قمة الأمن القومى العربى والمفاهيم المغلوطة

03/04/2015 - 8:25:18

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - عزت بدوى

سيطرت أحداث اليمن والحملة العسكرية التى يشنها التحالف العربى بقيادة المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين فى اليمن من جهة والحرب على الإرهاب التى تهدد الأمن القومى العربى بالكامل من جهة أخرى على أجواء القمة العربية السادسة والعشرين التى عقدت بمدينة شرم الشيخ يوم السبت الماضى، لتكون بالفعل قمة الحرب فى مدينة السلام، وبمعنى آخر قمة الأمن القومى العربى وتحدياته الراهنة.


لأول مرة فى تاريخ الأمة العربية رغم ما بها من مِحن وأزمات على مدى 70 عاما منذ إنشاء الجامعة العربية تصبح بعض بلدانها مهددة بالانهيار من داخلها بفعل فاعل مع سبق الإصرار والترصد.. فالخطر هذه المرة لم يعد يهدد إحدى دولها كما حدث فى قمة 1946 لمواجهة خطر احتلال فلسطين أو قمة 56 فى بيروت لمناصرة مصر ضد العدوان الثلاثى أو قمة 67 فى الخرطوم لدعم الدول التى تعرضت للعدوان الإسرائيلى واحتلال أجزاء من أراضيها فى مصر وسوريا والأردن بجانب القدس الشرقية وغيرها من القمم العربية التى عقدت فى مواقف مشابهة مثل قمة 87 في عمان لمساندة العراق فى حربها مع إيران وقمة 1990 فى القاهرة لمواجهة احتلال العراق لشقيقتها الكويت..


إنما الخطر هذه المرة يهدد الهوية العربية وكيان الدول العربية ووجودها بالكامل ولا يستثنى منها أحداً بمحاولة تفتيتها داخلياً بجماعات إرهابية وحروب مذهبية مدعومة بقوى إقليمية وعالمية.


ولا يمكن مواجهة هذا الخطر الداهم إلا بالاصطفاف العربى ونبذ الخلافات البينية وتنحيتها جانباً، وإصلاح هياكل ومنظومة الجامعة العربية وتفعيل اتفاقياتها كاتفاقية الدفاع العربى المشتركة والسوق العربية المشتركة واتخاذ الخطوات التنفيذية لتفعيل آلياتها.


إن أبرز قرارات القمة الموافقة على تشكيل قوة عسكرية مشتركة للدفاع عن الأمن القومى العربى وبما لايمس أو ينتقص من سيادة أى دولة، وهى آلية طال انتظارها وخطوة هامة ستتبعها خطوات لتحديد مهام ومكان قيادة وزى وتسليح هذه القوى خلال الأشهر القادمة.


قرار تشكيل القوة العسكرية العربية يجب أن نتبعه قرارات أخرى على نفس المستوى وخاصة السوق العربية المشتركة التى مازالت تراوح مكانها رغم أن قرار إنشائها صدر قبل صدور قرار السوق الأوروبية المشتركة والتى تحولت إلى واقع فعلى أبعد من السوق ذاتها بإنشاء الاتحاد الأوروبى، وخاصة أن قوام السوق العربية يبلغ 300 مليون نسمة وودائع العرب لدى البنوك العالمية تزيد على 850 تريليون دولار أمريكى وتجارتهم مع العالم تبلغ 90% من حجم تعاملاتهم، بينما تجارتهم البينية لاتتجاوز 10% ووسط هذه الأجواء المفعمة باللحمة العربية لأول مرة بعيداً عن الحسابات والمصالح مع الدول العربية تخرج علينا بعض الأصوات التى تهدد وتتوعد وتعلو بمصالحها الذاتية الضيقة ومذاهبها الدينية على مصلحة أوطانها العليا، رغم أن الهوية والقومية العربية انصهرت داخلها كافة المذاهب والديانات منذ آلاف السنين.


فهل يعقل أن يعد دفاع الجيوش العربية بقيادة المملكة العربية السعودية عن الأمن القومى العربى فى اليمن فى مواجهة الزحف والحصار الشيعى الإيرانى لمضيق باب المندب تدخلاً فى الشأن الداخلى اليمنى.. وهل المطلوب من المملكة السعودية وبقية حلفائها العرب أن تظل مكتوفة الأيدى بعد تعنت ورفض الحوثيين الشيعيين كافة المساعى الخليجية لحل الأزمة والصراع على السلطة فى اليمن بالطرق السلمية والاتفاق بين كافة الشركاء فى الوطن بل وتوجيه الحوثيين للصواريخ البلاستيكية بعيدة المدى والتى أستولوا عليها من مخازن الجيش اليمنى نحو أراضى المملكة ذاتها!؟.


وهل يمكن أن يقبل أى زعيم مصرى أن تتحكم الميليشيات العسكرية للحوثيين المدعومين بالحرس الثورى الإيرانى فى مضيق باب المندب بعد سيطرة إيران على مضيق هرمز لتتحكم فى 50% من طرق الملاحة العالمية وتهدد الملاحة فى مجرى قناة السويس، وهل يقبل أى زعيم مصرى المساس بأمن دول الخليج العربى الذى يعد جزءا من الأمن القومى المصرى؟.


قرار دعم الشرعية فى اليمن جاء بناء على طلب من حاكمها الشرعى الذى انقلب عليه الحوثيون المدعومون من إيران بالتعاون مع الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح الذى أطاح به الشعب فى ثورة شعبية عارمة.


وعاصفة الحزم التى يقودها التحالف على الحوثيين لاتهدف إلى احتلال اليمن إنما حماية الأمن القومى العربى بالكامل المهدد بالخطر وتحقيق الاستقرار فى منطقة الخليج العربى، ودورها ينتهى بتمكين الرئيس الشرعى والحكومة الشرعية من بسط سيادة الدولة على كافة أركانها.


ومن هنا فإن قرار القمة بتشكيل القوة العسكرية العربية المشتركة هدفه الأساسى حماية الأمن القومى العربى والدفاع عن الهوية العربية فى مواجهة المؤامرات التى تحاك ضدها من القوى الإقليمية والدولية على السواء.


فلا يعقل أن تصم الآذان وتخرس الألسن عن التدخل الإيرانى فى العراق وسوريا وتدخل حزب الله الشيعى اللبنانى لدعم النظام السورى فى قمع الثورة الشعبية السورية، ولايعد ذلك تدخلاً فى الشأن الداخلى العراقى والسورى، ويعد دفاع العرب عن أمنهم القومى فى مواجهة المطامع الإيرانية فى مضيق باب المندب تدخلاً فى الشأن الداخلى اليمنى"، فأى معايير مزدوجة ومغلوطة هذه التى يتحدث بها حسن نصر الله زعيم حزب الله الشيعى اللبنانى، وبأى وجه يهدد ويتوعد؟ هل للدفاع عن مذهبه الشيعى الذى يريد نشره فى منطقة دول الخليج العربى لزرع بذور الفتنة المذهبية فى المنطقة أم دفاعاً عن سادته من الملالى وطموحهم فى إعادة سيطرة الفرس على العالم العربى.


القمة العربية الأخيرة أخرجت المارد العربى من قمقمه وأعادت اللحمة للصف العربى فى مواجهة الدسائس والمؤامرات التى تحاك له من كل جانب.