من وحى حفلاته فى أوربا

06/04/2015 - 10:13:05

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - د. رانيا يحيى

استطاع الفنان المبدع عبد الحليم حافظ أن يوقظ همم العرب بما قدمه من إحساس صادق ومشاعر فياضة خلال الحفلات التى قدمها فى أوربا..وخاصة الحفلين الهامين الأول بقاعة ألبرت هول بلندن عقب نكسة 1967 والتى تبرع بها للمجهود الحربى وقدم خلالها عددا من الأغنيات العاطفية والوطنية منها سواح ألحان بليغ حمدى وكلمات محمد حمزة ،على حسب وداد ،المسيح ،وعدى النهار وجميعها من ألحان بليغ حمدى وكلمات صلاح أبو سلم والشاعر عبد الرحمن الأبنودى حيث كانا بطلى هذه الحفلة بجانب النجم البارز العندليب الأسمر.


وفى الذكرى الثامنة والثلاثين أود أن أقف عند أغنية "عدى النهار" كواحدة من أجمل الأغنيات الوطنية التى تبرز مدى إيمان القائمين عليها بالنصر على العدو وعدم الاستسلام للهزيمة التى لحقت بالعرب بعد حرب 67 ،والأغنية من مقام العجم أى السلم الماجير فى الموسيقى الغربية ووضع اللحن فى إطار التوزيع الأوركسترالى الذى أعطى قوة بالإضافة للأبعاد النفسية والجمالية على اللحن ،فرغم التعبيرية الشديدة التى تتحلى بها الجمل الموسيقية للأغنية إلا أن أداء الأوركسترا بالغ فى تأثير الموسيقى للمتلقى ،أما الأداء التطريبى الرائع لعبد الحليم فكان يتسم بالشرقية الصميمة مع نبرة شجن تغلف أداءه ..والمقدمة الموسيقية بها لمحة حزن مع ضربة السيمبال فى البداية ودخول صولو الكورانجليه بصوته الشجنى المنكسر ثم دخول الإيقاع والوتريات مع نهاية كل جملة منفردة لتعضيد الحالة السيكولوجية رافضة للانكسار والهوان ،فتتصاعد الجملة اللحنية بأداء الوتريات بقوة مع توزيعات هارمونية لآلات النفخ ،ويخفت صوت الأوركسترا تدريجياً ونستمع لضربات الأجراس التى توحى بحالة روحانية دينية نظراً لما تتركه الأجراس فى نفوسنا من ارتباط بالموسيقى الكنسية ،ويرافقها أداء الوتريات بالقوس على نغمة واحدة مجرد تآلف يدعم صوت الأجراس درامياً بجانب المثلث المعدنى البراق ،ومع دخول الغناء بـ "عدى النهار" فى أساس المقام ،ثم "والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر" ،بأسلوب حليم المشابه للغناء الحر المحدد بإيقاع ،وضربات المثلث بين الحين والآخر تفصل بين الجمل الشعرية والموسيقية على حدِ سواء وبعضها البعض ،بالإضافة لما لها من بريق يوحى بالتفاؤل القادم ،وتلعب الدراما دوراً حيث عبرت كلمات الأبنودى بالاستعارة المكنية عن مصر مشبهاً إياها بالفتاة التى تقف على الترعة تغسل شعرها وتقدم لها خطيب لم يستطع أن يدفع مهرها الغالى الثمين بلحن بليغ حمدى الذى بدأ يتصاعد نسبياً مع نغمات ركوز ثابتة وواضحة وأداء حليم التلقائى وإحساسه الذى توغل فى وجداننا جميعاً بمنتهى الصدق ..