عبدالحليم حافظ رحل في الوقت المناسب!

06/04/2015 - 9:58:18

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - حسن صبرا - رئيس تحرير الشراع اللبنانية

بعد أن يُصدم القارئ بهذا العنوان.. أخفف عنه بالقول إنني من عشاق عبدالحليم حافظ، صوته وأغانيه وألحانها، وأدواره في السينما.


أكاد أحفظ كل أغانيه، وأعرف معظم ملحنيها، وأحفظ أدواره في السينما وأسماءه فيها: صلاح في "الوسادة الخالية" مع لبني عبدالعزيز وصلاح أيضاً في "يوم من عمري"مع زبيدة ثروت، ويحيي في "أيام وليالي" مع إيمان، وعبدالمنعم "منعم" في "شارع الحب" مع صباح، وجلال في "لحن الوفاء" مع شادية، ومحمود في "دليلة" وأيضاً مع شادية وإبراهيم في "معبودة الجماهيربنات اليوم" مع ماجدة وآمال فريد وأحمد رمزي، وأحمد ممتاز في "ليالي الحب" مع آمال فريد وعبدالسلام النابلسي. وعلي في "أيامنا الحلوة" مع عمر الشريف وأحمد رمزي وفاتن حمامة، وسمير في "موعد غرام" مع فاتن حمامة، وحسين في "الخطايا" مع نادية لطفي وعماد حمدي ومديحة يسري، وأحمد في "حكاية حب" مع مريم فخر الدين، لم أتوقف عن الكتابة في ذكراه منذ رحيله يوم الأربعاء في 30 مارس 1977.


أعيش مع عبدالحليم وجدانيا وعاطفيا كجزء أصيل من حياتي منذ وعيت علي الدنيا، أذكر أجمل أيامها علي نبرات صوته، وهزال جسده، ومعاناته صغيراً ومرضه كبيراً، أقشعر بدني فرحاً عندما قرأت إهداء فيلم محمد خان: زوجة رجل مهم بطولة ميرفت أمين وأحمد زكي إلي عبدالحليم حافظ وزمانه.


ومازلت أهتز كلما سمعت عبدالحليم يغني لعبد الناصر معشوقي السياسي وزمانه العظيم وثورة يوليو الخالدة، التي أحياها شعب مصر في 30 يونيه و3 و 26 يوليو عام 2013 علي أيدي عبدالفتاح السيسي.


تكاد دموعي تنهمر كلما غني "في يوم من الأيام" عندما يصل إلي مقطع "لو كان بإيدي كنت أفضل جنبك وأجيب لعمري ألف عمر وأحبكصاحبو رماه وناسي بقي له جمعين فى أغنية "ظلموه" وأرقص طربا وهو يردد "والاقيلك مشغول وشاغلني بيك وعنيا تيجي في عينيك" في أغنية "أهواك" أو وهو يردد قلنا يا زعيمنا قلوبنا أهي في أغنية "صورة صورة" وهو يردد يارب احفظ ريسنا وبطلنا في بالأحضان.


"أحلف بسماها وبترابها، أحلف بدروبها وأبوابها أحلف بالقمح وبالمصنع أحلم بالمدنة وبالمدفع بولادي بأيامي الجاية ما تغيب الشمس العربية طول مانا عايش فوق الدنيا".


بعد هذه المقدمة الطويلة التبريرية للعنوان الصادم.. نعود إلي تفصيله:


1 - عشاق عبدالحليم كانوا يعانون معه في مرضه، ومع أن بعض وسائل الإعلام، ومنافسي عبدالحليم أو الذين يتهيأ لهم إمكانية منافسته، كانوا يروجون أن مرضه مجرد شائعة أو دعاية له قبل حفلاته المشهورة، أو أفلامه أو أغانيه الجديدة.. إلا أن الحقيقة أن معظم حالات سقوط عبدالحليم مريضا يعاني كانت تأتي دائماً بعد حفلاته هذه، أو المجهود الذى يبذله في التحضير لتسجيل أغانيه واطلاقها فى أول ظهوره في الأفلام.


2- رحل عبدالحليم وهو في قمة عطائه الفني في جميع حقول الفن.. والناس تذكر عبدالحليم الأول غنائيا عاطفيا ووطنيا وتذكر صورته الجميلة وشكله الشاب حتي في هزاله كان لعينيه بريق جاذب وفي ابتسامته جاذبية أكثر وفي سلوكياته رقي وعاطفة ورشاقة وابن بلد وهذه أجمل صورة يحملها الجيل أو الأجيال التي عاصرت عبدالحليم وعشقه تركت في عيونها بصمة فنان كبير في أجمل صورة.


