الحوثيون .. وضبط المزاج بعاصفة الحزم !

03/04/2015 - 8:26:38

على عبد الله صالح على عبد الله صالح

كتب - د. ناجح إبراهيم

الحوثيون هم حركة سياسية دينية مسلحة اتخذت من مدينة صعدة اليمنية مركزاً رئيسياً لها.. لأنها نشأت في هذه البلدة التي بدأت فيها الشيعة الزيدية التي أسسها زيد بن علي زين العابدين بن الحسين وبايعه أهل العراق في هذه البلدة الصغيرة.


وعرفت حركة "الحوثيين" بهذا الاسم نسبة إلي مؤسسها حسين الحوثي الذي قتلته قوات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح 2004.. والذي يتحالف الآن مع الحوثيين.. وهو الذي أعطاهم مع إيران قبلة الحياة والحكم معاً.


والشيعة الزيدية في اليمن كانوا أقرب الناس للسنة عامة والشافعية من اليمنيين خاصة.. وكانت سيرتهم مع أهل السنة عامة جيدة.. ولولا أن الدولة اليمنية لم تحسن جذبهم أو التعاون معهم أو الاستفادة منهم طوال عصورها ما شدوا رحالهم نحو إيران ووجدوا فيها وعندها الحضن الدافيء الذي افتقدوه من العرب سنة أو شيعة.


كما أن بعض حكام اليمن ومنهم علي عبد الله صالح تحالف مع بعض السلفيين المتشددين الذين يطلق عليهم السلفية المدخلية والتي أسسها مقبل بن هادي الوادعي والتي كانت تمثل فكرا ً متخلفا ً عن العصر الحديث ورؤية متحجرة للإسلام وغير مستوعبة للآخر السياسي والمذهبي.


فضلا ً عن تحالف الحكومة اليمنية وقتها مع بعض التكفيريين الذين يكفرون أطيافا ً كثيرة منها الشيعة الزيدية ومعظم حكام المسلمين.. وبعض هؤلاء كانوا ينضمون عادة لتنظيم القاعدة.


ولم يقدم علي عبد الله صالح نموذجا ً للحكم الرشيد إسلاميا ً ولا ديمقراطيا ً بل قتل زعيم الحوثيين مما جعلهم يلجأون إلي إيران ويترك أكثرهم المذهب الزيدي إلي المذهب الاثني عشري وتتدفق عليهم الأموال والأسلحة والعتاد العسكري ومئات الخبراء الذي قدموا من إيران ولبنان وحزب الله.. وأولئك علموا الحوثيين كل شيء بدء ً من الإعلام وانتهاء ً بالحرب.. لتتحول حركة الحوثيين بين غمضة سنوات الربيع العربي وانتباهتها إلي نموذج مطابق لحزب الله في لبنان.. ولكن ليس بذكاء حزب الله.. فغيروا اسمهم من الحوثيين إلي "أنصار الله" علي وزن " حزب الله" وأقاموا قناة تليفزيونية اسمها " المسيرة " هي نسخة طبق الأصل لقناة المنار التابعة لحزب الله.. ونفس طريقة الحشد والسيطرة علي العاصمة اليمنية والسيطرة علي كل شيء في البلد دون أن يكلفوا أنفسهم دفع الرواتب أو ما فيه مغارم.. أي يأخذون المغانم فقط.. وتغيير المذهب من الزيدية إلي الاثني عشرية.. وأصبحت القبلة إلي "قم" بإيران بدلا ً من "صعدة" باليمن.. وحولوا اليمن إلي دولة بلا رئيس ولا حكومة أشبه بلبنان التي تعيش بدون رئيس منذ قرابة العامين.


والفارق الوحيد بين لبنان واليمنيين هو انتفاخ الفم لجميع الفصائل اليمنية "بالقات".. حيث تكون السياسة لها طعم ومذاق رائع بنكهة القات.