بعد ذلك تساؤل حليم "يا هل ترى الليل الحزين" مع مصاحبة تريموللو عبارة عن ترعيد من الوتريات يوحى بالقلق والتوتر مع هذا الاستنكار والأداء الغنائى يتصاعد لحنياً وسيكولوجياً وضربات السيمبال توحى بالقوة رغم الهزيمة ،ومع كلمة "أبداً.. أبداً بلدنا" فى المساحة الصوتية الحادة ومع الأداء الجماعى للكورال الرجال يؤكد عدم صمت أبناء مصر الأشداء لمواجهة العدو الغاصب ،والتوزيعات الأوركسترالية تؤكد هذه الروح القتالية فى المصريين الرافضين للهزيمة ،وبعد "كل دار" نجد تغيراً ملحوظاً فى شكل الجمل الموسيقية والتوزيع الآلى المعتمد على آلات النفخ والإيقاع بكل قوتها فنشعر بتناقض واضح ما بين قوة أداء الآلات الأوركسترالية الغربية والتى تؤكدها آلات النفخ النحاسية مع الغناء المنكسر وخاصة فى البداية ..ويحدث تغيير مقامى للصبا زمزمة الحزين مع دخول شطرة "والليل يلف ورا السواقى" ،ونستمع لأداء منفرد لختام عبارة موسيقية بلزمة تفصل الجمل اللحنية ،ثم يتغير شكل اللحن الذى ينساق بأسلوب متقطع لموتيفات قصيرة مع الآلات الموسيقية المستخدمة وإبراز للمثلث مع كل ضربة إيقاعية مع بداية جزء "تحلم بلدنا بالسنابل" والعودة للمقام الأصلى العجم ،وغناء تطريبى من حليم يستمر لحين نستمع لمقطع "فى المتاجر والمصانع....." والاستخدام القوى للتوزيع الأوركسترالى الذى يؤكد على الإصرار ،وآلات النفخ الخشبية تؤدى توزيعات هارمونية لتعضيد التآلفات بالقوة ،كذلك الصرامة والإصرار فى "أبداً بلدنا للنهار بتحب موال النهار" وهى لنصرة العرب على العدو ،وتدعم الحالة النفسية بهذا الأداء الحماسى القوى وتختتم بأداء حليم الشجنى مع الختام "لما يعدى فى الدروب ويغنى أدام كل دار" بشجنية تعود بنا للانكسار فى البداية وفرض الواقع المخزى بالهزيمة ،والألفاظ التى عبر عنها الأبنودى كانت توارى مشاعر العطاء للوطن بفيض غزير وكأننا فى حلم بيوم النصر ،حيث بدأ بانكسار واقعى ثم انطلاقة بهذا الحلم العربى الشامخ وعاد بنا الأبنودى مرة أخرى لهذا الواقع المرير حتى نتذكره ليظل الحلم هو الهدف حتى تحقيقه ..وأعتقد أن عبقرية بليغ حمدى فى وضع هذه المأساة الشعورية المغناة فى مقام غربى دون أن نشعر حيث غلبت موسيقيته وعبقريته فى استمرار الإحساس الشجنى والشرقى مع مقام العجم الذى ساعد على وجود توزيع أوركسترالى ضخم يشعرنا بتكاتف العرب جميعاً كما تتكاتف آلات الأوركسترا رغم اختلافها لكنها تتحد لإنتاج عمل جماعى قوى يتسم بالجمال.


