يحكى ذكرياته مع حليم .. مجدى الحسينى : العندليب فنان بكل لغات العالم

06/04/2015 - 10:04:20

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

حوار- عمرو محيى الدين

ذكريات لا تنسى عاشها عازف الأورج الشهير مجدى الحسينى مع "أبيه الروحى" عبدالحليم حافظ، الذى احتواه فنيا، ودافع عن موهبته، وأعطى له فرصة الظهور والانطلاق الفنى بين قمم الموسيقى والغناء العربى، رغم حداثة سنه، كان الحسينى صبيا لم يتجاوز الرابعة عشر عاما، إلا أنه استطاع بموهبته الفريدة فى عزف الأورج، أن يدفع العندليب إلى ضمه لفرقته الموسيقية، واصطحابه فى أغلب رحلاته خارج مصر.


عن أول لقاء جمعه بعبدالحليم يقول مجدى الحسينى: كنت أعمل ضمن فرقة موسيقية اسمها «البلاك كوتس»، وكان عبدالحليم حافظ يجهز أغانى فيلم أبى فوق الشجرة، ويفكر فى الاستعانة بآلة الأورج فى إحدى أغنياته، وتلقيت خبرا من صديقى عمر خورشيد أن عبدالحليم يريد مقابلتى، لم تسعن الفرحة، وعند لقائى به، عزفت أمامه، وكان ينصت باهتمام بالغ، وأعطانى الفرصة لعزف لحن إحدى أغنيات الفيلم، وحينها نشأت صداقة قوية بينى وبين عبدالحليم، وكنت أرافقه فى معظم حفلاته خارج مصر، بصحبة الفنان بليغ حمدى وطبيبه الخاص الدكتور هشام عيسى.


غناء وعلاج


ويضيف الحسينى: المشكلة الوحيدة التي واجهتني أثناء عملى مع عبدالحليم هي رفض أعضاء الفرقة ظهوري بجانبهم على المسرح؛ لأنني بالنسبة كنت مجرد «طفل صغير»، إلا ان العندليب تدخل فى الأمر، وقالى لى: "ستظهر بجوارهم على المسرح" و"أنا المسئول عنك"، حتى أنه أصر على اصطحابى مع فرقته إلى لبنان لإحياء حفل غنائى هناك ، وكانت تجربة السفر الأولى بالنسبة لى، كما سافرت معه إلى فرنسا عندما أجرى بعض الفحوصات الطبية هناك، عبدالحليم سافر إلى معظم دول العالم، إما للغناء أو للعلاج. وأستطيع أن أقول إن الحليم أبى الروحى.. احتوانى فنيا.. ودافع عنى.. ومنحنى فرصة الظهور.


ويتابع: كان العندليب أثناء سفره لا يتوقف عن الضحك والقفشات الكوميدية، ورغم مرضه الذى رافقه طيلة حياته، والآلام التى تجرعها لسنوات، إلا أن الابتسامة لم تكن تفارقه، فالرحلات خارج مصر، لم يكن لها طعم بدونه، فكان يطلق النكات والقفشات، وجلساته لا تخلو من الضحك.


وعن قفشات عبد الحليم يقول الحسينى: المرة الأولى التى ركبت فيها طائرة،كانت بصحبة عبد الحليم حافظ ومصوره فاروق إبراهيم،والموسيقار بليغ حمدى، وفوجئت بالعندليب وأنا على متن الطائرة، يقول لى : " جبت معاك الـ 500 دولار" .. قلت له" بتوع إيه؟!!".. فرد " " كان لازم تجيب معاك 500 دولار .. ده ثمن الأكل اللى فى الطيارة".. فاندهشت من الأمر وقلت: "ده كتير أوى" .. فأجابنى عبدالحليم : "ما تنساش اننا بين السما والأرض وده أقل تمن للأكل هنا" فظللت طيلة الرحلة ممتنعا عن الطعام، حتى أنى رفضت الطعام أثناء قيام المضيفة بتقديم وجبة الغداء لى.. ، وظل عبدالخليم يضحك هو وبليغ وفاروق إبراهيم، وأنا لا أعرف سبب الضحك، حتى فهمت الأمر بعد ذلك.


شاى بالزبادى


وأذكر أنه عند سفرنا إلى لبنان، طلبت من خدمة الحجرات بالفندق كوب" شاى باللبن" وفى لبنان كلمة لبن تعنى زبادى فى لغتهم، وكان الرجل المسئول عن خدمة توصيل الطلبات مندهشا جدا من طلبى، ويقول لى " كيف هذا؟؟" فأجبته" ما العجيب فى الأمر؟!!.. " عايز شاي باللبن" .. فاعترض الرجل، ولم يفهم قصدى فاتصلت بعبدالحليم، أخبره بالأمر فضحك وقالى لى: انت كده طالب شاى بزبادى يا مجدى!! .


ويتابع: كان عبدالحليم معتادا على النوم نهارا، وأحيانا لا يغمض له جفن حتى الساعة التاسعة صباحا، وعند وصولنا إلى أى بلد مساء يظل مستيقظا، يسمع الأغانى، ويقابل أصدقاءه وأحباءه، أما البلاد التى كنا نصل إليها نهارا، أجد عبدالحليم يركن إلى النوم طالبا منى ومن أصدقائه عدم الإزعاج تماما لأخد قسط من الراحة، ويترك لنا رقم خدمة الغرف لتلبية احتياجاتنا.