ولم يكتف الحوثيون بالاستيلاء علي العاصمة ومقرات الجيش ولكنهم سجنوا الرئيس عبد ربه منصور هادي واعتقلوا الوزراء واستولوا علي قواعد الجيش.. وهرب الرئيس هادي إلي موطنه الأصلي في الجنوب.. فلم يتركوه بل ذهبوا بجيوشهم وميليشياتهم إليه لقتله واحتلال عدن عاصمة الجنوب التي يحتمي بها.


لقد أرادوا كل شيء ليبدأ ضياع كل شيء.. أرادوا الحكم والجيش والسلطة والإعلام والمال.


والغريب أن الذي شجعهم علي ذلك هو عدوهم الأول وقاتل زعيمهم حسين الحوثي وعدو إيران اللدود وصديق صدام الأثير علي عبد الله صالح رئيس اليمن السابق.. حيث تحول 180 درجة في لعبة السياسة القذرة.


إنها مفارقات السياسة.. ألم أقل لكم إن السياسة اليمنية معجونة بالقات فيمارسها الفرقاء بمزاج عال " وروقان ما بعده روقان ".. فالقات جعل الحوثيون لا يلتفتون إلي دول الجوار أو التوازن في الأمور داخل اليمن وخارجه أو التدرج في القفز علي السلطة.. ولا مراعاة أمن الخليج.. ولا الأمن الإقليمي.. ولا خطورة استقدام إيران إلي قلب الخليج وهي لم تهضم بعد الدول العربية التي التهمتها "العراق وسوريا ولبنان".


ورغم ذلك لم يلتفت الحوثيون لفداحة ما صنعوا ولم يدركوا مغبته ليفاجأوا بعاصفة الحزم التي ضبطت كيمياء عقولهم وأزالت أثر القات من أدمغتهم ليفيقوا علي الواقع المرير وهو أن في المنطقة دولا أخري قوية مثل إيران.


وقد جزم أكثر المحللين قبل عملية "عاصفة الحزم" أن اليمن غير السعيد سيكون مآله التمزق والتفتت إلي دولتين أو أكثر مع حرب أهلية مدمرة ومتواصلة.. وأن اليمن بعد استيلاء الحوثيين علي العاصمة لن يكون عربياً ولكنه سيصبح دويلة تابعة للإمبراطورية الإيرانية الممتدة من إيران للعراق فلبنان وسوريا.


ولكن عملية "عاصفة الحزم" جعلت أكثر المحللين يتراجعون عن هذه الرؤية ويرون أملا ً جديدا ً في وحدة اليمن من جهة ووضع الحوثيين في حجمهم الحقيقي وإعادة ضبط كيمياء العقل الحوثي الذي اختلت موازينه فطمع في السيطرة علي اليمن كله ولم يتوقف عند السيطرة علي العاصمة والجيش بل ضرب عدن وقتل ومحاصرة الرئيس اليمني هادي في مسقط رأسه.


جاءت عملية "عاصفة الحزم" لتجبر كل الأطراف وأولهم الحوثيون علي ترك الاحتكام لقوة السلاح وفرض الأمر الواقع بالقوة ووضع كل قوة في حجمها الحقيقي .


وجاءت كذلك لتجبر كل الأطراف علي العودة للحوار وتحكيم العقل وتقديم مصلحة الوطن علي الفصيل.


إن أزمة الحوثيين الحقيقية هي نفس أزمة داعش وحزب الله والقاعدة وأنصار الشريعة وبعض فصائل الحركة الإسلامية السنية في المنطقة.


وهذه الأزمة تتمثل في تقديم مصلحة الجماعة علي الوطن.. والفصيل علي الأمة.. وتقديم الولاء الخارجي علي الولاء للوطن.


فولاء الحوثيين لإيران أقوي من ولائهم لليمن.. وانحيازهم للمصالح والمطالب الإيرانية أكثر من انحيازهم للمصالح اليمنية ومحبتهم في إيران أكبر من محبتهم لليمن ومنطقة الخليج التي يعيشون فيها.