والحفل الثاني لحليم الذى نود الإشارة له حفل قصر المؤتمرات بباريس عام 1974 والذى قوبل بحفاوة بالغة وتغنى بعدد من الأغنيات تضمنت فاتت جنبنا كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب ،زى الهوى ،وأى دمعة حزن ألحان بليغ حمدى وكلمات محمد حمزة ،وأيضاً رسالة من تحت الماء كلمات نزار قبانى وألحان محمد الموجى وهذه الأغنية كثيراً ما كان يتغنى بها حليم فى ذكرى عيد الربيع وهو ما جعلنى فى مثل هذه الأيام التى نستهل فيها فصل الربيع أتحدث عن روعة تلك القصيدة فى عجالة حيث تحتاج تلك القصيدة لكتب لاكتشاف جمالياتها الجلية والمتوارية ،ولعلنا نبدأ بالمقدمة الموسيقية الطويلة التى تستبق الغناء حيث وضعها الملحن فى مقام العجم ولم يعتمد في بدايتها على آلات الإيقاع بينما استخدم الآلات الكهربائية بشكل أساسى كالجيتار والأورج الذى دخل فى بداية السبعينيات وأضاف لوناً صوتياً جديداً وكان بطل المقدمة ،كما أدت الوتريات مصاحبة مع نهايات العبارات الموسيقية مع استخدام التريموللو ليضيف إحساساً بالقلق وأحياناً موتيفات إيقاعية تدعم الحالة النفسية التى تستبق دخول المطرب ،ويتكرر لحن الأورج السابق لكن هذه المرة بالفرقة الموسيقية مكتملة مع الأكورديون ،والوتريات هنا تلعب دور البطولة بجانب الإيقاعات الشرقية التى تضيف بعداً جمالىاً وحسىاً ،ثم نستمع للأداء الحر المنفرد من الفيولينة الكهربائية فى طبقة أكثر حدة مع وجود زخارف لحنية مع استخدام تقنية الجليساندو أى الزحلقة فيما بين النغمات بأداء ليجاتو مربوط ،وللعلم هذه الآلة كانت لأول مرة تدخل فى توزيع الأغنيات العربية ..والجمل الموسيقية عادة داخل اللحن فى حالة تصاعد نغمى وأيضاً تتصاعد من حيث القوة الكريشندو ..وننجذب جميعاً للاستهلالة الجميلة للقصيدة بـ "إن كنت حبيبى...." بصوت العندليب بأداء تطريبى حر بعض الشئ مع خلفية موسيقية ،ومع "لو أنى أعرف أن الحب...." المصاحبة الموسيقية تتسم بالرشاقة والأداء المتقطع الاستكاتو، وينتهى المقطع الأول من القصيدة بجملة "لو أنى أعرف خاتمتى ما كنت بدأت" وتنتهى الجملة اللحنية بهبوط سلمى مرافق للكلمة بوضوح ليعبر عن خاتمته بالموسيقى ولتأكيد المعنى اللغوى فى مقام العجم.. بعدها يبدأ لحن جديد كمقدمة للجزء التالى فى مقام الصبا الأكثر شجنية ،ورغم ذلك استطاع الموجى بعبقريته الموسيقية وموهبته الفطرية الفذة أن يضع هذا المقام الحزين داخل إيقاع موسيقى راقص لا يُشعِر المتلقى بالحزن الدفين ،ونجد هنا المزج بين المتناقضات فرحته بالاشتياق وحزنه على الرحيل والبعاد باستخدام المقام الحزين لكن الإيقاع الراقص عبر عن الشوق والسعادة ..وننتقل مع دخول الغناء بإبداع قبانى فى الكلمات "اشتقت إليك فعلمنى ألا أشتاق...." ومع جملة "علمنى كيف أقص هواك" تصاعد لحنى ثم هبوط لأساس المقام فى كلمة مع "الأعماق" ليعبر عن هذا العمق بالموسيقى حيث تتفاعل الموسيقى مع الكلمة درامياً لخلق حالة فنية إبداعية متكاملة الأركان ،ومع عبقرية اللحن ينتقل بنا الموجى إلى مقام الحجاز بما يعبر عنه من لمسة حزن فى مقطع "يا من صورت لى الدنيا كقصيدة شعر" ويعمل هذا الانتقال المقامى على تعدد الأمزجة داخل القصيدة المغناة لإضافة أبعاد حسية وجمالية للجمهور تؤكد على المفردات المراد تعميقها داخل النفس ،ويعود الموجى ببراعة مطلقة إلى مقام العجم بجزء من المذهب فى جملة "لو أنى أعرف خاتمتى ما كنت بدأت" وكأنها الفكرة الأساسية داخل القصيدة والتى يعضدها بالتكرار ،ويليها تعبير بالموسيقى عن كلمة "حتى قدمى" بهبوط لحنى ملحوظ بعد ذلك نستمتع بلزمة موسيقية تسبق كوبليه "الموج الأزرق فى عينى...." فى مقام نادر الاستخدام نسبياً فى الموسيقى العربية وهو الأثر كرد ،وأداء آلة الفيولينة هنا يختلف عن أداء نفس الآلة فى المقدمة الموسيقية حيث الآلة الطبيعية الأكوستيك بمهارة وتلقائية وشرقية مفرطة وأداء حر أكثر من رائع ومع شطرة "إنى أتنفس تحت الماء" بأداء حليم المتصاعد وما يحمله من صمت بين الحين والآخر يضيف جمالاً فوق هذا الجمال حيث الغموض وشد انتباه المتلقى ،ويلمس الموجى مرة أخرى المقام الأساسى العجم مع تلك الكلمات "إنى أغرق أغرق" والتكرار لتعميق فكرة الغرق بهجر المحبوب ، ومع هذه الإبداعات المتلاحقة داخل القصيدة ينتقل بنا الموجى مرة أخرى فى جولة قصيرة إلى مقام النهاوند أو السلم الصغير فى الموسيقى الغربية مع مقطع "يا كل الحاضر والماضى يا عمر العمر" بالتعبير عن الحنين للمحبوب الذى يمثل الماضى والحاضر أى عمر هذا الحبيب بأكمله ،ويعود فى "إن كنت قوياً أخرجنى من هذ اليم" إلى المقام الأساسى العجم بحالة من الفرح والإيقاع الراقص، ودور الأورج فى أداء بعض الأجزاء المنفردة بمصاحبة الفرقة.. ونشعر من شدة جمال الموسيقى أنها تتحدث ولها القدرة على ترجمة تلك المشاعر الإنسانية حتى بدون كلمات ..فالمقدمات الموسيقية التى تستبق الكوبليهات قمة فى صدق المشاعر وفيض غزير من الإحساس، وحليم ينهى القصيدة بتكرار "ما كنت بدأت" للتأكيد على إحساسه العاشق فى تصاعد ثم هبوط بنفس الكلمات لتختتم بقفلة تامة.