استقبال الملوك


ويقول الحسينى: لم يكن عبد الحليم يشعر بالغربة فى أى بلد تطأها قدماه، فأحبابه فى كل مكان فى الدول العربية والعالم، وكان استقباله فى معظم الدول كاستقبال الملوك، فبمجرد وصوله إلى أى بلد، يجد استقبالا حافلا من شخصيات عامة على أعلى مستوى، وأمراء دول وفنانين وأطباء وأساتذة وشخصيات سياسية مرموقة ومعجبين، فكل الوطن وطنه وكل العالم عالمه وكل الناس أهله على اختلاف جنسياتهم، فى زيارات عبدالحليم إلى المغرب كان الملك الحسن دائما فى استقباله، وكذلك الأمر مع الرئيس حافظ الأسد فى سوريا، وفى زياراته إلى لبنان تجد فريد الأطرش وفهد بلان على أبواب المطار يستقبلانه استقبالا حافلا.. حتى فى لندن وباريس كان له أصدقاء.


ويكشف الحسينى عن الشخصيات التى رافقته فى رحلاته فيقول: تنقسم رحلات العندليب خارج مصر إلى قسمين، الأول رحلات علاجية وكان يصطحب فيها أخته أو أحد أقاربه، والثانية رحلات فنية، وكان يرافقه فيها الموسيقار بليغ حمدى، والمصور فاروق إبراهيم، والشاعر الغنائى محمد حمزة وطبيبه الخاص الدكتور هشام عيسى، كما حالف الملحن العبقرى حلمى بكر الحظ فى مرافقته العندليب فى الكثير من رحلاته خارج مصر.


العندليب وفريد


ويضيف: كانت علاقة عبدالحليم بكل من حوله علاقة طيبة تسودها الصداقة والمحبة، حتى أن ما تردد حول خلافاته مع فريد الأطرش، لم يكن صحيحا، فأذكر أنه كان يسافر لإحياء حفلات غنائية فى لبنان كل شهرين تقريبا، وكان يشارك فى تلك الحفلات كبار نجوم الغناء، منهم شادية وفريد الأطرش ووردة وصباح وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة، ويصادف معظم المرات أن يغنى فريد الأطرش فى اليوم الذى يلى عبدالحليم، وحينها كان العندليب يقف على خشبة المسرح، ويشجع الجمهور على حضور الحفل الذى يقدمه الأطرش، ويقول: انتظروا فريد الحفلة المقبلة.. سيغنى أغانيه الرائعة.. وهكذا كانت العلاقة بين العندليب والأطرش علاقة صداقة وحب وتنافس شريف، كما كان العندليب يدندن أغانى لفهد بلان باللهجة اللبنانية.


أناقة


ويكشف الحسينى عن سر ولع العندليب بالأناقة فيقول: كان عبدالحليم حافظ مثالا للأناقة، والاهتمام بمظهره، كان لا يرتدى إلا العلامات التجارية "السينييه"، فى سفرياته إلى باريس كان يقتنى أجمل العطور، وفى لندن كان يشترى أجمل الأحذية والبدل، وفى سويسرا كان يجوب أرجاء المحلات ويشاهد الساعات القيمة، فكان يحب ماركات «التايقر» فى الأحذية، والشيرويل فى البناطيل، والجفنشى فى البدل والقمصان، فكان أمير الأناقة بلا منازع، وللعلم كان الملك الحسن( ملك المغرب) يعطى تعليمات للترزى الخاص به، أن يفصل بدل لعبدالحليم مماثلة لبدله.


موضة عبدالحليم


ويوضح الحسينى: كنا فى شبابنا نأخذ صيحات الموضة من عبدالحليم حافظ، فننتظر حتى يخرج علينا بشكل جديد، ونسير على دربه، فأذكر أن معظم شباب جيلى كان ينظر إلى طريقة ملابس عبدالحليم، ساعاته وبناطيله وقمصانه وتسريحة شعره، وطريقة كلامه الحالمة الهادئة، وأنا كنت أقلده فى الكثير من مقتنياته، ولا سيما العطر الذى كان يفضله.


ويتابع: كان حليم خلال سفرياته يستمع لكل أنواع الموسيقى.. الهندية والإسبانية والفرنسية والانجليزية، وكذلك إلى كافة المطربين على اختلاف جنسياتهم، ومنهم فرانك سيناترا، ودين مارتن، ومار إرياى، وتوم جونز، وأذكر أنه فى إحدى رحلاته إلى مدريد كان يسمع مقطوعات موسيقية إسبانية ، ونالت إعجابه جدا فطلب منى أن نظهر بعض لمسات الموسيقى الإسبانية فى أغانينا، وظهر ذلك فى أغنيته" نبتدى منين الحكاية"، فكان ملما بكل ما حوله من جديد، ويتعرف فى رحلاته خارج مصر على أحدث آلات الموسيقى والعزف، وأدخل آلات أورج جديدة فى أغانيه ومنها " الهوا هوايا" و" جانا الهوا"، وفى رحلتى معه إلى باريس؛ لإجرائه بعض الفحوص الطبية ، رأيتُ «أورج» من موديل حديث كان اسمه «السانتيزر» في أحد محال «الشانزلزيه»، حيث كان بإمكان هذا الأورج إصدار صوت معظم الآلات الموسيقية، وأخبرت عبدالحليم الذي تحمَّس لشرائه، حتى أنه قام باسترداد ثمن ساعة يد، كان قد اشتراها أثناء الرحلة، ليشترى الأورج الحديث، فقد كان سخيا كريما معطاء، يحب فنه ويخلص له.


واختتم الحسينى كلامه قائلا: سيظل عبدالحليم خالدا بذكراه العطرة ويزداد انتشارا أكبر، ومحبة فى قلوب الأجيال، مهما مر الزمن، فكان هو أقوى مطرب من بين جميع الجنسيات، ووصل إلى العالمية بأحاسيسه الجياشة، تلك الأحاسيس التى تسبق اللغات.



آخر الأخبار