كما أن انحياز الإخوان للتنظيم الدولي أكبر من انحيازهم لمصالح الشعب المصري نفسه.. وانحياز حزب الله لإيران أكبر من انحيازه للوطن والدولة اللبنانية.


وكل هذه الفصائل تهتم دوما ً أن تكون أقوي من الدولة اقتصاديا ً وعسكريا ً واستخباراتيا وإعلاميا ً وسياسيا ً.. وقد تتفاوض نيابة عن الدولة في بعض الأوقات.. وقد تعطل الدولة ومؤسساتها في بعض الأوقات ولا تقبل في الوقت نفسه أن تتعطل مؤسسات الجماعة والفصيل أو الحزب.


هذه الأزمة لم تجد حلا ً حتي الآن في العقل العربي والإسلامي.. فعقلية وفكر الجماعة والفصيل هي أقوي دوما من عقل وفكر الدولة في معظم الجماعات الدينية السنية أو الشيعية علي السواء.


لقد فشل العرب دولا وحكومات وجماعات ومؤسسات دينية في استيعاب الشيعة العرب خاصة الشيعة الزيديين في اليمن وكانوا أقرب الناس للسنة كما لم يستطيعوا استيعاب مرجعية النجف الشيعية العراقية.. رغم أنها أقرب للعروبة والعرب.. وكذلك شيعة الخليج العربي.


ولم يجد هؤلاء صدرا حنونا لدي العرب أو استيعابا منهم حتي جاءت ثورة الخوميني وأصبحت إيران لاعباً رئيسياً في المنطقة يريد توحيد الشيعة جميعا تحت لواء إمبراطورية فارسية واحدة تتخذ من المذهب الشيعي كأداة سياسة لا أكثر ولا أقل.. وتستخدم الشيعة العرب لتحقيق أهداف هذه الإمبراطورية الكبري.


لقد وجد الشيعة العرب في إيران الجديدة ملجئاً لهم وملاذاً ومستقراً ومهرباً من قهر بعض الحكام مثل صدام.. او مهرباً من القتل مثل أولاد الإمام الصدر الذي قتل تقريبا ً في ليبيا دون ذنب.. أو أولاد وأقرباء حسين الحوثي.


ومعلوم أن الأجيال الصغري مثل الحوثي الصغير عبد الملك الحوثي الذي يسيطر علي اليمن الآن ومقتضي الصدر في العراق أو ابن عبد العزيز الحكيم في العراق أكثر شراسة وأقل عقلا ً وحكمة من آبائهم.


ولعل أول درس في عدم تكرار تجربة اليمن والعراق هو قدرة الدول والحكومات والجماعات علي استيعاب الشيعة العرب واحتضانهم بعيدا ً عن الحضن الإيراني الذي يسخر المذهب الشيعي كله لأغراض سياسية بحتة.. ولا تهمه مصالح العرب خاصة إذا تعارضت مع مصلحة الإمبراطورية الفارسية .


لقد ألجأت الضربات الجوية في عملية " عاصفة الحزم" إيران علي تهدئة الجو والقبول بالمتاح.. فإيران فجأة تذكرت الحل السياسي بعد عملية " عاصفة الحزم ".. ولم تتذكره حينما كان الحوثيون يحتلون العاصمة.. ولم تتذكره والحوثيون يحبسون الرئيس هادي ويسجنون الوزراء ويحتلون مقار قيادة الجيش.


لم تتذكر الحل السلمي والحوثيون يفعلون كل شيء ويجرون اليمن إلي نفق مظلم ومصير مجهول.. لم تتذكره وهي تري الحوثيون يزحفون علي عدن لقتل الرئيس واحتلال الجنوب أيضا ً.


ولم تذكر به أتباعها الحوثيون وهم يختصرون اليمن كله في شاب صغير ومجموعة مسلحة حوله.. كان يمكنها أن تذكرهم بالحل السياسي قبلها ليتم كل شيء في هدوء وسلام دون أن تتحول اليمن إلي سوريا أو العراق.. أليس كذلك؟!.