكويت «عاصمة الإنسانية» وليس أدل علي هذا الرصيد الإنساني من نجاحها علي مدي ثلاث سنوات متتالية في تنظيم مؤتمر الدول المانحة للشعب السوري، فللمرة الثالثة تستطيع الكويت عقد مؤتمر ناجح لمعاونة ودعم الشعب السوري ورفع المعاناة عنهم، وزادت الدول المشاركة من 54 دولة و13 منظمة دولية فقط في 2013 إلي 78 دولة و40 منظمة دولية في هذا العام.


هذا النجاح الذي وصل إلي حصول المؤتمر علي تعهدات من الدول المانحة تقترب من 8 مليارات دولار منها هذا العام فقط نحو 3.8 مليار دولار تم التعهد بها لصالح الشعب السوري خلال 6 ساعات فقط، كل هذا النجاح لم يكن سوي نتيجة طبيعية للثقة التي حظيت بها الكويت دوليا ومرجعها أنها قررت العمل والتحرك في القضية السورية بعيداً عن الأهواء السياسية التي تسيطر علي البعض، أو الأطماع التوسعية والاقتصادية التي تتحكم في البعض الآخر، فالتدخل الكويتي وصف من جميع المشاركين في المؤتمر بأنه إنساني بحت، ولهذا لم تهتم فقط بجمع الأموال من المانحين، وإنما كان تركيزها الأهم أن يذهب كل دولار لمن يستحقه دون أن يقع في يد انتهازيين أو مسلحين أو متصارعين، بل ولم تكتف الكويت بدعوة من يمتلكون القدرة علي المنح المالية فقط وإنما فتحت الباب واسعا أمام كل من طالهم ضرر مما يحدث في سوريا وفي مقدمتهم الدول التي تستضيف اللاجئين السوريين كي تضع العالم علي حقيقة الوضع المأساوي لشعب يعاني، وبالفعل جاءت كلمات تلك الدولة كاشفة عن الجرح العميق للسوريين والمعاناة التي تتحملها ماليا واقتصاديا من أجل توفير الرعاية للمشردين، وفي الوقت نفسه مؤكدة علي أهمية تنظيم مؤتمر للمانحين، وربما كانت كلمة وزير الخارجية المصري سامح شكري مؤثرة في هذا الاتجاه لأنه ربط بين ما سيسفر عنه مؤتمر المانحين وبين تخفيف المعاناة عن السوريين اللاجئين في دول تعاني هي الأخري من ظروف اقتصادية صعبة مثل مصر التي تستضيف أكثر من 400 ألف سوري يتزايد عددهم يوما بعد الآخر ولا يمكن أن تتخلي عنهم شقيقتهم الكبري مصر مهما كان ما ستتحمله من أجل مساعدتهم وتعويضهم عن فقدانهم بلدهم، أو الاردن التي تستضيف هي الأخري نحو المليون ونصف المليون سوري تتطلب توفير احتياجاتهم الاساسية ما يقترب من 3 مليارات دولار سنويا، أو لبنان التي يعيش علي أرضها الآن نحو 1،2 مليون لاجئ سوري يقتسمون اللقمة مع أبناء لبنان.


الحقيقة المؤكدة أن مؤتمر كالمانحين لم يكن لينجح إلا إذا كانت الداعية والراعية له دولة يثق العالم في التزامها بالحدود الإنسانية للملف السوري وعدم رغبتها في تلوين المؤتمر سياسيا أو تحويله إلي منبر تجييش حربي لمصالح ضيقة، وكان أفضل تأكيد علي هذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عندما قارن بين تصرف الكويت وتحركها من أجل إنقاذ شعب وبين آخرين لا ينظرون لما يحدث في سوريا إلا من خلال نافذة مصالحهم أيا كان مصير الشعب، ولهذا قال بان كي مون صراحة أنه يشعر بالعار والغضب نتيجة فشل المجتمع الدولي في إيقاف الحرب التي يدفع ثمنها شعب برئ بل وطالب العالم وخاصة الدول الغنية بأن تتبرع بسخاء مثل الكويت لمساندة الشعب السوري المشرد، كلمات بان كي مون كانت ترجمة حقيقية وسريعة لمطالبة الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت لأعضاء مجلس الأمن وخاصة دائمي العضوية بأن يتركوا جانبا مصالحهم الضيقة وخلافاتهم الواسعة ويوحدوا صفوفهم للخروج بحل ينهي هذا الصراع السوري المدمر ويعيد الأمن والاستقرار ويوقف الانتهاكات التي ترتكبها كل الأطراف ويدفع ثمنها الأبرياء.


هذه الكلمات كانت ملخصة تماما لموقف الكويت الذي لا ينحاز لأي طرف أو خيار وإنما فقط يبحث عن مخرج يفلت منه الشعب السوري الشقيق من معاناة قد تطول وتزداد آثارها الخطيرة، فحتي الآن فقد السوريون أكثر من 210 آلاف قتيل وأكثر من 1.5 مليون مصاب ونحو 20 ألف مفقود، كما انخفض متوسط الأعمار بين السوريين إلي 55 عاما فقط وانهار الاقتصاد السوري وارتفعت نسبة البطالة إلي 56 في المائة وخسر الاقتصاد السوري نحو 200 مليار دولار في أقل من أربع سنوات، وأصبح نصف الشعب السوري مشرداً بين الداخل والخارج بينهم نحو مليوني سيدة وطفل أقل من 18 عاما حرموا من أبسط حقوقهم المعيشية والصحية والتعليمية.


وهذا نفسه ما أكدت عليه مصر لتثبيت اتفاقها التام مع الكويت، في التعامل مع الملف السوري بجانب إنساني وليس سياسياً، ولهذا كان جزءاً مهماً من كلام الوزير سامح شكري يتضمن تأكيداً علي ضرورة العمل من أجل وفاء الدول بما تتعهد به لتوفير الخدمات واحتياجات الأشقاء السوريين بأقصي سرعة لأنهم في وضع صعب للغاية، ولأن شكري يعبر عن دولة تهتم بالجانب الإنساني للقضية فقد طالب أيضا بأن يتم توفير الدعم لكل الدول المستضيفة للاجئين وليس مصر وحدها، وعملا بمبدأ القدوة فقد استطاع أمير الكويت أن ينقل الاهتمام الإنساني بالقضية السورية من الجانب الرسمي والحكومي فقط إلي الجانب الأهلي، فكما تبرعت الحكومة للمرة الثانية بنصف مليار دولار فتحت بها باب التبرعات والتعهدات الدولية