3- رحيل عبدالحليم جاء رحيلاً للعصر الذهبي في مصر للفن ورمزية القيادة الجماهيرية الهالة التي مثلها غياب جمال عبدالناصر وتغيب الدور المصري الذي طال لأكثر من 40 عاماً.


ومن مفارقات الاقدار ومن استعادة التاريخ لبلد عظيم كمصر، هي دورة كاملة في الحياة السياسية اكتملت هبوطا ثم صعودا بمجئ عبدالفتاح السيسي إيذانا بعصر جديد، كان من ملامحه الرمزية المهمة إعادة الاعتبار لأغنيات عبدالحليم الوطنية، وطنيا لدوره معبرا عن عصر جمال عبدالناصر.. والآن عصر عبدالفتاح السيسي .. والمفارقة أن أحد أبرز المعبرين عنه وعن معاركه في كل المجالات السياسية والثقافية والميدانية والإعلانية والتنويرية هو عبدالحليم حافظ.


أليس مثيرا للاهتمام، أن أحدا من جيل المغنيين الحاليين في مصر لم ولن يستطيع التعبير عن هذه التحديات وإحاطة الناس بها والمشاركين في تحملها، وهم بين هارب من خدمة وطنه، وملحوق متلهف لجمع المال، ومتهرب من الضريبة، ولاهثا وراء حفلات المطاعم والفنادق والسهرات الخاصة، لم يسمع، لم يقرأ، لم يشاهد المصريون أي عطاء لأي منهم رغم مرور سنوات علي الثورة الشعبية.


كان عبدالحليم ابن الشعب المصري، معبرا عنه، والمغنيون الحاليون لاهثون وراء كنز المال للابتعاد علي هموم المصريين فكيف كان عبدالحليم سيعيش وسط هؤلاء.. هو ابن الخامسة والثمانين وهم أصغر منه بعقود أربعة أو خمسة..


4- يعترف عبدالحليم بأن مجده لم يصنعه وحده بل كان إلي جانبه عظام في التلحين في مقدمتهم محمد عبدالوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي ومنير مراد هؤلاء جميعا رحلوا بعده وأخذوا معهم مدارسه التلحينية وبعد رحيل عظماء التلحين الآخرين محمد القصبجي ورياض السنباطي وفريد الاطرش ومحمود الشريف وأحمد صدقي ومحمد فوزي وحسين ومحمد إسماعيل وعزت الجاهلي وأحمد صبره.. كان سيصعب علي عبدالحليم أن يظل وحيدا يبحث عبثا عن ملحنين يواكبون العصر الذي عزت فيه المقامات الجديدة بعد أن قدم العظماء الواردة اسماؤهم في المقامات الغنائية الوسيطية في ألحان عبدالحليم وغيره.


ماذا كان عبدالحليم ليطيق إنجازاته الغنائية وهو في القمة؟ كل الخوف كان أن يعيد عبدالحليم تكرار أغانيه نفسها.. أو يقدم ألحانا ينصرف عنها المستمعون الجدد، وهو رجل وكان عدد سكان مصر نحو 38 مليون إنسان، والآن يبلغ عدد سكان المحروسة 90 مليوناً، ودخلت إلي مجتمعهم تقاليد وعادات ومناهج تكفّر الفن.. وأخري تستسهله ليكون الذوق فيه وصوله متواكبا مع كل شئ سريع وسهل ومائع وبلا معني.. تخيلوا أن اللحن الوحيد الذي واكب ثورتي يناير ويونيه العظيمتين في مصر هو تسلم الأيادي وهو لحن ملطوش بالكامل من أغنية شريفة فاضل "هل البدر بدري والأيام بتجري".


صحيح أن أغنياته مازالت حية في الأسماع وفي الذكريات.. وصحيح أن الأجيال التي ولدت بعد رحيله، تتذوق أعماله.. عندما يتابع لها سماعها.. لكن عصر تجارة الألحان المسروقة.. والجوائز المدفوعة الثمن ووسائل التواصل الاجتماعي، وهبوط الذوق العام، في الفن وفي السلوكيات، وصعود التسطيح فى التدين وسهولة التكفير، وبروز نجوم التدين ليصبحوا أعلاما تنافس الفنانين في جذب الملايين.. كلها عوامل ما كانت لتكون في مصلحة عبدالحليم لو ظل علي قيد الحياة.


سبحان الله.. رحل عبدالحليم في قمة عطائه وشبابه، والإقبال علي سماعه مازال يتقدم علي كل ما عداه من الراحلين والباقين.


عبدالحليم أيقونة الحب.. أحبه الله ليحبب فيه الناس، أحبه الله وهو في رحابه.. ولحكمة منه عز وجل اختاره يوم الأربعاء في 30 مارس منذ 38 سنة.